بريق بارِد
محمد سعيد حميد - اليمن
بعد أن سلّم جواز سفره، وتسلم وثيقة سفر لاجئ، إغرورقت عيناه. كان يسلّم آخر دليل مادي على أن له وطناً قد يعود إليه يوماً. وحين وقّع على الأوراق في مكتب المفوضية العليا، بدا له كأنه يوقّع على شهادة وفاة طفولته وشبابه في مدينة عدن.
في شقّتهِ الجديدة بمدينة أوسلو، جلس محمد عارف على الأريكة يتأمل الجدار الأبيض أمامه من دون أن يفعل شيئاً. الصمت هو الصوت العالي، لم يكن صمت سلام، بل صمت فراغ. كان هواءُ شقّتهِ خالياً من رائحة صيرة، ومن عبق البخور العدني والفل والكاذي الذي يتسلل إلى الشوارع من كل نافذة وباب وقت الأصيل.
اكتشف أن الحماية الدولية حمت حياته، لكنها عجزت عن حماية قلبه؛ فقد حُكم عليه بنفيٍ أبديٍّ عن جغرافية روحه.
رنّ هاتفه فجأة. كان اسم أمه يضيء الشاشة. تردد لحظة قبل أن يجيب، وهو يمسح دمعة سقطت على خده. سألته بصوتها المألوف إن كان قد تناول طعامه، وإن كان البرد لايزال قارساً. قال لها إن كل شيء تمام وهو بخير، كما يقول دائماً. تحدثا دقائق قصيرة عن أمور صغيرة، ثم ساد صمت ثقيل لا يعرفان كيف يملآنه. قبل أن تغلق، قالت: "انتبه لنفسك يا ولدي". ثم سكتت. لم تقل "تعال"، لأنها تعرف أنه لا يستطيع.
بعد المكالمة، ظل الهاتف في يده طويلاً، كأنه نافذة أُغلقت لتوّها على عالم كامل.
أصبح وطنه خريطة على شاشة الهاتف، يلمسها بأصابع مرتجفة. والذكريات، يا للعبث، تحوّلت إلى كائن ذي وجهين: تدفئه لحظة بلحظة حكايات أمه قبل النوم، وصخب مقهى عبدان في حارة حسين، ورائحة الخمير عند الفجر، وهي تعبق في أزقة المدينة، ثم ترفسه فجأة إلى واقعه البارد.
يعيش محمد عارف بجسدٍ يستجيب روتين البلد الجديد: يذهب لتعلم اللغة، يدفع الفواتير. لكن قلبه معلّق هناك، في الزقاق الضيق المؤدي إلى بيتهم، حيث تتدلى من الشرفة عباءة أمه المطرزة. قلبه هناك عند قبر أبيه الذي فقده وهو في بلاد الثلج. كم تمنى أن يقف لحظة عند القبر، يسكب على ريحانه قطرات ماء، ويحدثه عن تفاصيل حياته الجديدة.
ذات صباح، بينما كان يتناول قطعة خبز مغموسة بالجبن، خطفته رائحة خبز التنور المحمص وقهوة أمه. لم تكن مجرد رائحة طعام، بل كانت شعوراً كاملاً: دفء الفرن الذي يزيد صيف عدن سخونة، وصوت أبو الليم في سوق الطويل وهو ينادي "الليم.. الليم... برِّد... برِّد"، شعوره بالفرح وهو طفل صغير يلعب في الحارة.
أغمض عينيه، واستنشق بعمق، لكن كل ما شمه كان رائحة الخشب والجبن من مطبخه الحديث. انكسر بداخله شيء ما. أدرك أن طقوس حياته البسيطة - كشرب الشاي العدني مع أصدقائه على إيقاع أحاديث عشوائية، أو تناول السمك المشوي بالبهارات الحارة في زحام السوق وسط الصخب والمزاح، قد تحولت إلى أحلام فاخرة، مستحيلة التحقيق.
