ماذا يَنقُصُني بَعد؟

منبر 19-08-2026 | 10:11

ماذا يَنقُصُني بَعد؟

أعلِن بولس يوماً:"إَنّي بِنِعمَةِ ٱللهِ صِرتُ على ما أَنا عَلَيه". ولكن ما المقصود بـ"نعمة الله"؟
ماذا يَنقُصُني بَعد؟
تعبيرية
Smaller Bigger

الاب ايلي قنبر 

 

 

 

 

1."نِعمَتُهُ ٱلَّتي فِيَّ لَم تَكُن باطِلَةً"
أعلِن بولس يوماً:"إَنّي بِنِعمَةِ ٱللهِ صِرتُ على ما أَنا عَلَيه". ولكن ما المقصود بـ"نعمة الله"؟ في حديثه إلى تيطُس يُبيِّن لنا حقيقتها البهيّة:"لقد ظهرَت نعمة الله المخلِّصة جميع الناس" ، يسوع المسيح. نعمة الله تعمل لصالح الجميع وبالجميع وفيهم، وتتجلّى من خلال بعضهم أو يُطفئها في ذاته بعضهم الآخَر. والتجلّي رهن تفاعلنا مع نعمة الله فينا، واستثمارنا للطاقة والقدُرات التي استودعها في كلٍّ منّا. يسوع يستثير أبداً إمكاناتنا بطريقته التَوليديّة ، ونحن نقف عند حدود اهتماماتنا الصغيرة : "رواياتي صغيرة واهتماماتي صغيرة". يُشير الناصريّ على شابٍّ أتاه: لا يكفي أن أكون صادقاً، غيوراً، مُتدَيِّناً جدّاً، تقيّاً، أذهب أسبوعيّاً إلى الصلاة الجَماعيّة وإلى درس كلمة الله وأحفظ الوصايا المرتبطة بحُبّ القريب ، ساعياً إلى الحياة الأبديّة من خلال أفعالي الخيِّرة، بل الأصحّ أن يكون لحياتي معنى، ووُجهة مع بوصَلة بلوغاً لميناء الحياة مع الله . أُولويّتي أن يكون الله "سيّد حياتي"، الحبيب الأوّل الذي أتماهى معه والذي يتقدّم على كلّ شيء ("بِع كلّ ما لك") وعلى كلّ ما عداه ("وأعطه للمساكين"). بِتجاوزي الكلّ وتجرّدي .. يمكنني "سماع": "تعالَ اتبعني"، تعالَ لنصير واحداً.
سنحاول أن نتبيَّن تجلّيات نعمة الله أو عتمة البعض في راهن عالمنا ومنطقتنا.  
"هناك قادة ... يزدادون حضوراً كلّما تغيّر العالم وازدادت أسئلته تعقيداً". هنا يحضرني فيديل كاسترو الذي "أصبح جزءاً من نقاش عالمي متجدّد حول السيادة الوطنيّة، ودور الدولة، والعدالة الاجتماعيّة، وحدود الهيمنة في النظام الدوليّ". فضيلته هنا... الوفاء للقضيّة، والقدرة على النظر إلى الاحتمال الأسوأ من دون أن يمنحنا ذلك عذراً للانسحاب". تميَّز بهذا لأنّه فهِم أنّ "المقاومة، بمعناها الأخلاقي الأوسع، هي بالضبط أن تعرف أنّ التاريخ لا يدين لك بشيء، ثمّ تُواصل مطالبته بالعدالة" . أمّا عندنا، فقد سحقَت السلطة السيادة الوطنيّة لصالح الاستعمار والمحتلّ، إذ وافقت ألَّا تشكوهما، وألَّا تُطالبهما بوَقف انتهاكهما للسيادة بفَرض مشيئتَيهما على شعبنا كما على جيشنا وتعريضه للقتل والمهانة بطلب انسحابه أمام المحتلّ تارةً، وكَمّ فمه تارةً أُخرى أمام "العفو العامّ" الذي منح قاتلي جنوده وضبّاطه الهروب من العقاب المستحَقّ. لكن "ما دام التاريخ لم يُغلق، فلا يوجد حكم نهائي يمنح الشرّ انتصاره قبل وقوعه" . ما نحتاج سماعه:"قد لا يكون كل شيء بخير، ومع ذلك تبقى هناك أشياء تستحق أن نُقاتل من أجلها". قد يقول الإنسان «أنا يائس» ما "قد يعني أن الوضع صار بالغ الخطورة إلى حدّ أنّ كلّ شيء في داخله يصرخ طلباً للفعل (لا الاستسلام)، بحيث يصبح اليأس أحياناً "شكلاً من أشكال الإدراك الحادّ للواقع، لا مجرَّد ضعف نفسيّ".
