تركيا ولبنان: شراكة لا وصاية

منبر 17-08-2026 | 09:19

تركيا ولبنان: شراكة لا وصاية

في لحظةٍ إقليميةٍ شديدة الدقة وبالغة الحساسية، تعود تركيا لتلقي بظلالها على المشهد اللبناني، مثقلةً بتحولاتٍ تاريخيةٍ تعصف بالمنطقة بأسرها.
تركيا ولبنان: شراكة لا وصاية
الرئيسان التركي رجب طيب أردوغان واللبناني جوزف عون خلال مؤتمر صحافي بعد لقائهما أمس.
Smaller Bigger

الشيخ عباس الجوهري

 

 

في لحظةٍ إقليميةٍ شديدة الدقة وبالغة الحساسية، تعود تركيا لتلقي بظلالها على المشهد اللبناني، مثقلةً بتحولاتٍ تاريخيةٍ تعصف بالمنطقة بأسرها. تتجلى هذه العودة في حراكٍ سياسيّ وديبلوماسيّ نشط، انطلق مع الزيارة التي قام بها رئيس الحكومة نواف سلام إلى العاصمة أنقرة، لتتبعها زيارة ذات دلالاتٍ عميقة لرئيس الجمهورية جوزف عون ولقائه الرئيس رجب طيب أردوغان. لقد ترافقت هذه الخطوات المتعاقبة مع نقاشاتٍ جادة تمحورت حول التعاون الاقتصادي والأمني والدعم الحيوي للجيش اللبناني، في مؤشراتٍ جليّةٍ لا لبس فيها تؤكد تنامي الاهتمام التركي بوطن الأرز ومستقبله.
وإذا ما كتب للزيارة المرتقبة لرئيس جهاز الاستخبارات الوطنية التركية، الدكتور إبراهيم كالين، إلى بيروت أن تتم، فإنها ستضفي بُعداً استراتيجياً أشد عمقاً على هذا الحضور المتجدد. فالدكتور كالين، بحكم موقعه الدقيق، يمسك بخيوط أعقد الملفات في المنطقة، وفي طليعتها الساحتان السورية واللبنانية. غير أن السؤال الذي يقرع أبواب الوجدان اللبناني لا يجب أن يقف عند حدود: ماذا تريد تركيا من لبنان؟ بل يتجاوزه إلى تساؤلٍ أكثر جذرية وندية: ماذا يريد لبنان من تركيا؟ وكيف يمكننا صبّ هذا الاهتمام في قالب شراكةٍ حقيقية تخدم مصالح الشعبين؟
أطرح هذا التساؤل من نافذة تجربةٍ شخصيةٍ غنية مع تركيا، تمتد جذورها لأكثر من خمسة عشر عاماً. بدأ شغفي بقراءة التجربة التركية ومتابعتها في حقبةٍ كان فيها حزب العدالة والتنمية، ذو الخلفية الإسلامية، ينسج خيوط تجربته في الحكم كحالةٍ تركيةٍ نابعةٍ من الذات، لا كنموذجٍ عقائديّ معدّ للتصدير الخارجي. لطالما استوقفتني وأثارت إعجابي قدرة هذا الحزب على المزاوجة ببراعة بين إرساء الاستقرار السياسي ودفع عجلة النمو الاقتصادي، وكيف أعاد هندسة العلاقة الدقيقة بين المرجعية المحافظة ومؤسسات الدولة الديموقراطية. 
لم أنظر يوماً إلى هذه التجربة كقالبٍ جاهزٍ للاستنساخ في لبنان، بل كحالةٍ حية تفاعلت مع خصوصية المجتمع التركي، ننهل من حِكمتها ولا نقلّدها تقليداً أعمى.
