منتصف اللّيل قرب البحيرة „باد زيغيبيرغ “
كأنّهُ يُبتلعُ في رحمِ نوت حين تنحني على العالم
مصعب الشيخ علي
يغيبُ الأفقُ الواسعُ في جوفِ العتمة،
كأنّهُ يُبتلعُ في رحمِ نوت حين تنحني على العالم،
وتتماهى السماءُ مع البساتينِ الصفراء،
مع أكواخِ الفلاحين، ودروبِ الخيولِ الموحلة،
مع الينابيعِ وطواحينِ الهواء،
كأنّ الأرض تصوغُ نفسها في مرآةِ الغياب،
ظلام، ظلام، ظلام.
كطبقاتِ هاديس حين يفتحُ أبوابَهُ في الأسفل،
وحدهُ ضوءُ القمر، مثقلٌ بالآهاتِ والأحلام،
كوجهِ سيلين حين تُحدّقُ بالعابرين،
يرتعشُ فوق مياهِ البحيرة العذبة،
والأمواجُ الرَّتيبةُ تدفع، في إيقاعٍ واهن،
مراكبَ الصَّيدِ المشدودة إلى الأرصفة،
تتمايلُ على صدى أهازيجٍ شعبية،
يتمتمُ بها الصيادون، كأنّهم يستدعون ديونيسوس
في سهراتهم خلفَ البار.
***
هنا الليلُ طويل، ولا صباح،
والشتاءُ طويل، ولا صيف،
كأنّ ديموزي لم يعُد من دورته،
وكأنّ برسيفوني لم تصعد من القاع.
فلتعدّي لنا قليلًا من الخبز والحساء،
على ضوءِ الشموع،
ولتسكبي الخمرَ في آنيةٍ من الفخّار،
كقِرب من دمِ أدونيس،
لنشرب ليلَنا، المنسكبَ من الدماءِ،
قربَ المواقدِ حتى الفجر،
حتى يعود تموز، وترضى عشتار،
ولا تنفتحُ أبوابُ إريشكيجال من جديد.
***
في كحلِ الليل، يُقرَعُ بابي الموصَد،
كأنّ أنوبيس يمرُّ عابراً بين البيوت.
صديقٌ قديم، بمعطفٍ مبتلّ، وبقدمين موحلتين،
يهمُّ بالدخول، لنقفَ على الشرفةِ العالية،
نُطلُّ على نجومٍ واهنة،
تومضُ بين الغيوم كعيونِ مورفيوس المتعبة،
ونتبادلُ حديثاً عن شائعاتِ المدينة،
عن تلاطمِ الهواجسِ والأنباء،
حتى يقتربَ الفجرُ من السماء،
وقطعانُ النملِ تلتفُّ حول فوّهاتِ قواريرِ جِعَتنا،
كأنّها بقايا قرابينَ تُركتْ بلا آلهة.
الصبيّةُ التي تسكنُ وحيدةً قربَ التلال،
وتتجنّبُ تحيّاتِ الغرباء،
والعجوزُ الهرِمةُ تسردُ لها أساطيرَ قديمة؛
عن نيميسيس حين تقتصُّ من الغافلين،
عن الصليبِ المحمولِ على الأكتاف،
عن الرومان،
وعمّا يُشاعُ عن الدروبِ المظلمةِ عند البحيرة،
كأنّ ست يسكنُها في الخفاء،
عن الخطرِ الذي يُهدّدُ هويّةَ المدينة؛
كيف يتجمّعُ الوافدون في آخرِ الليل، في العتمة،
في ساحةِ الباعة، قربَ الشاطئ،
وعند محطةِ القطار؛
عن شَعرِهم المُتَلَبِّد، وعيونِهم السوداء،
عن ذلك التجهّمِ في الوجوه،
والتجاعيدِ على الجباه،
والعقدةِ الغائرةِ بين الحاجبين،
كأنّ نِرغال مرَّ بهم وتركَ أثره.
„إنهم لا يشبهوننا…
ألا ترين تلك الأردية الغريبة؟ تلك الموسيقى،
تلك الرّقصاتِ الريفية؟
عليهم أن يرحلوا من هنا، بأي طريقة – لا يهمني“
كلماتٌ معدودات،
لكنّها، كتعويذة من زمنِ إنليل ،
كفيلةٌ بأن تورّثَ جيلاً كاملاً
كراهيةً منسوجةً من الوهم،
وأن تهدم – بصمتٍ بارد –
حلماً واسعاً بالسلام.
نبض