الدّفاع عن الجنوب بين المقاومة والوعيّ السّياسي قراءة سياسية في ضوء كلمة الإمام موسى الصدر
..."الهدف الثالث، وهو الدفاع عن الجنوب، طبعاً نحن نتذكر، أنّنا سمينا حالنا، أفواج المقاومة، لسنا جيشاً، ولا نتمكّن أن نكون جيشاً.
الدكتور عبّاس حيدر
من محاضرة لسماحة الإمام القائد السيد موسى الصدر :
..."الهدف الثالث، وهو الدفاع عن الجنوب، طبعاً نحن نتذكر، أنّنا سمينا حالنا، أفواج المقاومة، لسنا جيشاً، ولا نتمكّن أن نكون جيشاً. المقاومة، دورها فقط دور منع التسلل، أو التّسرب الإسرائيلي. هذا الدّور باقٍ وسيبقى، وأرجو أن يكون باقياً دائماً، ويعتبر كل فرد من أفراد الحركة نفسه مسؤولاً عن هذا الشأن. نحن إذا وجدنا دورية إسرائيلية، أو كوماندوس إسرائيلي، أو تسلل إسرائيلي، دخل الأراضي اللبنانية، نحن واجبنا أن نطلق النار عليه، أن نفجّره، أن نضع قنبلة تحت السيارة، أن نعمل ما يمكننا لكي لا تعتبر إسرائيل أنّ الدخول إلى لبنان «شمّة هوا»، مثل ما كان وحتى الآن ترى ذلك. نحن مسؤوليتنا رفض الاعتداء على أراضينا بأي ثمن كان، ولو بثمن الموت. لأنّه أنا لا أقدر أتصور أن قادتنا في التاريخ، كانوا يقبلون على نفسهم هذا الشيء! هذه المهمة، يعني المهمة الدفاعية غير العسكرية، لأنه هناك مهمة دفاعية، قد تكون مهمة عسكرية، مهمة جيش، هذا ليس لنا علاقة فيه، لأننا لا نملك نحن جيشاً، شبابنا موجودون في الجيش، ويعملون مع الدولة. لكن كأفراد، نحن مهمتنا مهمة كوماندس، مهمة منع التسرب الإسرائيلي إلى أراضينا، هذه المهمة باقية وستبقى. مهمة الدفاع عن النفس، هذه لا تتحدد طبعاً؛ إنما يجب أن ننتبه بأن الفتنة قائمة، فلا نستغل من قبل اليمين، أو اليسار في المعارك، في الفتنة، في الشعارات، في العمليات التي تهيئ لإضعاف موقف أحد، أو لتقوية موقف إسرائيل، ما لنا خبز في هذه المعارك أبداً. مسؤوليتنا الوعي والانتباه، وأن نمسك الأوضاع بعقلنا، وبيدنا، وبنصيحتنا نخفف الانفجار، ونمنع التطرف، والتدهور في الأوضاع".....
في هذه الكلمة، لا يتحدث الإمام موسى الصدر عن المقاومة بوصفها شعاراً عاطفياً أو مشروعاً مفتوحاً على كلّ الاحتمالات، بل يضع لها تعريفاً دقيقاً وحدوداً واضحة ووظيفة سياسية وأخلاقية محددة: الدّفاع عن الأرض ومنع الاعتداء الإسرائيلي، مع الحفاظ على وعيٍ يمنع المقاومة من التّحول إلى أداة في الصّراعات الدّاخلية.
وهنا تكمن أهميّة كلام الإمام اليوم، لأنّنا في لبنان لم نعد أمام سؤال: هل الجنوب يحتاج إلى دفاع؟ بل أمام سؤال أكثر تعقيداً: كيف نحمي الجنوب من دون أن يتحول الدّفاع عنه إلى سبب إضافي لانقسام اللبنانيين أو إلى مدخل لإضعاف الدّولة والمجتمع؟
الإمام الصدر كان واضحاً عندما ميّز بين المقاومة والجيش، فهو يقول إنّ أفواج المقاومة ليست جيشاً، وإن مهمة المقاومة هي منع التّسلل والاعتداء الإسرائيلي، بينما تبقى مهمة الجيش والدّفاع العسكري الشامل من مسؤولية الدّولة ومؤسساتها. وهذه التّفرقة ليست تفصيلاً لغوياً؛ إنّها رؤية سياسية متكاملة تمنع الخلط بين المقاومة بوصفها فعلاً دفاعياً وبين بناء الدّولة بوصفه مشروعاً وطنياً دائماً.
لكن الأهم في كلام الإمام ليس فقط حديثه عن مواجهة إسرائيل، بل حديثه عن حدود استخدام القوّة، فهو يحذّر بوضوح من أن تتحوّل المقاومة إلى طرف في الفتنة الدّاخلية، أو أن تُستغلّ في صراعات اليمين واليسار، أو في معارك وشعارات تؤدّي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى تقوية إسرائيل وإضعاف لبنان.
وهذه النقطة تحديداً تستحقّ أن تُقرأ اليوم بجدّية.