ومن التجَلِّيّات ما قدّمَته سيمونّ دوبوڤوار من "تحليل تأسيسيّ للكيفيّة التي تتحَوَّل بها المرأة إلى«آخَر» داخل النظام الأبَوِيّ...".
كذلك يتجلّى ࢷاولو فْرِيرِي  إذ يرى التعليم نفسه "مجالاً مُمكناً لتكوين الوعي النقديّ وتحرير المقهورين من خلال الحوار والممارسة"، و"موقعاً لإنتاج المقاومة".
ويكتب فْرانز فانُون  "من داخل مشروع تحرُّري. بالنسبة إليه تأتي مقاومة الاستعمار حين"يتحوّل المحكومون من حاملي تصنيفات النظام إلىمُنتِجين لرؤية أخرى للعالم؛ وعندما يصبح الحِسّ العمليّ وعياً سياسياً، وتتحوَّل جماعات مشتَّتة إلى قوّة اجتماعيّة قادرة على تعديل قواعد الحقل، أو حتى كسر الحقل ذاته" .
2."ماذا يَنقُصُني بَعد؟"
قال يسوع يوماً:"أبي يعمل أيضاً وأنا أعمل" . إن كان الله يعمل ويرى ما يصنعه "حسناً"، وإن كنّا "على صورته، كمِثاله"،  فلا بدّ لنا نحن أيضاً من أن نكون عاملين معه، وبِثقة وشجاعة. 
بعضنا يرى"المشكلة في الاعتقاد بأن لا شيء يمكن فعله" ، إلى حدّ الاستسلام وتقييد اليَدَين. يقول كريم حدّاد:"أمّا مَن لا يجعل التزامه مشروطاً بمكافأة قريبة، فيَستطيع أن يتحمّل الخَيبات بصورة مختلفة". من هنا استخدام هذه الـ"استعارة الجميلة: النشاط المُتشائم  قد يكون ناراً بطيئةَ الاحتراق، لا تحتاج كلّ يوم إلى وقود الانتصارات الصغيرة لكي تبقى مشتعلة".
نعم،"ثمة أفعال نَفعلها لأن عدم فعلها أسوأ أخلاقياً، لا لأن نجاحها مضمون. ونُدافع عن البشر لأن قيمتهم لا تتوقّف على إمكانية إنقاذهم جميعاً. ونقف في جانب الحياة لأنّ احتمالات المُنتصرين ليست هي التي تقرِّر أيَّ جانب يستحقّ الوقوف معه". بناءً عليه، "من يأخذ قضيّته بجِدِّيَّة يريد أن تنجح أفعاله، ولذلك يختار الوسائل الأكثر فاعلية" ، ومن بينها الديمُقراطيّة والمقاومة بأشكالها المختلفة لأنّه - في الأساس - "اختار الحياة" ، ولأنّه يؤمن بأنّ "القدير يصنع به عظائم" . لِمَ اختيار الديمُقراطيّة؟ لأنّها "تحتاج إلى مواطنين يدافعون عنها، وأحزاب تنظّم المجتمع، وصحافة تراقب السلطة، وناس مستعدّين لقبول تداول الحكم"؛ ولأنّها "النظام الذي يسمح للأشخاص الذين لا يتّفقون بأن يبقوا مواطنين في دولة واحدة"  كما في حالتنا، في لبنان.
ولبعض مسيحيّي لبنان، أضع كلمة بولس أمام ضميرهم:"أُذَكِّرُكُمُ ٱلإِنجيل ٱلَّذي بَشَّرتُكُم بِهِ ... إِلاّ أَن تَكونوا قَد آمَنتُم باطِلاً" . مفهوم؟

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

لبنان 8/18/2026 4:37:00 PM
في 14 آب 2023، أعلنت مؤسسة كهرباء لبنان أن الإدارات العامة ومصالح المياه ملزمة تسديد فواتيرها، وأن عدم الدفع يكون تحت طائلة قطع التيار الكهربائي.
فن ومشاهير 8/14/2026 11:44:00 AM
تزين المكان بديكورات مترفة، وطاولات مضاءة عكست بريق الأمسية، وتنسيقات ورود بيضاء مذهلة أضفت طابعاً رومانسياً وحالماً على الأجواء.