هذا وجعٌ لا يوصف. لم يُنفَ لأنه ارتكب جريمة، بل لأن "من قرروا أن وجوده في الوطن لم يعد ممكناً"، كما يقول لنفسه. رموه ليقتات على فتات الحنين في منفى بريقه بارد. وأقسى ما في الأمر، أنه في مرآة حمامه كل صباح يكتشف أن الزمن مرّ على وجهه أكثر مما مرّ على التقويم. يبحث عن ذاته التي تركها تتسكع في شرفة بيتهم القديم، فلا يجدها.
في مساءٍ اكتست فيه المدينة بالثلوج، خرج محمد عارف يتمشى في الشارع القريب من سكنه، بل من زنزانته كما يحلو له تسميتها. الأضواء منتظمة، والوجوه العابرة لا أحد ينظر إلى الآخر. توقف أمام مقهى زجاجي مزدحم، استمع للضحكات وللحياة التي كانت يوماً مألوفة، ثم حاول أن يبتسم لشخص قربه. نظر إليه الرجل بنظرة سريعة، ثم أكمل طريقه. لا عداوة، لا فضول، لا شيء. فقط لا شيء، وانصرف كما جاء، يشعر بثقل فراغه أكثر من قبل.
وأثناء سيره، رأى طفلة صغيرة سقطت حقيبتها عند زاوية الطريق، وبدأت بالبكاء. تردد للحظة، كأن الجليد الذي يحيط به يمنعه من التحرك، ثم اندفع بسرعة والتقط الحقيبة وسلمها لها. نظرت إليه بابتسامة صغيرة، وأومأت برأسها امتناناً، ومضت. شعر بشيء لم يشعر به منذ شهور: حركة، فعل، وجود حقيقي خارج الصندوق. لكنه كان شعوراً قصيراً، مثل انفجار ضوء في ليلة حالكة، واختفى بمجرد أن واصلت الطفلة طريقها.
عاد إلى شقّتهِ، حيث الصمت ينتظره مثل حارس صامت على عتبة الغرفة. بعد ذلك، أخرج "حقيبة" من أعماق خزانته. ليست حقيبة حقيقية، بل صندوق خشبي صغير. بداخله: حفنة من أصداف جُمعت من ساحل أبين في آخر يوم قبل سفره، وأبريق صغير من أمه، وصورة بالية للعائلة. يلمسهم، فيغمره حزن جبّار، ثقيل كجبل. هذا هو وطنه الآن: بقايا أشياء، وذكريات محنطة في صندوق. يغلقه، ويسمع صوت القفل كصوت إقفال باب السجن. يعلم أن عليه أن يستيقظ غداً لدروس اللغة، لكن جزءاً منه، الأكثر حيوية، بدا كأنه أُغلق مع ذلك الصندوق إلى الأبد.
يسأل نفسه أحياناً: ترى، هل ما زال محمد عارف موجوداً في مكان ما؟ أم أن ختم اللجوء لم يقتل الرجل فقط، بل قتل كل الاحتمالات التي كانت ممكنة له؟ لكنه هنا، في هذا الصندوق الزجاجي النظيف، مجرد أسير وفواتير وانتظار. يهنئه زملاؤه قائلين: "وفقت باللجوء". فيبتسم. لا يعرف كيف يشرح لهم أن من هرب من الموت مرة، قد يدوسه الموت كل يوم بألف نعل، ولا يموت. وقبل أن يطفئ الضوء، وقعت عيناه على الصندوق الخشبي. ظل يتأمله طويلاً. ثم نهض، وفتحه مرة أخرى. أخرج صدفة صغيرة كاللؤلؤة من بين الأغراض، ووضعها على الطاولة قرب سريره.
لم يكن ذلك سيعيد له وطنه، ولم يكن وعداً بالخلاص.
لكنه للمرة الأولى منذ سنوات، ترك شيئاً من الوطن خارج الصندوق.
نبض