فالمشكلة تبدأ عندما يصبح السّلاح، أياً كانت مبرّرات وجوده، جزءاً من معادلة داخلية تتجاوز وظيفته الدّفاعية. عندها تنتقل القضية من سؤال حماية الأرض إلى سؤال السّلطة، ومن مواجهة العدو إلى إدارة الخلاف الدّاخلي بالقوّة أو بمنطق القوة. وهنا يصبح السّلاح، بدل أن يكون عنصر ردع في مواجهة الخارج، عنصراً إضافياً في إنتاج الخوف داخل الدّاخل.
الإمام الصدر لم يكن يريد مقاومة تعيش على الانقسام اللبناني، بل مقاومة تحمي الإنسان اللبناني وتمنع تحويله إلى وقود في صراعات الآخرين.
ولذلك، فإن عبارته عن ضرورة أن "نمسك الأوضاع بعقلنا، وبيدنا، وبنصيحتنا" تحمل دلالة سياسية عميقة. فالمقاومة، في رؤيته، ليست إطلاق النار فقط؛ إنها أيضاً وعيٌ وانضباط ومسؤولية وطنية ومنع للتطرف والتّدهور.
وهنا ينبغي أن نتوقف أمام واقعنا اللبناني اليوم.
لقد أثبتت التجارب المتراكمة أن لبنان لا يستطيع أن يعيش إلى ما لا نهاية بين معادلتين متناقضتين: دولة يُطلب منها أن تكون مسؤولة عن السّيادة، وقوّة عسكرية خارج بنيتها المؤسسية تُناط بها في الوقت نفسه مهمة الدّفاع عن الحدود. هذا التناقض لا يُحلّ بالتّخوين، ولا بالتّقديس، ولا بالشعارات، وإنّما يحتاج إلى نقاش وطني صريح حول مفهوم الدّفاع، ودور الجيش، ووظيفة المقاومة، وكيفية حماية لبنان من إسرائيل من جهة، وحماية وحدته الداخلية من جهة أخرى.
ومن الخطأ السياسي أن يُختزل كل نقد للمقاومة في خانة العمالة أو الانحياز لإسرائيل، كما أنّ من الخطأ المقابل أن يُختزل كل اعتراض على سياساتها بعداء للجنوب أو تخلٍّ عن حقّ لبنان في الدّفاع عن نفسه.
لبنان يحتاج إلى مساحة ثالثة: مساحة النقد الوطني.
نقد الأداء ليس خيانة، ومراجعة التّجربة ليست طعناً في التّضحيات، والمطالبة بدور أقوى للدّولة ليست استسلاماً لإسرائيل، بل إنّ الدولة القوية هي الضمانة التي تمنع الدّفاع عن الأرض من التّحول إلى قضية خلافية بين اللبنانيين.
ومن هنا يمكن العودة إلى جوهر فكر الإمام الصدر: الإنسان أولاً، والوطن أولاً، والعيش المشترك ليس ترفاً سياسياً.
فهو لم ينظر إلى الجنوب باعتباره ساحة حرب دائمة، بل باعتباره جزءاً من لبنان يحتاج إلى الإنماء والعدالة والحماية والكرامة. ولم يكن مشروعه أن يبقى الجنوبي أسير الخوف، بل أن يتحوّل من ضحية دائمة للاعتداء إلى مواطن كامل الحقوق داخل دولة عادلة وقادرة.
ولهذا، فإن استحضار كلام الإمام الصدر اليوم لا ينبغي أن يكون لاستدعاء الماضي وتوظيفه في سجالات الحاضر، بل لطرح سؤال صعب على الجميع:
هل ما زالت المقاومة تؤدي الوظيفة التي رسمها لها الإمام، أم أن الظروف السياسية والعسكرية والاجتماعية جعلتها تتحول إلى شيء أوسع من تلك الوظيفة؟
هذا السؤال لا يُجاب عنه بالتعبئة الجماهيرية، ولا بالاتّهامات، بل بالمراجعة الصّادقة.
فإذا كانت وظيفة المقاومة هي منع الاعتداء الإسرائيلي، فإنّ نجاحها الحقيقيّ لا يُقاس فقط بعدد الصواريخ أو حجم الترسانة، بل بقدرتها على حماية الإنسان والأرض، وبقدرتها في الوقت نفسه على عدم تحويل لبنان إلى ساحة مفتوحة لحروب الآخرين.
وإذا كانت وظيفة الدولة هي حماية السيادة، فإن المطلوب أيضاً دولة قادرة، لا دولة تُستدعى فقط عند الخلاف السياسي، ولا دولة تُحمّل وحدها نتائج قرارات لم تكن صاحبة القرار فيها.
إنّ لبنان اليوم بحاجة إلى إعادة تعريف معنى القوّة الوطنية. القوّة ليست أن يمتلك طرف لبناني وحده القدرة على الحرب، ولا أن تمتلك الدولة وحدها القدرة على إصدار البيانات. القوّة الحقيقية هي أن يصبح قرار الحرب والسلم جزءاً من منظومة وطنية تحمي لبنان، وأن يكون الجيش قوياً، والدّولة عادلة، والمجتمع متماسكاً، والجنوب محمياً، والمقاومة – إن بقيت خارج المؤسسة العسكرية – محكومة بوظيفة دفاعية واضحة لا تتحول إلى مشروع سياسي داخلي.
نبض