بين إلغاء الإعدام والعفو العام... هل يتقدّم لبنان نحو دولة القانون أم نحو دولة التسويات؟
لبنان لا يحتاج إلى عفو عام جديد كلما عجز القضاء عن القيام بدوره. بل يحتاج إلى قضاء مستقل وسريع، وإلى محاكمات لا تجعل الإنسان ينتظر سنوات حتى يعرف إن كان بريئاً أم مذنباً.
د. شادي سرايا*
لبنان أمام مفارقة سياسية وقانونية تستحق التوقف عندها:
ألغى مجلس النواب اللبناني عقوبة الإعدام، ثم أقرّ في اليوم التالي قانون العفو العام. في الشكل يبدو المشهد وكأن لبنان ينتقل من منطق العقاب الأقصى إلى منطق أكثر إنسانية وإصلاحاً. لكن في الجوهر أعمق من مجرد إلغاء عقوبة أو إطلاق سراح موقوفين.
السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل أصبح لبنان قادر فعلاً على بناء عدالة تميّز بين المظلوم والمذنب؟
إلغاء عقوبة الإعدام خطوة حقوقية مهمة خصوصاً أن لبنان لم ينفذ هذه العقوبة منذ سنوات طويلة. لكن دولة القانون لا تقاس فقط بعدم إعدام المحكوم، بل بقدرتها على منع الظلم قبل الوصول إلى الإعدام أصلاً. ما قيمة إلغاء الإعدام إذا كان موقوف قد يمضي سنوات عديدة خلف القضبان من دون محاكمة؟ وما معنى الحديث عن العدالة الإصلاحية إذا بقي القضاء عاجز عن حسم الملفات في وقت معقول؟
من هنا يصبح العفو العام في جوهره قضية عدالة قبل أن يكون قضية سياسية. هناك موقوفون ظُلموا فعلاً، وبعضهم دفع سنوات من عمره ثمناً لتأخر المحاكمات وتعقيدات النظام القضائي اللبناني. إنصاف هؤلاء ليس منة من أحد، ولا انتصاراً لطائفة أو تيار سياسي، إنما هو واجب على الدولة التي تحترم حقوق الإنسان.
وفي المقابل، لا يمكن أن يتحول العفو إلى وسيلة لتبرئة من ثبتت إدانته بجرائم خطيرة، أو إلى باب خلفي لإسقاط حقوق الضحايا. فالذي يطالب بالإفراج عن موقوف لم تثبت إدانته لا يطالب بالإفراج عن مجرم. والذي يطالب بحقوق شهداء الجيش وضحايا الجرائم لا يعني أنه ضد العدالة أو ضد الرحمة. المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه القضية من ملف قضائي إلى بازار طائفي غير محبب. فالعدالة لا تسأل: هل الموقوف سني أم شيعي أم مسيحي؟ بل تسأل: ما التهمة؟ هل صدرت إدانة؟ كم أمضى من العقوبة؟ وهل هناك حق شخصي للضحايا أو لذويهم؟
هذه هي المعايير التي كان يجب أن تحكم القانون، وهي التي يجب أن تحكم تطبيقه أيضاً.
أما السجال الذي رافق جلسة العفو العام، بين رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الدفاع ميشال منسى، فهو يتجاوز في دلالاته مسألة من يصعد إلى منبر مجلس النواب. رئيس الحكومة ليس طرفاً عادياً داخل السلطة التنفيذية، بل هو رئيس مجلس الوزراء والمتحدث باسم الحكومة أمام مجلس النواب وفق الأطر الدستورية وهو يتكلم بإسم جميع الوزراء ومن بينهم وزير الدفاع . ومن هذه الزاوية، فإن تمسّك نواف سلام بأن يكون التعبير عن موقف الحكومة منسجماً مع وحدة القرار الحكومي لا يمكن تفسيره تلقائياً على أنه انتقاص من دور وزير الدفاع، أو من المؤسسة العسكرية. ونواف سلام لم يتجاهل خصوصية موقع وزير الدفاع، ولا حساسية أي ملف يتصل بالجيش وشهدائه، خصوصاً أنه رئيس السلطة التنفيذية ووصي عليها . والدولة لا تُدار بمنطق تعدد الأصوات داخل الحكومة، بل بمنطق المؤسسات والصلاحيات الدستورية.