في أحد المؤتمرات التي حللت هذه التجربة، تقاطعت دروبي مع الدكتور إبراهيم كالين، الذي كان حينها مفكراً مستنيراً ومستشاراً لامعاً متسلحاً بخلفيةٍ أكاديميةٍ وثقافيةٍ رصينة. توطدت أواصر المعرفة، والتقيته في أروقة صنع القرار، لكن الأثر الأعمق لم ينحصر في الأشخاص، بل في مشاهد حية. أذكر جيداً حين بادر منظمونا الى اصطحابنا إلى مقر الحزب الحاكم، ليفاجئونا بعد ذلك بالانتقال إلى مقر حزب الشعب الجمهوري المعارض. كان مشهداً سياسياً بليغاً؛ لقد أرادوا لنا أن نصغي الى صوت المعارضة بكل تجرد. أدركت حينها في صميمي أن الخصومة السياسية لا تعني العداء، وأن الاختلاف الفكري لا يستوجب إقصاء الآخر.
وفي محطةٍ مضيئةٍ أخرى تحت قبة البرلمان التركي، التقينا رئيسة لجنة العلاقات الخارجية في ذروة النقاش المجتمعي حول قضية الحجاب. ما أثار دهشتي العميقة هو وقوف امرأةٍ غير محجبة لتدافع بشراسةٍ ومبدئية عن حق المرأة في ارتداء الحجاب. لم أرَ في المشهد مجرد جدلٍ حول زيّ، بل تجسيداً لمعنى الحرية الأسمى: أن تهب للدفاع عن حق من يختلف معك جذرياً. لامست هذه الفكرة جرحاً لبنانياً غائراً؛ فنحن في وطننا لا نكتوي بنار اختلافاتنا فحسب، بل بنار عجزنا المزمن والفادح عن إدارة هذه الاختلافات بحكمة.
ولعل اللحظة الأكثر مفصلية كانت عام 2011، إبان اشتعال الشرارة السورية. في أروقة الخارجية التركية، شاهدت بأم العين كيف تتوالى البرقيات العاجلة، وكيف يتعامل المسؤولون مع الأزمة كقضيةٍ مصيرية تمس أمن تركيا وحدودها الإقليمية. تعمق الحوار حينها مع الدكتور كالين حول حتمية احتضان الشعب السوري ورفض آلة القمع. لكن رياح الأقدار عصفت بالمنطقة؛ فتدخل "حزب الله" في أتون الحرب السورية، وتعقدت المشهدية بشكل دراماتيكي.
 إن معارضتي لسياسات "حزب الله" سابقةٌ لهذه الحرب بعقود، لكنها لم تكن يوماً معارضةً هدامةً أو استهدافاً خبيثاً للبيئة الشيعية، بل صرخةً من أجل الإصلاح من الداخل؛ فبناء الأوطان لا يستقيم بكسر مجتمعاتها أو إخضاع طوائفها.
واليوم، بعد مضي عقدٍ ونصف عقد، تطل تركيا مجدداً وسط تحولاتٍ عاصفة تعيد تشكيل المنطقة. سوريا تبحث عن توازنها، والجنوب اللبناني يقف على حافة بركان، ولبنان يصارع من أجل بقاء دولته. تبحث تركيا مشروعاً عن موطئ قدمٍ يحفظ مصالحها وأمنها، ولكن للبنان أيضاً سيادته ومصالحه العليا. لذا، فالسؤال ليس في قبول هذا الدور أو رفضه، بل في كيفية هندسته بدقة. لا يحتاج لبنان المنهك إلى استبدال وصايةٍ قديمة بوصايةٍ جديدة، بل يحتاج إلى نسج شبكة علاقاتٍ متوازنة، تكون الدولة اللبنانية هي محورها، وتكون تركيا فيها شريكاً يعزز قدرتنا على المناورة وتحقيق مصالحنا.
تركيا تنشد الاستقرار وتأمين مساراتها الاقتصادية في شرق المتوسط، وهذا طموحٌ مشروع. لكن لبنان العريق ليس مجرد رقعةٍ لتبادل النفوذ، بل هو جسرٌ حضاريّ ومساحةٌ فريدة للتلاقي. يحتاج لبنان إلى ترجمة الاهتمام التركي إلى مشاريع اقتصادية في الطاقة والبنى التحتية، ودعمٍ مؤسساتي وعسكري من بوابة الدولة حصراً. كما يمكن لتركيا، بشبكة علاقاتها الواسعة، أن تلعب دور الجسر الرابط بين المتنازعين، لا أن تكون طرفاً جديداً يُثقل كاهل الصراع الإقليمي المعقد.
