حين تُقرَّر الحرب نيابةً عن وطن

منبر 13-08-2026 | 09:58

حين تُقرَّر الحرب نيابةً عن وطن

هناك سؤال لم يعد من المقبول الهروب منه، ولا تغطيته بالشّعارات: من يملك قرار الحرب والسلم في لبنان؟
حين تُقرَّر الحرب نيابةً عن وطن
كاريكاتور ارمان حمصي
Smaller Bigger

د. عباس حيدر

 

 

هناك سؤال لم يعد من المقبول الهروب منه، ولا تغطيته بالشّعارات: من يملك قرار الحرب والسلم في لبنان؟
السّؤال ليس موجهاً ضد المقاومة كفكرة، ولا تبريراً للاحتلال، ولا دعوة إلى الاستسلام. إنّه سؤال عن الدولة، وعن معنى المواطنة، وعن حقّ اللبنانيين في أن يكونوا شركاء في تقرير مصير بلدهم.
حين تقرّر فئة، أيّاً كانت، الدّخول في حرب كبرى بعناوين مختلفة من دون تفويض وطني جامع، فإنّها لا تتحمّل وحدها تبعات القرار. كلّ اللبنانيين يدفعون الثّمن، وكلّ الجنوب يدفع الثّمن مضاعفاً. البيوت التي تُهدّم لا تُسأل عن انتمائها السياسي، والقرى التي تُقصف لا تملك حقّ الاعتراض، والمهجّر لا يستطيع أن يختار أيّ معادلة سياسية دفعته إلى النزوح.
مقاومة الاحتلال لا تعني احتكار الوطن، من حقّ أيّ شعب واقع تحت الاحتلال أن يرفض الاحتلال وأن يقاومه بالوسائل التي يراها مشروعة. لكن تحويل هذا الحق إلى تفويض دائم وحصري لفئة واحدة كي تقرّر متى تبدأ الحرب ومتى تتوقّف هو أمر مختلف تماماً وخاصّة عندما تكون الحرب هجوميّة أو استباقيّة وليست دفاعيّة. المقاومة، مهما عظمت تضحياتها، ليست وطناً قائماً بذاته، ولا يمكن أن تصبح بديلاً دائماً عن الدّولة، فالشرعيّة لا تُقاس فقط بعدد البنادق، ولا بعدد الشهداء، ولا بحجم التّضحيات؛ بل أيضاً بقدرة أي مشروع سياسي على حماية النّاس، وصون وحدتهم، وتقديم جواب عن اليوم التّالي للحرب.
ومن هنا، فإنّ السّؤال الأكثر جرأة ليس: هل نريد مقاومة الاحتلال؟ بل: كيف نريد أن نقاوم؟ ومن يقرّر؟ ولأيّ هدف؟ وبأيّ كلفة؟ وإلى أين؟
لا أحد يملك حقّ استخدام اللبنانيين وقوداً، لقد تعب اللبنانيون من أن تتحوّل حياتهم إلى سلسلة من القرارات الكبرى التي تُتخذ فوق رؤوسهم، ثم يُطلب منهم دفع أثمانها باسم الكرامة والوطن والمقاومة والسيادة.
أيّ خطاب سياسي يطالب الناس بالصّبر يجب أن يجيبهم أوّلاً: إلى متى؟
وأيّ جهة تقول إنّ الحرب ضرورة، عليها أن تقول بوضوح: ما هو الهدف السياسي القابل للتّحقق؟ وما هي حدود الحرب؟ وما هي استراتيجية الخروج منها؟ وكيف ستُحمى القرى؟ وكيف سيعود المهجّرون؟ ومن سيعيد بناء البيوت؟ ومن يضمن ألا تتحوّل التّضحيات إلى مجرّد أرقام في خطاب سياسي؟
لا يكفي أن نربح معركة ونخسر وطناً. ولا يكفي أن نرفع شعار التّحرير بينما يبقى المواطن خارج بيته، والأرض مهدّدة، والدّولة عاجزة، والقرار الوطني منقسماً.
الجنوب ليس ساحة اختبار، الجنوب اللبناني ليس مساحة جغرافية يمكن تحويلها إلى صندوق بريد إقليمي، ولا أبناؤه جنوداً في مشاريع تتجاوز حدود لبنان. الجنوبي الذي فقد منزله لا يريد محاضرة في الصّبر. والأم التي تنتظر عودة أبنائها لا تريد شعاراً جديداً، وصاحب الأرض الذي لا يستطيع الوصول إليها يريد أرضه، لا تفسيراً سياسياً لما جرى، ومن حقّ هؤلاء أن يسألوا: إذا كانت الحرب قد بدأت تحت عنوان تحرير الأرض وردع الاحتلال، فأين نحن اليوم من هذا الهدف؟ فكيف إذا كان العنوان غير ذلك... إذا كان الاحتلال مستمراً، والاعتداءات مستمرّة، والنّاس خارج بيوتها، فكيف يمكن مطالبة اللبنانيين بالصّمت وكأنّ القضية انتهت؟
الدولة التي لا تملك قرارها الكامل تبقى دولة ناقصة السيادة، وفي المقابل، المقاومة التي لا تريد أن تتحوّل إلى جزء من مشروع بناء الدّولة ستبقى، مهما كانت تضحياتها، أمام سؤال الشّرعية السياسية. لذلك لا يمكن بناء لبنان على معادلة: فئة تقرر، وشعب يدفع. المعادلة التي نحتاجها هي: دولة تقرر، وشعب يشارك، ومقاومة تكون في خدمة الوطن لا بديلاً عنه.
نخلص لنقول إنّ قرار الحرب ليس ملكاً لفئة، وإنّ أرواح اللبنانيين ليست ملكاً لأحد، وإنّ الجنوب ليس ملكاً لأحد، وإنّ الوطن لا يُدار بمنطق التّفويض المفتوح.
لقد آن الأوان للخروج من الثنائية القاتلة: إمّا أن تكون مع الحرب وإمّا أن تكون مع الاستسلام.
هناك خيار ثالث أكثر صعوبة وأكثر نضجاً: لبنان السّيد الذي يملك قراره، ويقاوم حين تقتضي المصلحة الوطنية، ويتفاوض حين يكون التّفاوض مجدياً، ويقاتل حين تكون المعركة ضرورة، ويوقف الحرب حين تصبح كلفتها أكبر من قدرتها على تحقيق أهدافها. هذا هو معنى القرار الوطني. 
أمّا أن تبدأ الحرب باسم اللبنانيين، ثم يُطلب منهم لاحقاً أن يصمتوا أمام نتائجها، فهذه ليست شراكة وطنية، إنها مصادرة للقرار.

الأكثر قراءة

دوليات 8/11/2026 10:21:00 PM
حذّر فرانك هوغربيتس من زلزال قوي محتمل في منطقة فرانتشا برومانيا بقوة قد تتراوح بين 7 و7.9 درجات
فن ومشاهير 8/10/2026 8:30:00 AM
مديحة الحمداني تعلن بدايتها الجديدة وتكشف عن زوجها، لتنهي رسمياً التساؤلات حول علاقتها السابقة بالنجم قصي خولي والد طفلها عميد.