أصبحوا سجناء أدوارهم

منبر 14-08-2026 | 10:07

أصبحوا سجناء أدوارهم

الحياة تعاش بالمشاركة، لا بالانسحاب. فمن ينسحب منها ينسى كيف يحيا، ويغدو أسير الدور الذي رسمه له مُشغّلوه، حتى يظنّ أنّه هو، بينما لم يعد سوى قناعٍ يرتديه.
أصبحوا سجناء أدوارهم
تعبيرية
Smaller Bigger
مفيد خطّار


الحياة تعاش بالمشاركة، لا بالانسحاب. فمن ينسحب منها ينسى كيف يحيا، ويغدو أسير الدور الذي رسمه له مُشغّلوه، حتى يظنّ أنّه هو، بينما لم يعد سوى قناعٍ يرتديه.
ومع مرور الوقت، تتلاشى الحدود بين الإنسان والقناع، فلا يعود يعرف أين تنتهي الشخصية التي فرضت عليه، وأين يبدأ هو. فلا يعود يعيش حياته، بل حياة كتبت له، حتى يغدو وجوده امتداداً للدور، لا تعبيراً عن ذاته.
ويشبه تعلُّقه بهذا الدور تعلُّق العاشق بوهمٍ صنعه قلبه. يرفض في البداية أن يرى الحقيقة، فإذا ساوره الشكّ في معشوقه أنكره، وإذا أحاطت به البراهين ازداد تمسّكاً بوهمه؛ لأنّ الاعتراف بالحقيقة لا يعني سقوط فكرةٍ فحسب، بل انهيار الصورة التي بنى عليها عمره كلَّه.
وهكذا يفضّل البقاء في سجن الوهم؛ لأنّ الخروج منه لا يقتضي تغيير رأيٍ فحسب، بل الاعتراف بأن عمراً كاملًا أُنفق في تمثيل دورٍ لم يكن يوماً هو.
وحين ينتهي العرض، ويغادر الجمهور المسرح، وتنطفئ الأضواء، ويسود الصمت الخشبة، يبقى هو وحده هناك، يكرّر المشهد نفسه، ويتوهّم أنّه حرّ، بل ومحرِّر الأحرار، فيما يعجز عن تحرير نفسه.
إنّه لا يعيش حياته، بل يحيا موت الدور.
لكنّ الخلاص لا يبدأ بثورةٍ على الآخرين، ولا بتخوينهم أو نعتهم بالعملاء، بل بثورةٍ على الذات الموهومة. فحين ينهض الإنسان الحقيقيّ في داخله، ويواجه الإنسان الذي صنعته الأيديولوجيا والخوف والمصالح، تبدأ جدران السجن بالتصدّع، وتسقط الأقنعة، وتنكسر القيود.
عندئذٍ يخرج الإنسان من المسرح إلى الحياة، لا ليؤدّي دوراً جديداً، بل ليكون نفسه. وهناك يبدأ الإبحار نحو الحرية، حيث لا سيّد إلا الحقيقة، ولا هويّة إلا إنسانية الإنسان.
يشبه المسرح الحياة، لكنّه يختلف عنها في غايته. فالممثّل يؤدّي دوراً ليكشف الوهم، لا ليذوب فيه؛ وليساعد الإنسان على رؤية نفسه، لا على الهروب منها. فإذا انتهى العرض، خلع شخصيّته، وعاد إلى حياته.
ولعلّ الرحابنة، ومعهم كوكبة من المبدعين، كانوا من أوائل الذين زرعوا في وجدان اللبنانيين صورة لبنان الرسالة، قبل أن تعلنها الكنيسة في إرشادها الرسولي. فقد كان الفنّ عندهم فعل تحريرٍ للإنسان، لا وسيلةً لتكريس الأوهام أو تزيين الأقنعة.
أما المأساة الحقيقيّة، فتبدأ حين يعجز الإنسان عن خلع الدور الذي ارتداه، فيظلّ أسيره حتى ينسى وجهه الحقيقي. عندها لا يعود المسرحُ فنّاً، بل يصبح سجناً، ولا يعود الدور تمثيلاً، بل هويّة زائفة.
ومن المسرح إلى الوطن... إلى المسرح الأكبر والأوسع.
هناك يقف الممثّل الوحيد، لا ليؤدي دوراً، بل ليعلّم الوطن معنى الحقيقة. يتكلَّم بصوتٍ مجروح، وبكلماتٍ مكسورة، وبجناحٍ نتفت اللوعة ريشه، وأثقلته الحسرة، وهو يحدّق في وجوه الشهداء والضحايا، وفي وطنٍ ما زال ينتظر ولادته.
ويرتفع السؤال من بين الركام، لا انتظاراً لجواب، بل صرخةً في وجه العبث:
ما أرخصك أيّها الموت في لبنان!
كم من إنسانٍ دفع حياته ثمناً لأنّ آخرين أصرّوا على البقاء سجناء أدوارهم، وكم تأخّر ميلادُ الوطن لأن الحقيقة ظلَّت خلف الستار.
لكن الذين استشهدوا بصدقٍ في سبيل الوطن لم يكن موتهم هباءً، بل صار حياةً لنا، وأمانةً في أعناقنا، وبذاراً لمستقبلٍ يستحقّه لبنان. فالخيانة الحقيقيّة للشهداء ليست في نكران فضل استشهادهم، بل في أن يبقى الأحياء أسرى أوهامهم وأدوارهم، فيؤخرون قيام الوطن الذي ارتقوا من أجله.
لن يخرج الوطن من مأساته ما لم يخرجِ الإنسان أولاً من سجنه: سجنِ الدور، وسجن الوهمولوجيا، وسجن الأيديولوجيا. فعندما ينتصر الإنسان الحقيقيّ على الإنسانِ الموهوم، لا يسقط قناع فردٍ واحد، بل يبدأُ انهيار مسرحٍ كاملٍ بُني على الوهم، ويولد وطن لا يحتاج إلى ممثّلين، بل إلى بشرٍ أحرار؛ لا يرتدون الأقنعة، ولا يؤدّون أدواراً، بل يعيشون الحقيقة، ويحرسونها، ويصنعون وطناً يليقُ بالشهداء، وبالإنسان، وبلبنان.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

دوليات 8/11/2026 10:21:00 PM
حذّر فرانك هوغربيتس من زلزال قوي محتمل في منطقة فرانتشا برومانيا بقوة قد تتراوح بين 7 و7.9 درجات
لبنان 8/13/2026 10:26:00 AM
"أعتذرُ يا أهالي الشهداء، يا من قدّمتم للوطن فلذاتِ الأكباد"