إنه الاقتصاد يا غبي... مجدداً

منبر 12-08-2026 | 11:14

إنه الاقتصاد يا غبي... مجدداً

لم يكن هذا الكلام مجرد تحقير لأحد أو طريقة مبتذلة لازدراء من لا يفهم جيداً الخيط الناظم بين الاقتصاد والسياسة.
إنه الاقتصاد يا غبي... مجدداً
مضيق هرمز (إكس).
Smaller Bigger

صبري الرابحي - تونس

 

 

لم يكن هذا الكلام مجرد تحقير لأحد أو طريقة مبتذلة لازدراء من لا يفهم جيداً الخيط الناظم بين الاقتصاد والسياسة.
كان فقط شعاراً عبقرياً أبتدعه جاميس كارفيل مدير الحملة الانتخابية لبيل كلينتون المرشّح اليافع أمام جورج بوش الأب، العجوز المُثقل بالهزيمة الأخلاقية لحرب الخليج الثانية في مواجهة صدام حسين، والتي كلّفته خسارة كرسي الرئيس الثاني والأربعين للولايات المتحدة الأميركية بسبب حالة الركود الاقتصادي الداخلي آنذاك والذي قاد الناخبين الى التصويت العقابي الأشهر في العالم.
-مكر التاريخ أم مكر رأس المال:
خلال أشهر من التوتر بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، طفا على السطح مجدداً الملف الاقتصادي الذي أطل برأسه وسط الحرب الميدانية وحرب التصريحات بين الطرفين، ليؤكد مجدداً أنه أحد أهم الأولويات والمحرك الحقيقي للعمليتين السياسية والعسكرية على حد السواء.
برزت ورقة مضيق هرمز كورقة سياسية ذات تأثير اقتصادي بالغ على خمس الإمدادات العالمية من النفط، إضافة إلى نظيرها تقريباً من إمدادات الغاز المسال، وهي خسائر اقتصادية متواردة تصل قيمتها إلى حوالى  ملياري دولار يومياً، وهو رقم معاملات يستصرخ رجال الاقتصاد والأعمال لإقناع رجال السياسة بضرورة البحث عن تفاهمات تعيد حالة الاستقرار ولو بطريقة "الصفقات السياسية".
ومثلما كانت حقبة التسعينات وقرار الرئيس جورج بوش الأب دخول حرب الخليج الثانية مؤثراً على شعبيته وعلى رؤى الناخبين بإيعاز من صرخات رأس المال في ليالي وول ستريت، أشهراً قليلة بعد انتهاء الحرب، فإنه يبدو أن التاريخ يمكر للرئيس ترامب بالطريقة ذاتها أشهراً قليلة قبل التجديد النصفي للكونغرس، ويجبره رأس المال على التراجع عن تهديداته العشوائية لإيران بسبب أزمة مضيق هرمز.

