إعادة تشكيل الجيش السوري... بناء مؤسسة وطنية أم إحكام قبضة المركز؟
شفيق طاهر
تقف سوريا أمام معادلة دقيقة، بناء دولة مستقرة وتوحيد السلاح في ظل تعدد الجيوش والفصائل وسلاسل القيادة. يعمل الرئيس أحمد الشرع على إعادة تشكيل القوات المسلحة ومنع أي فصيل، بما في ذلك قوات سوريا الديمقراطية قسد، من الاحتفاظ بقيادة مستقلة داخل الدولة.
ولا تتعلق العملية بتغيير أسماء الوحدات أو منح قادة الفصائل رتبا رسمية فحسب، بل بنقل مصادر القوة، من رواتب وتعيينات وذخيرة وتدريب وانتشار، إلى وزارة الدفاع. فعندما تسيطر المؤسسة على هذه الأدوات، يفقد قائد الفصيل تدريجيا قدرته على إدارة قوة خاصة، ويصبح موقعه مستمدا من الدولة لا من الولاء الشخصي للمقاتلين.
من الدمج الشكلي إلى تفكيك الفصائل
اتبعت حكومة الرئيس الشرع بعد سقوط نظام بشار الأسد نهجا مرحليا فرضته هشاشة الوضع الأمني. فقد استوعبت عددا كبيرا من فصائل المعارضة داخل وزارة الدفاع، ومنحت قادتها رتبا ومناصب، بينما انضم مقاتلوها إلى فرق وألوية جديدة. ساعد ذلك على وضع السلاح تحت مظلة الدولة اسميا من دون إثارة مواجهة فورية مع عشرات التشكيلات.
لكن المرحلة الأولى أبقت جزءا من الواقع الفصائلي قائما تحت مسميات رسمية، إذ احتفظ قادة بالمقاتلين والضباط والشبكات المحلية نفسها. أن الدمج الأولي أعاد تصنيف فصائل بوصفها فرقا أو ألوية رسمية، من دون إنهاء استقلالها الميداني تماما.
وتستهدف إعادة الهيكلة الراهنة تجاوز هذه الصيغة. وتتحدث تقارير عن إنشاء 5 أو 6 فيالق، وإعادة تنظيم بعض الفرق، ونقل قادة سابقين بعيدا عن الوحدات المبنية حول نفوذهم الشخصي. وقد يحافظ منصب في قيادة أحد الفيالق على مكانة القائد، لكنه يفصله عن المقاتلين والأسلحة التي صنعت سلطته.
قسد واختبار احتكار السلاح
تمثل قسد الحالة الأكثر تعقيدا، لأنها ليست فصيلا محدودا، بل قوة تملك قيادة وأجهزة أمنية ومؤسسات إدارية وقاعدة اجتماعية في الشمال الشرقي. كما دخلت عملية الدمج عبر تسوية سياسية مدعومة أميركيا ومقبولة تركيا بشروط.
وضع اتفاق مارس/آذار 2025 بين الشرع ومظلوم عبدي إطارا لدمج المؤسسات المدنية والعسكرية، ثم جاءت تفاهمات يناير/كانون الثاني 2026 بعد مواجهات وتغيرات ميدانية. وبدأ تنفيذ خطوات إدارية وأمنية، لكن الملفات العسكرية والسياسية ما زالت تواجه أزمة ثقة.
ترى دمشق أن الدمج يستلزم حل قسد وإدخال ضباطها ومقاتليها في التسلسل الوطني. في المقابل، تسعى القيادة الكردية إلى ضمان تمثيل سياسي وإداري يحمي حقوق الأكراد وخصوصية مناطقهم. وقد يحتفظ بعض الضباط برتب ومواقع بارزة، لكن من غير المرجح السماح لهم بسلسلة قيادة مستقلة.
الجيش بين الحسابات الخارجية
لا تجري إعادة البناء في فراغ. فتركيا، التي دعمت فصائل من الجيش الوطني، لا تزال تملك نفوذا أمنيا في الشمال، وسيكون موقفها مؤثرا في تفكيك الروابط القيادية والمالية لتلك الفصائل. أما الولايات المتحدة فتؤدي دورا في دمج قسد، مع اهتمام باستمرار مكافحة تنظيم داعش وتأمين السجون والمخيمات التي تضم عناصره وعائلاتهم.
في المقابل، يمكن للضربات الإسرائيلية وتدمير القدرات العسكرية وفرض قيود على انتشار القوات في الجنوب السوري أن تعرقل إنشاء جيش قادر على بسط السيادة. ولهذا يتوقف نجاح الهيكلة جزئيا على تحويل ارتباطات الفصائل الخارجية إلى علاقات رسمية بين الدول، بحيث لا يحتفظ أي طرف بذراع مسلحة مستقلة داخل سوريا.

احتكار السلاح يحتاج إلى رقابة
يحمل الشرع خبرة سابقة في تفكيك التنظيمات المنافسة خلال مرحلة حكم هيئة تحرير الشام في إدلب، عبر الاستيعاب والضغط ومركزة القرار. لكن ما طبق في إدلب لا يمكن نسخه بسهولة على مستوى دولة متنوعة خرجت من حرب طويلة.
وتحذر دراسة من أن وحدات الجيش الجديد ما زالت مرتبطة بمناطقها وشبكاتها الاجتماعية، بما قد يعيد إنتاج مراكز النفوذ داخل الإطار الرسمي.
إن إنهاء الفصائلية ضروري لضبط الحدود ومواجهة داعش ومنع التدخل الخارجي. لذلك يجب أن ترافق الهيكلة عقيدة وطنية، ومعايير مهنية للتعيين والترقية، وتدقيق حقوقي، وتمثيل عادل للمكونات. فالنجاح لا يكمن في تبديل أسماء الفرق، بل في تحويل المقاتلين إلى أفراد يخضعون للقانون، والجيش إلى مؤسسة تحمي السوريين والدولة.
نبض