مستقبل الأمن في الشرق الأوسط بعد اتفاق مكة: اختبار بين التعاون والمواجهة

منبر 14-08-2026 | 10:12

مستقبل الأمن في الشرق الأوسط بعد اتفاق مكة: اختبار بين التعاون والمواجهة

يشهد الشرق الأوسط مرحلة إعادة تقييم عميقة لمفهوم الأمن الإقليمي، في ظل تحولات دولية وإقليمية متسارعة، وتغير طبيعة التحديات التي تواجه دول المنطقة.
مستقبل الأمن في الشرق الأوسط بعد اتفاق مكة: اختبار بين التعاون والمواجهة
صورة تذكارية على هامش توقيع اتفاق مكة بين السعودية وتركيا وباكستان. (تويتر)
Smaller Bigger

وائل خليل ياسين - رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والتنمية - استشاري وخبير متخصص في السياسات الصينية لشؤون غرب آسيا وشمال أفريقيا

 

 

 

يشهد الشرق الأوسط مرحلة إعادة تقييم عميقة لمفهوم الأمن الإقليمي، في ظل تحولات دولية وإقليمية متسارعة، وتغير طبيعة التحديات التي تواجه دول المنطقة. فقد أظهرت السنوات الماضية أن المعادلات الأمنية التقليدية القائمة على الاعتماد الكامل على القوى الخارجية لم تعد كافية لضمان الاستقرار أو منع تصاعد الأزمات، الأمر الذي دفع العديد من الدول إلى البحث عن ترتيبات جديدة تعزز قدرتها على حماية مصالحها وإدارة بيئتها الأمنية.
ضمن هذا السياق، يبرز "اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان" باعتباره تطوراً يستحق الدراسة، ليس من زاوية طبيعته الدفاعية فحسب، بل من خلال الأسئلة التي يطرحها حول مستقبل الأمن في الشرق الأوسط. فهل يمثل خطوة نحو تعزيز قدرة دول المنطقة على إدارة أمنها بصورة أكبر؟ أم أنه قد يتحول، إذا اتخذ مساراً مختلفاً، إلى
جزء من منطق الاستقطاب الذي لطالما شكل أحد أسباب هشاشة النظام الأمني الإقليمي؟
إن الإجابة لا ترتبط بالاتفاق وحده، بل بطبيعة المبادئ التي سيقوم عليها، والمسار الذي سيتخذه، ومدى قدرته على التعامل مع تعقيدات المنطقة وتنوع مصالح دولها.
دوافع متعددة ضمن إطار واحد
بالنسبة إلى السعودية، يأتي الاتفاق في ظل بيئة أمنية شهدت خلال السنوات الماضية تصاعداً في مصادر التهديد. فقد كشفت الهجمات التي استهدفت منشآت بقيق وخريص عام 2019 عن حدود الاعتماد على الترتيبات الأمنية التقليدية، ودَفعت الرياض إلى تعزيز قدراتها وتنويع شراكاتها الأمنية. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم الاتفاق باعتباره جزءاً من توجه نحو تعزيز الردع، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أنه موجه حصراً ضد طرف محدد.
أما تركيا، فإن مقاربتها للأمن الإقليمي تقوم على حسابات مختلفة؛ فهي لا تنظر إلى إيران باعتبارها خصماً مباشراً، بل ضمن علاقة مركبة تجمع المنافسة والتعاون. لذلك فإن مشاركتها ترتبط بتوازنات أوسع تشمل حماية مصالحها الوطنية، وتعزيز موقعها في التحولات الجيوسياسية الجارية.
وبالنسبة إلى باكستان، فإن أولوياتها الأمنية ترتبط أساساً ببيئتها الاستراتيجية في جنوب آسيا، وفي مقدمها علاقتها مع الهند، إضافة إلى أهمية الحفاظ على الاستقرار مع إيران بحكم الجغرافيا والمصالح المشتركة. وبالتالي، فإن مشاركتها لا تعني بالضرورة انخراطها في سياسة مواجهة مع طهران.
وهذا يوضح أن الدول الثلاث لا تتحرك من منطلق واحد، وأن اختزال الاتفاق في إطار "محور سني" في مواجهة إيران يتجاهل طبيعة المصالح الوطنية والحسابات الاستراتيجية لكل دولة.
بين تنويع الأمن وتشكيل المحاور