-تهديدات ترامب:
على امتداد المناوشات بين الطرفين والتي وصلت أقصاها خلال شباط\فبراير الماضي الذي عرف تصعيداً عسكرياً هو الأعنف في تاريخ التوتر الأميركي- الإيراني، حافظ الرئيس الأميركي دونالد ترامب على نقطتين أساسيتين ضمن سردياته الشعبوية المتعددة وأهمها:
ترديده خطاب النصر رغم أن الواقع الميداني يعكس نقيض ذلك تماماً أو توازناً لافتاً للردع على الأقل.
أما النقطة الثانية، فهي تماديه في تهديد إيران باستهداف بناها التحتية ومشروعها النووي بطريقة لم يشهدها العالم منذ الحرب العالمية، أياماً قليلة قبل ذكرى القصف الأميركي لهيروشيما وناكازاكي .
هذه التهديدات وصلت الى أقصاها قبل قرابة يومين عندما تحدث ترامب عن مهلة أخيرة للطرف الإيراني، وهو التهديد الذي قوبل باستهزاء شديد من الجانب الإيراني، تعبيراً عن عدم صدقية ترامب في ما يقول إضافة إلى حالة التذبذب التي أبداها في العديد من المناسبات، فضلاً عن وأده اتفاق إسلام آباد وهو ما يزيد في تعقيد المفاوضات غير المباشرة التي تجري الآن برعاية عمانية وتحدّ من أفق العملية الديبلوماسية خلال الفترة القصيرة القادمة على الأقل.
-ترامب ''لن يقدر'' على مواجهة إيران:
هذه الفكرة لا تنبع من وجهة نظر شخصية، بل من قراءة موضوعية للظرف الاقتصادي العالمي الذي سيجبر ترامب على التراجع نهائياً عن تهديد إيران.
اقتصاد العالم اليوم لم يعد يتحمل مزيداً من التصعيد للحفاظ على الاستقرار النسبي لأسعار المحروقات في العالم والتي يتوقع الخبراء أن يبلغ ثمن البرميل الواحد من خام برنت ما بين 150 و200 دولار أميركي في حال مغامرة ترامب بضرب إيران مثلما يزعم، وهي التكلفة الاقتصادية للملف السياسي للعلاقة مع إيران والتي سيتحمل ترامب تبعتها بمفرده.
وما دام الذكاء الاقتصادي قادراً على تقويم الغباء السياسي والاعتبار من التاريخ، فإن ترامب لن يقدر على المجازفة واستحضار أخطاء أسلافه في أحد أكثر الملفات تعقيداً على مكتبه لسبب بسيط، وهو عدم إمكان مضاربته بالاقتصاد العالمي مثلما يفعل بأمن المنطقة.
-حيلة الصين والذكاء الإستراتيجي:
على ما يبدو أن الإدارات الأميركية المتعاقبة والتي حافظت على قطبية العلاقة مع إيران، كانت تراهن في مختلف مراحل الصراع على دور الصين في إرغام إيران على التخلي عن ورقة مضيق هرمز بمنطق رجال الاقتصاد والمال. نفسه
اليوم بالأرقام، تظهر الصين أحد أهم الأطراف المتضررة من إغلاق مضيق هرمز في علاقة بالإمدادات الطاقية اللازمة لتشغيل محركات اقتصاد البلد المليوني من حيث أعداد القوة العاملة إضافة إلى سلاسل التوريد التابعة.
غير أن هذا المعطى لم يجبر الصين على الحسم في المسألة من باب البراغماتية الاقتصادية على الأقل، بل بلغ بها الأمر حدّ الامتناع على التصويت على القرار الأممي الذي يدين هجمات إيران على جيرانها الإقليميين من الدول المنتجة والمصدرة للنفط في المنطقة.
السرّ وراء كل ذلك هو الاتفاقات التجارية المشتركة وأهمها اتفاق التعاون الإستراتيجي الشامل بقيمة استثمارية تناهز 400 مليار دولار، والذي شكل حزام الأمان للاقتصاد الصيني ومصداً للصدمة الإستراتيجية التي تجنبتها إيران بذكاء بالغ من الجانب الصيني منذ سنة 2021، في غفلة من الإدارة الأميركية على ما يبدو.
الإدارة الأميركية نفسها التي علّمت العالم أن كل شيء يدور حول الاقتصاد من باب النصح، ثم انصرفت إلى الغباء السياسي الذي جعلها اليوم تقع في مأزق طهرأن تماماً مثل مأزق بغداد من الناحية الاقتصادية على الأقل، يبدو أن تكلفتها السياسية ستكون شبيهة إلى حدِّ كبير بمأزق كابول.
ليتساءل العالم مجدداً أليست المسألة متعلقة بالاقتصاد؟
فمن هو الغبي في هذه الحالة إذن؟

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 8/3/2026 6:35:00 PM
علقت العائلة يافطات في العاصمة عمان تعلن فيها براءتها منه والمطالبة بإعدامه.
شمال إفريقيا 8/10/2026 7:38:00 AM
جريمة قتل مزودجة بين سيارة وشقة سكنية تودي بحياة أسرة من 4 أفراد في مصر!
دوليات 8/11/2026 10:21:00 PM
حذّر فرانك هوغربيتس من زلزال قوي محتمل في منطقة فرانتشا برومانيا بقوة قد تتراوح بين 7 و7.9 درجات
كشف تقرير لـ"نيوزويك" أن هاني حنجور، قائد الطائرة التي استهدفت البنتاغون في هجمات 11 أيلول، أجرى رحلات عدة في أجواء واشنطن قبل الهجوم للتعرف إلى المجال الجوي للمنطقة.