فشل الحكومة: قصة قطاع الاتصالات نموذجا
جبران الخوري*
لم تكن الحكومة تريد أن تترك أمر إدارة وتشغيل شركتي الخليوي لكتاب يصدر عن وزير الاتصالات. بدا أن المسألة، في نظرها، أكبر من أن تُحسم بمراسلة إدارية، ولو كانت صادرة عن الوزير المختص. فكان لا بد من تشكيل لجنة وزارية تضم نخبة من الوزراء، برئاسة نائب رئيس الحكومة طارق متري، وعضوية وزراء المالية ياسين جابر والذكاء الاصطناعي كمال شحادة والاتصالات شارل الحاج والاقتصاد عامر البساط والعمل محمد حيدر والطاقة جو صدّي. وهنا، لم تترك الحكومة الوزير صدّي لمواجهة مشاكله في الطاقة بل أضافت اليها تحميله هموم الاتصالات.
وهكذا بدأت الرحلة.
اجتمعت اللجنة عدة مرات، ودرست، وناقشت، وتداولت في الملف. ثم أصدرت تقريرها، وانتهت إلى توصية تقضي بتلزيم إدارة وتشغيل شركتي الخليوي من خلال مناقصة عامة، على أن يُعدّ لهذه الغاية دفتر شروط.
وتزامن ذلك مع صدور استشارة عن هيئة التشريع والاستشارات بناء لطلب الجهات المعنية، بالاضافة الى مطالعة لوزارة المالية.
ثم اجتمعت الحكومة. ودرست التقرير ومرفقاته. ووافقت عليه.
وكانت تلك، ظاهريًا، لحظة انتقال القرار من مرحلة التفكير إلى مرحلة التنفيذ.
لكن التنفيذ كان له مسار آخر.
في ذلك الوقت، كانت الهيئة المنظمة للاتصالات قد دخلت مرحلة جديدة مع تعيين الحكومة لمجلس إدارتها. ولم يكن تشكيل هذا المجلس نتيجة مسار عابر، فقد استغرق اختيار أعضائه نحو 9 أشهر، وشارك في الاختيار الوزراء المختصين المذكورين إضافة الى وزير التنمية الادارية فادي مكي، بما يفترض أن تكون النتيجة هيئة تضم أفضل الكفاءات والخبرات المتخصصة في قطاع الاتصالات.
ولأن إعداد دفتر الشروط كان من صميم المهمة التي يفترض أن تضطلع بها هيئة تنظيمية متخصصة، قرر مجلس الوزراء تكليف الهيئة إعداد دفتر الشروط.
وهنا تبدأ المفارقة.
الهيئة التي استغرق اختيار مجلس إدارتها أشهر طويلة، والتي يفترض أن تضم خبراء وموظفين متخصصين، كُلّفت بأول مهمة فعلية لها: إعداد دفتر شروط. لكن الهيئة، بدل أن تعدّه، قررت أن تبحث عمّن يعدّه لها!
فبدأت إجراءات تلزيم شركة استشارية للمساعدة في إعداد دفتر الشروط.
وانتهت المهلة المحددة للهيئة لإعداد دفتر الشروط، فاجتمعت الحكومة وأصدرت قرارًا جديدًا بتمديد هذه المهلة.
وكان قد دخل المشروع في زمنه الخاص. 8 أشهر من الإجراءات والاجتماعات والاعلانات والمراسلات مع هيئة الشراء العام وبعد كل هذا الوقت والجهد، وتقدم عارضين للمشاركة في عملية التلزيم، وفض العروض، وصدور محضر لجنة التلزيم لفض العروض، وصدور تقرير لجنة التلزيم لتقييم العروض التقنية والمالية، انتهت إلى اكتشاف بالغ الأهمية: الاعتمادات المالية اللازمة غير متوافرة في الموازنة لتلزيم المساعدة على إعداد دفتر الشروط.
أي ان الهيئة المنظمة للاتصالات لم تكن قادرة على إعداد دفتر شروط وحسب، بل انها لم تستطع حتى تقدير الكلفة المالية لعملية المساعدة على إعداد دفتر الشروط!
فأُلغيت عملية التلزيم.

وهكذا، بعد أشهر من عمل اللجنة الوزارية، وبعد رأي هيئة التشريع والاستشارات، وبعد مطالعة وزارة المالية، وبعد قرار الحكومة، وبعد تشكيل هيئة تنظيمية استغرق اختيار مجلس إدارتها تسعة أشهر، وبعد تكليفها أول مهمة لها، وبعد اصدار قرار بتمديد المهلة لهذه المهمة، وبعد ثمانية أشهر من محاولة تلزيم استشاري، عاد الملف إلى النقطة التي بدأ منها.
لا دفتر شروط.
لا استشاري.
لا مناقصة.
ولا خطوة عملية في اتجاه تلزيم إدارة وتشغيل شركتي الخليوي.
أما ما تحقق، فهو شيء آخر تمامًا، استُهلك الوقت، وبُذل الجهد، وصُرفت الموارد، وتعددت الاجتماعات، وتراكمت القرارات والتقارير، من دون أن يصل المسار الإداري إلى نتيجة.
المفارقة هنا ليست في فشل عملية تلزيم شركة استشارية فحسب، فالفشل في أي إجراء إداري أمر ممكن، وقد يحدث في أفضل الإدارات. لكن المشكلة الأعمق تكمن في تسلسل القرار نفسه، حكومة تحتاج إلى لجنة وزارية لدراسة ما كان يفترض أن يكون ضمن المسار التنفيذي الطبيعي، ثم لجنة وزارية ترفع تقريرًا إلى الحكومة، ثم حكومة تقرر، ثم هيئة متخصصة تُكلّف بالتنفيذ، ثم الهيئة تبحث عمّن ينفذ عنها، ثم تمضي أشهر طويلة قبل اكتشاف أن الاعتماد المالي غير متوافر.
إنها ليست قصة دفتر شروط. إنها قصة سلطة تنفيذية تستطيع أن تحوّل مهمة إدارية محددة إلى مسار طويل من القرارات والاجتماعات والإجراءات، ثم تنتهي، بعد كل ذلك، إلى النتيجة ذاتها التي كانت قائمة في البداية: لا شيء.

وفي هذه القصة، كان هناك الكثير من كل شيء، باستثناء النتيجة.
وطبعًا لن تتم مساءلة أحد، ولن يستقيل أحد.
وهذا كله، في حد ذاته، يكفي ليكون نموذجًا لفشل الحكومة.
*خبير في إدارة الاتصالات
نبض