لا يعني اتفاق مكة بالضرورة بديلاً من الولايات المتحدة أو نهاية دورها في المنطقة، بل يمكن النظر إليه من ضمن اتجاه أوسع نحو تنويع مصادر الأمن، بحيث تسعى الدول إلى توسيع خياراتها بدلاً من الاعتماد على ترتيبات أمنية أحادية.
لكن التحدي الأساسي يكمن في طبيعة الدور الذي سيلعبه هذا الاتفاق: هل سيساهم في بناء توازن إقليمي أكثر استقراراً، أم سيعيد إنتاج منطق المحاور والصراعات؟
لقد أظهرت التجارب التاريخية أن التحالفات التي تقوم أساساً على مواجهة خصم مشترك قد تؤدي أحياناً إلى زيادة الاستقطاب بدلاً من تحقيق الأمن. لذلك، فإن القيمة الحقيقية لأي منظومة أمنية مستقبلية تتحدد بقدرتها على إدارة الخلافات ومنع تحول المنافسة إلى صراع.
الرؤية الصينية ومستقبل الأمن الإقليمي
تأتي هذه التطورات من ضمن نقاش دولي أوسع حول طبيعة النظام الأمني القادر على تحقيق استقرار مستدام في الشرق الأوسط. وفي هذا السياق، تبرز المبادئ التي طرحتها الصين بشأن أمن المنطقة، ومنها أهمية الحوار، واحترام سيادة الدول، وتشجيع دول الشرق الأوسط على لعب دور أكبر في إدارة شؤونها الأمنية بعيداً من منطق المواجهة والصراعات الصفرية.
وقد ركزت المبادرة ذات النقاط الخمس التي طرحها وزير الخارجية الصيني وانغ يي بشأن أمن الشرق الأوسط واستقراره على ضرورة معالجة المخاوف الأمنية لجميع الأطراف، وتعزيز الحوار، والبحث عن ترتيبات أكثر شمولاً واستدامة.
ولا يعني ذلك أن اتفاق مكة يمثل امتداداً لهذه الرؤية، لكنه يتقاطع مع النقاش الأوسع حول مستقبل الأمن الإقليمي. فإذا اتجه نحو التعاون والحوار وحافظ على طابعٍ غير إقصائي، فقد ينسجم مع الاتجاهات الداعية إلى أمن إقليمي أكثر استقلالية وشمولاً. أما إذا تحول إلى إطارٍ للمواجهة والاصطفاف، فقد يعيد إنتاج أنماط التحالفات التقليدية التي لم تحقق استقراراً دائماً.
نحو استقلالية استراتيجية جديدة
في ظل التحولات الجارية في النظام الدولي، تبرز الحاجة إلى مفهوم جديد من الاستقلالية الاستراتيجية لدول المنطقة، لا يقوم على الانعزال أو قطع العلاقات مع القوى الكبرى، بل على امتلاك مساحة أوسع لإدارة المصالح الوطنية بعيداً من صراعات الآخرين.
ومن هذا المنظور، يمكن أن تفتح ترتيبات أمنية مثل اتفاق مكة نقاشاً حول صيغة جديدة من عدم الانحياز، تختلف عن تجربة القرن العشرين، لكنها تشترك معها في هدف أساسي يتمثل في منع تحول المنطقة إلى ساحة للتنافس بين القوى الكبرى.
إن اتفاق مكة للدفاع المشترك يعكس جانباً من التحولات التي يشهدها التفكير الأمني في الشرق الأوسط، لكنه لا يزال بحاجة إلى اختبار عملي لتحديد طبيعته ودورها الحقيقي.
فالحكم عليه لن يكون من خلال أطرافه أو لحظة إعلانه، بل من خلال نتائجه وقدرته على تعزيز التعاون وإدارة المخاطر المشتركة. فإذا تطور باتجاه بناء توازن إقليمي أكثر استقراراً، فقد يساهم في تطوير مفهوم جديد للأمن في المنطقة. أما إذا تحول إلى محورٍ مغلق قائم على المواجهة، فقد يصبح عاملاً إضافياً في تعميق الانقسامات.
لذلك، فإن مستقبل الاتفاق يتحدد بقدرته على تجاوز منطق التحالفات التقليدية، والتحول من مجرد ترتيبات دفاعية إلى مقاربة أوسع لإدارة الأمن الإقليمي.
فمستقبل الشرق الأوسط لن تحدده الترتيبات الأمنية الجديدة وحدها، بل قدرة دول المنطقة على صوغ قواعد تقوم على التوازن، ومنع الهيمنة، وإدارة الاختلافات بعيداً من الصدام.

الأكثر قراءة

دوليات 8/11/2026 10:21:00 PM
حذّر فرانك هوغربيتس من زلزال قوي محتمل في منطقة فرانتشا برومانيا بقوة قد تتراوح بين 7 و7.9 درجات
لبنان 8/13/2026 10:26:00 AM
"أعتذرُ يا أهالي الشهداء، يا من قدّمتم للوطن فلذاتِ الأكباد"