ومن هنا، فإن إنصاف نواف سلام لا يعني إدانة وزير الدفاع، كما أن احترام وزير الدفاع لا يستوجب تجاوز صلاحيات رئيس الحكومة . الأهم أن يبقى الجيش خارج التجاذب السياسي. فدماء شهداء الجيش عزيزة ومحترمة، لكن دماء المدنيين عزيزة ومحترمة أيضاً.
ولا يمكن بناء دولة عادلة على قاعدة أن دم العسكري أكثر قداسة من دم المدني، أو أن مظلومية فئة تلغي مظلومية فئة أخرى. الدولة القوية هي التي تحمي العسكري والمواطن معاً وتحفظ حق الشهيد كما تحفظ حق الموقوف الذي لم تثبت إدانته. وهنا تحديداً تكمن قيمة العفو العام وخطورته في آن واحد. إذا كان سيحرر المظلوم الذي طال توقيفه، فهذه عدالة. وإذا كان سيعالج خللاً قضائياً حرم إنساناً من محاكمة عادلة، فهذه خطوة مطلوبة. أما إذا تحول إلى تسوية سياسية أو طائفية تحمي أصحاب النفوذ، فسيكون قد أعاد إنتاج المشكلة نفسها التي يدّعي معالجتها.
لبنان لا يحتاج إلى عفو عام جديد كلما عجز القضاء عن القيام بدوره. بل يحتاج إلى قضاء مستقل وسريع، وإلى محاكمات لا تجعل الإنسان ينتظر سنوات حتى يعرف إن كان بريئاً أم مذنباً. فالعدالة الحقيقية ليست أن نعفو عن المظلوم بعد أن نظلمه، بل أن نبني نظاماً يمنع الظلم من الأساس. وهنا يصبح الامتحان الحقيقي أمام السلطة السياسية: هل سيكون العفو العام خطوة نحو إصلاح الدولة، أم مجرد تسوية جديدة تضاف إلى سجل التسويات اللبنانية؟
السؤال يجب أن يوجه إلى الجميع وليس إلى فريق واحد: هل العفو للمظلوم أم للنائب؟هل هو للإنسان الذي بقي خلف القضبان دون محاكمة عادلة، أم للمصالح السياسية التي تبحث دائماً عن جمهور جديد؟ إذا كان الهدف إنسانياً، فليكن المعيار واحداً على الجميع: الجريمة والحكم ومدة التوقيف، وحقوق الضحايا، والحق الشخصي .
وإذا كان إلغاء الإعدام خطوة حضارية، فإن العفو العام يجب أن يكون خطوة أخرى في الاتجاه نفسه، لا عودة جديدة إلى دولة التسويات.
لقد أتيحت للبنان اليوم فرصة نادرة: أن يربط بين إصلاح العقوبة وإصلاح العدالة. والمطلوب ألا يخرج من هذه اللحظة لا منتصر سياسي ولا مهزوم سياسي، بل أن تخرج منها الدولة منتصرة . فلبنان لا يحتاج إلى انتصار نواف سلام على ميشال منسى، ولا إلى انتصار وزير الدفاع على رئيس الحكومة . لبنان يحتاج إلى انتصار الدستور على الفوضى، والقانون على المحاصصة، والعدالة على الحسابات السياسية.
وفي النهاية، لا ينبغي أن يكون السؤال: هل نحن مع العفو أم ضده؟ السؤال الأهم هو:
عن من نعفو، ولماذا، وبأي معيار؟ ولا ينبغي أن يكون السؤال فقط: هل نؤيد إلغاء الإعدام؟ بل: هل نستطيع أخيراً بناء دولة لا تقتل المذنب، ولا تسجن البريء، ولا تترك الضحية بلا حق؟
عندها فقط يمكن القول إن لبنان بدأ فعلاً ينتقل من دولة التسويات إلى دولة القانون والمؤسسات.
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
هل كان التعثر المالي وراء وفاته؟
نبض