الجنوب في مواجهة خرائط الاحتلال
عبدالله ناصرالدين
لم تعد قضية الجنوب اللبناني تقتصر على الخروقات العسكرية أو الاعتداءات المتكررة على الأراضي اللبنانية، بل بدأت تأخذ بعداً أكثر خطورة يتمثل في محاولة تكريس واقع جغرافي وسياسي جديد.
فإذا كانت الخريطة التي يجري تداولها والمنسوبة إلى الجانب الإسرائيلي تُظهر أجزاء من جنوب لبنان ضمن نطاق كيان الاحتلال، فإن المسألة لا يمكن التعامل معها كخطأ تقني أو تفصيل إعلامي عابر، بل باعتبارها مؤشراً سياسياً يجب أن يستدعي تحركاً لبنانياً رسمياً عاجلاً.
فالخرائط، في النزاعات الحدودية، ليست مجرد رسومات، إنها أداة سياسية وقانونية تُستخدم أحياناً لتطبيع الوقائع الميدانية وتحويل الاحتلال المؤقت إلى أمر واقع. ومن هنا، فإن الموقف السيادي اللبناني يجب أن يكون واضحاً: لا اعتراف بأي تغيير للحدود الدولية المعترف بها، ولا قبول بأي منطقة عازلة أو أمنية تُفرض داخل الأراضي اللبنانية من جانب واحد، ولا بأي محاولة لفرض أمر واقع بالقوة العسكرية.
وتملك الدولة اللبنانية أدوات دبلوماسية وقانونية متعددة للتحرك. والمسؤولية الأولى تقع على عاتق رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء ووزارة الخارجية والمغتربين، بالتنسيق الكامل مع قيادة الجيش والجهات المختصة بترسيم الحدود. وعلى وزارة الخارجية أن تتحرك فوراً عبر إرسال شكوى رسمية إلى الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس مجلس الأمن، وطلب توزيع الخريطة، إذا ثبتت رسميتها، كوثيقة على الدول الأعضاء، مع توضيح أن أي إدراج لأراضٍ لبنانية ضمن خرائط إسرائيلية لا يغيّر الوضع القانوني لتلك الأراضي ولا ينشئ أي حق مكتسب.
وهذا التحرك لا ينبغي أن يكون منفرداً، بل يجب أن يتحول إلى ملف دبلوماسي متكامل يُرفع إلى مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية والدول المؤثرة، ولا سيما الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وروسيا والصين، مع مطالبة الدول الراعية للمفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية وفي مقدمتها الولايات المتحدة بتحمل مسؤولياتها السياسية والقانونية.
فالمرجع الدولي الأساسي ما زال واضحاً. القرار 1701 أكد وقف الأعمال العدائية، ودعا إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان بالتوازي مع انتشار الجيش اللبناني واليونيفيل. كما أن مجلس الأمن جدد في قراراته اللاحقة التأكيد على سيادة لبنان وسلامة أراضيه، وطالب إسرائيل بالانسحاب من المواقع التي تحتلها شمال الخط الأزرق.
وقد سبق للبنان أن استخدم القنوات الدبلوماسية في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية. ففي حزيران 2026، أعلنت وزارة الخارجية اللبنانية أنها وجهت رسائل إلى مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة بشأن اعتداءات إسرائيلية واستهداف الجيش اللبناني، وربطت ذلك صراحة بضرورة احترام القرار 1701 وسيادة الدولة اللبنانية.
لكن السؤال الأصعب يبقى: هل ما زال الاتفاق المباشر مع إسرائيل ممكناً؟
الواقع أن لبنان وإسرائيل دخلا بالفعل خلال عام 2026 في مسار تفاوضي مباشر برعاية أميركية، وأُعلن في 26 حزيران عن إطار تفاهم يتضمن مساراً تدريجياً للانسحاب الإسرائيلي ونشر الجيش اللبناني في المناطق التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية.
غير أن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، والحديث عن الاحتفاظ بمنطقة أمنية داخل لبنان، يجعل السؤال مشروعاً حول مدى قدرة أي اتفاق جديد على الصمود إذا لم يقترن بضمانات دولية واضحة وآليات تنفيذ ومحاسبة. بل إن إسرائيل نفسها أعلنت في تموز أن قواتها لا تزال تعمل داخل ما تسميه «المنطقة الأمنية» في جنوب لبنان.
لذلك، ربما لم يعد المطلوب مجرد اتفاق جديد، بل تغيير فلسفة التفاوض نفسها. فلبنان لا يستطيع أن يدخل كل مرة في مفاوضات تبدأ من الصفر، بينما تتحول الوقائع العسكرية إلى أوراق تفاوضية إسرائيلية. المطلوب هو تحويل مسألة الحدود والسيادة إلى ملف دولي دائم، تكون فيه الولايات المتحدة وفرنسا والأمم المتحدة، وسائر الدول المؤثرة، ضامنة ليس فقط للتوصل إلى الاتفاق، بل لتنفيذه.
لقد أثبتت التجربة أن الاتفاقات وحدها لا تكفي عندما لا توجد آليات تنفيذ ومحاسبة. ومن هنا، فإن كل تفاهم مستقبلي يجب أن يتضمن جدولاً زمنياً ملزماً للانسحاب، وآلية تحقق دولية، وتحديداً واضحاً للحدود، ومنعاً لأي تغيير ديموغرافي أو جغرافي، وضمانات بعدم العودة إلى سياسة المناطق الأمنية داخل الأراضي اللبنانية.
إن القضية في جوهرها ليست قضية تفاوض بين طرفين متساويين فحسب، بل قضية سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة. وإذا كانت هناك أطماع إسرائيلية تاريخية في أجزاء من لبنان، فإن مواجهتها لا تكون فقط بالبيانات والاستنكار، بل بإقناع الدول الراعية لإسرائيل بأن استمرار الاحتلال أو محاولة تكريس حدود جديدة لن ينتج أمناً لإسرائيل، بل سيؤسس لصراع دائم.
أما لبنان، فعليه أن ينتقل من سياسة رد الفعل إلى دبلوماسية المبادرة: ملف حدود موحد، خريطة رسمية لبنانية، وثائق قانونية وتاريخية، تحرك في مجلس الأمن، تنسيق عربي ودولي، ومطالبة صريحة بضمانات دولية للسيادة اللبنانية.
فالأرض التي تُرسم اليوم على خريطة الغير قد تصبح غداً واقعاً سياسياً إذا لم تواجه في اللحظة المناسبة. ولذلك فإن المعركة الحقيقية ليست فقط في الميدان، وإنما أيضاً في الخرائط، والوثائق، ومجلس الأمن، وطاولات التفاوض. وفي هذه المعركة، يجب أن يكون الموقف اللبناني واضحاً: الجنوب اللبناني أرض لبنانية، والسيادة ليست بنداً قابلاً للتفاوض، والحدود لا تُرسم بالقوة ولا تُغيّرها خرائط الاحتلال.
نبض