حلف مكة والشرق الأوسط الجديد: كيف يعيد لبنان تعريف موقعه الإقليمي؟

منبر 19-08-2026 | 10:01

حلف مكة والشرق الأوسط الجديد: كيف يعيد لبنان تعريف موقعه الإقليمي؟

يشهد الشرق الأوسط تحولاً يتجاوز تبدّل التحالفات، ليطال بنية النظام الإقليمي نفسه. فمع تراجع النفوذ الإيراني في عدد من الساحات، وصعود أدوار السعودية وتركيا، وظهور التعاون السعودي–التركي–الباكستاني كإطار أمني جديد، تبدو المنطقة أمام انتقال تدريجي من نظام المحاور التقليدية إلى نظام أكثر تعدداً في مراكز القوة.
حلف مكة والشرق الأوسط الجديد: كيف يعيد لبنان تعريف موقعه الإقليمي؟
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يصافح ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بحضور رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، عقب توقيع اتفاق للدفاع المشترك في مكة المكرمة، 7 آب/أغسطس 2026. (الرئاسة التركية)
Smaller Bigger
الدكتور محمد موسى عيسى


يشهد الشرق الأوسط تحولاً يتجاوز تبدّل التحالفات، ليطال بنية النظام الإقليمي نفسه. فمع تراجع النفوذ الإيراني في عدد من الساحات، وصعود أدوار السعودية وتركيا، وظهور التعاون السعودي–التركي–الباكستاني كإطار أمني جديد، تبدو المنطقة أمام انتقال تدريجي من نظام المحاور التقليدية إلى نظام أكثر تعدداً في مراكز القوة.
وتكمن أهمية هذا التحول بالنسبة إلى لبنان في سؤال أساسي: هل يبقى لبنان ساحة تتنافس عليها القوى الإقليمية، أم يستطيع أن يتحول إلى دولة تعيد تعريف موقعها على أساس مصالحها الوطنية؟
كان النفوذ الإيراني خلال العقود الماضية أحد أبرز مكونات النظام الإقليمي؛ وشكّل لبنان، عبر حزب الله، امتداداً أساسياً لهذا النفوذ في شرقي المتوسط. لكن التحولات التي شهدتها المنطقة، ولا سيما في سوريا ولبنان، أضعفت هذا النموذج، وأعادت رسم حدوده ونفوذه. وهذا لا يعني انتهاء الدور الإيراني، بل تراجع قدرته على العمل وفق شبكة النفوذ الجغرافية والسياسية التي عرفتها المنطقة سابقاً.
في المقابل، يبرز التعاون السعودي–التركي–الباكستاني الناشيء باعتباره مؤشراً إلى رغبة قوى إقليمية في تعزيز قدراتها الأمنية بصورة أكثر استقلالاً؛ فالسعودية تمتلك الثقل الاقتصادي والطاقة والموقع العربي والإسلامي، وتركيا تمتلك القوة العسكرية والصناعات الدفاعية والموقع الجغرافي، فيما تضيف باكستان إلى المعادلة قوة عسكرية وقدرات نووية.
لكن من المبكر وصف هذا التعاون بأنه "ناتو إسلامي" أو مظلة نووية مكتملة. الأهم أنه يعكس اتجاهاً جديداً نحو تنويع مصادر الأمن والقوة، بحيث لا تبقى الدول الإقليمية معتمدة على مظلة واحدة. وهذا لا يعني بالضرورة استبدال الولايات المتحدة، بل قد يعني انتقالها من دور الضامن الأمني شبه المنفرد إلى شريك ضمن شبكة أوسع من الترتيبات الإقليمية.
في ظل هذه التحولات يصبح لبنان أمام فرصة وخطر في آن واحد.
الفرصة أن تراجع نفوذ قوة إقليمية يمكن أن يفتح المجال أمام الدولة اللبنانية لاستعادة مساحة من القرار والسيادة. أما الخطر فهو أن يتحول هذا التراجع إلى فراغ تتنافس قوى أخرى على ملئه؛ فالفراغ الجيوسياسي لا يبقى طويلاً، وإذا لم تملأه الدولة، ملأته قوى أخرى.
لذلك، فإن الخطأ الاستراتيجي الأكبر هو أن ينتقل لبنان من محور إلى محور؛ فلا المطلوب "لبنان سعودي"، ولا "لبنان تركي"، ولا "لبنان أميركي"، كما لا ينبغي أن يكون لبنان امتداداً لأيّ قوة إقليمية أخرى. القاعدة التي ينبغي أن تحكم المرحلة المقبلة هي: لبنان يحتاج إلى شركاء، لا إلى أوصياء.