إن التلميحات حول دورٍ أمنيّ تركيّ في ترتيبات الجنوب تضع هذا الدور أمام أدق الاختبارات. المساعدة الإقليمية مرحب بها، شريطة أن تنبع من قرارٍ سياديّ لبناني، وأن تظلل بمظلة مؤسسات الدولة، وأن يكون جيشنا الوطني هو قطب الرحى، غايتها الاستقرار لا الاستحواذ. المساعدة تقدّر، أما الوصاية فتُرد. ونحن نصدح بها عالية: لا نريد تركيا وصيّةً علينا، ولا نرضى للبنان أن يكون ذيلاً لغيره. نبتغي شراكةً متوسطيةً ندية، لا تستورد قوالب جامدة، بل تفتح باباً لحوارٍ عميق نتعلم فيه من إرث بعضنا البعض.
وإذا ما حطّ الدكتور كالين رحاله في بيروت، فيجب ألا تسجن زيارته في زنزانة المقاربة الأمنية. أنا أستحضر المفكر الذي عرفته، ويجب أن تتسع رؤيته ليرى لبنان وطناً ومجتمعاً ينبض بالحياة، لا مجرد بؤرةٍ أمنية. فالاستقرار المنشود لا يصنع بفوهات البنادق وحدها، بل هو نسيج متكامل من السياسة والتنمية والحوار الاجتماعي البنّاء.
وهنا أستحضر درساً ذهبياً من التجربة التركية: الإصلاح الحقيقي يزهر من قلب المجتمع ولا يفرض بكسره. هذا المبدأ ينسحب بامتياز على البيئة الشيعية في لبنان، التي تستحق إصلاحاً نابعاً من داخلها، لا يتحقق برميها في قفص الاتهام، بل باحتضانها لتكون شريكاً أصيلاً في دولةٍ تصون كرامتها. في هذا المسار، تتقاطع المصلحة اللبنانية مع إيجابية الدور التركي.
نحن اليوم أمام نافذةٍ تاريخية. لكي ننجح في اقتناصها، علينا أن نسمو فوق سؤال "من سيبسط نفوذه؟"، لنسأل بوعيٍ وحكمة: "كيف نربح معاً؟". معادلتنا هي: لا تابعية ولا تبعية، بل شريكان على ضفاف المتوسط، يظلهما الاحترام المتكافئ. فرغم تبدل الوجوه والأنظمة، تظل الأسئلة الوجودية ماثلة: كيف نصون تعدديتنا، وندير خلافاتنا، ونبني دولتنا؟ لبنان لا يلهث خلف نموذجٍ ليقلّده، بل ينشد طريقاً يخطّه بيده. ولعل أعظم ما تقدمه تركيا اليوم ليس أن تملي علينا ما نفعل، بل أن تهمس لنا من وحي تاريخها: "ابنوا تجربتكم الوطنية بأيديكم".

 
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

فن ومشاهير 8/14/2026 7:52:00 PM
فرحة جديدة في العائلة الملكية الأردنية... الأميرة إيمان وزوجها جميل ألكساندر ترميوتس يرزقان بتوأمين
العالم العربي 8/15/2026 6:55:00 AM
ماذا طلبت سفارة سوريا من مواطنيها المقيمين في مصر بشأن الإقامات والمخالفات والغرامات؟
دوليات 8/16/2026 1:23:00 PM
للمرة الأولى، تنطلق سفينة حاويات صينية إلى أوروبا عبر القطب الشمالي، في مسار يختصر الرحلة إلى النصف ويتجنب قناة السويس واضطرابات الشرق الأوسط.
فن ومشاهير 8/14/2026 11:44:00 AM
تزين المكان بديكورات مترفة، وطاولات مضاءة عكست بريق الأمسية، وتنسيقات ورود بيضاء مذهلة أضفت طابعاً رومانسياً وحالماً على الأجواء.