يمكن للسعودية أن تكون شريكاً في الاستثمار وإعادة الإعمار والعلاقات العربية، وأن تكون تركيا شريكاً في الاقتصاد والطاقة والبنية التحتية والتجارة، والولايات المتحدة شريكاً في دعم الجيش والأمن، وأوروبا شريكاً في الاقتصاد والمؤسسات. لكن يجب أن تمر هذه العلاقات جميعاً عبر الدولة اللبنانية، لا عبر قوى سياسية أو أمنية داخلها.
وهنا يصبح احتكار الدولة للقوة شرطاً أساسياً لحسن التموضع. لكن حصرية السلاح لا يمكن أن تكون منفصلة عن حماية لبنان؛ فالدولة التي تطلب أن تكون صاحبة القرار الأمني والعسكري يجب أن تمتلك القدرة على الدفاع عن أراضيها.
لذلك ينبغي أن تقوم المعادلة على الثوابت الآتية: تعزيز الجيش وحصر السلاح، بالتوازي مع حماية الحدود، وتثبيت السيادة، ومعالجة الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية، والحصول على ضمانات عربية ودولية.
يشكل الجنوب الاختبار الحقيقي لهذه المعادلة؛ فلبنان لا يستطيع أن يثبت سيادته إذا بقي الجنوب ساحة مفتوحة للصراع، كما لا يستطيع أن يتحمل مسؤولية الأمن فيه من دون دعم دولي يتيح للدولة ممارسة سلطتها. والهدف النهائي يجب أن يكون تحويل الجنوب من جبهة مواجهة إلى مساحة سيادة وتنمية واستقرار.
ولا ينبغي أن يعني حسن التموضع اللبناني الانكفاء عن المنطقة أو الحياد السلبي. على العكس، يستطيع لبنان أن يكون حاضراً إقليمياً من موقع الدولة، مستفيداً من موقعه الجغرافي، وموارده البشرية، وعلاقاته العربية والدولية، ودوره التاريخي في التعليم والاستشفاء والخدمات والديبلوماسية والوساطة.
فلبنان لا يستطيع منافسة السعودية أو تركيا أو إيران في القوة الصلبة، لكنه يستطيع أن يكون دولة توازن واتصال ووساطة، وأن يحول موقعه من مصدر للصراع إلى مصدر للقوة.
كما أن التحول الإقليمي يحمل فرصة اقتصادية؛ فإذا دخلت المنطقة مرحلة استقرار وإعادة إعمار، يستطيع لبنان أن يستعيد دوره في الخدمات والنقل واللوجستيات والتعليم والاستشفاء والسياحة، وأن يستفيد من تكامل محتمل بين رأس المال الخليجي، والقدرات الصناعية والتنفيذية التركية، والموارد البشرية والموقع اللبناني.
وهكذا يصبح الاقتصاد جزءاً من الأمن القومي، لأن الدولة القادرة اقتصادياً تكون أكثر قدرة على حماية قرارها السياسي.
إن أمام لبنان أربعة مسارات: الانضمام إلى محور جديد، أو محاولة إعادة إنتاج المحور السابق، أو التحول إلى ساحة تنافس بين القوى، أو بناء لبنان الدولة المتوازنة.
والخيار الأخير هو الأكثر انسجاماً مع المصلحة الوطنية.
فالمطلوب ألا يخرج لبنان من محور ليدخل محوراً آخر، بل أن يخرج من منطق المحاور نفسه. وأن تتحول علاقاته مع السعودية وتركيا والولايات المتحدة وأوروبا وسائر الدول إلى شبكة شراكات تخدم مصالحه، لا إلى أدوات نفوذ داخلي.
إن التحول الإقليمي الحالي قد يكون أحد أخطر التحديات التي يواجهها لبنان، لكنه قد يكون أيضاً فرصة تاريخية. فالفراغ الذي يتركه تراجع نفوذ أيّ قوة خارجية لا ينبغي أن تملأه قوة خارجية أخرى، بل ينبغي أن تملأه الدولة اللبنانية.
وعندها فقط يمكن للبنان أن ينتقل فعلاً:
من لبنان الساحة إلى لبنان الدولة، ومن لبنان المحور إلى لبنان التوازن، ومن لبنان المستهلك للأمن إلى لبنان المنتج للاستقرار، ومن لبنان الذي يتلقّى التسويات إلى لبنان الذي يشارك في صياغتها.
وهذه ليست مجرّد إعادة تموضع في السياسة الخارجية، بل إعادة تعريف لمكانة لبنان في النظام الإقليمي الجديد.

الأكثر قراءة

لبنان 8/18/2026 4:37:00 PM
في 14 آب 2023، أعلنت مؤسسة كهرباء لبنان أن الإدارات العامة ومصالح المياه ملزمة تسديد فواتيرها، وأن عدم الدفع يكون تحت طائلة قطع التيار الكهربائي.
فن ومشاهير 8/14/2026 11:44:00 AM
تزين المكان بديكورات مترفة، وطاولات مضاءة عكست بريق الأمسية، وتنسيقات ورود بيضاء مذهلة أضفت طابعاً رومانسياً وحالماً على الأجواء.