ديمقراطية الفيفا تحتاج إلى جدارٍ فاصل بين المال والأصوات

منبر 12-08-2026 | 09:27

ديمقراطية الفيفا تحتاج إلى جدارٍ فاصل بين المال والأصوات

من حق الفيفا، بل من واجبه، أن يمول تطوير كرة القدم بسخاء. لكن عندما يعتمد اتحاد وطني على الهيئة الدولية لتغطية نفقاته الأساسية، يصبح استقلال صوته مسألة حوكمة مشروعة لا يمكن تجاهلها.
ديمقراطية الفيفا تحتاج إلى جدارٍ فاصل بين المال والأصوات
جياني انفانتينو رئيس الفيفا (اكس)
Smaller Bigger

محمد حنزاب  -  رئيس المركز الدولي للأمن الرياضي (ICSS)

 

 

 

ثمة ما يستحق التقدير في أبسط قواعد الديمقراطية داخل الفيفا. لإنجلترا صوت واحد، وللبرازيل صوت واحد، ولفرنسا صوت واحد. وكذلك لكل اتحاد وطني آخر. في رياضة عالمية، لهذه المساواة قيمة حقيقية. فمن دونها، قد تتحول كرة القدم الدولية إلى نادٍ خاص بالدول التي تملك أكبر أسواق البث وأغنى الدوريات وأضخم العائدات التجارية.
لكن تساوي الأصوات لا يعني بالضرورة استقلالها.
وهذا التمييز بات أصعب على التجاهل. فالفيفا ليس فقط المؤسسة التي يحدد أعضاؤها رئيسها وميزانيتها وتوجهها الاستراتيجي؛ بل هو أيضاً مصدر رئيسي للتمويل بالنسبة إلى الأعضاء أنفسهم.
بموجب برنامج FIFA Forward 3.0، يستطيع كل واحد من اتحادات الفيفا الأعضاء، وعددها 211 اتحاداً، الحصول على ما يصل إلى 1.25 مليون دولار سنوياً لتغطية تكاليف التشغيل، إضافة إلى ما يصل إلى 3 ملايين دولار للمشروعات خلال دورة 2023–2026. وقد تصبح هذه المبالغ أكبر بكثير قريباً. ففي 28 تموز/يوليو، أعلن الفيفا مقترحاً — لا يزال خاضعاً لموافقة الاتحادات الأعضاء — لتوفير 20 مليون دولار لكل اتحاد ضمن برنامج Forward للفترة 2027–2030، إلى جانب إمكانية تخصيص 20 مليون دولار إضافية لكل اتحاد لمشروعات استثنائية خاصة.
قد يمثل ذلك استثماراً قوياً في تطوير كرة القدم. لكنه يجعل سؤالاً صعباً في الحوكمة أكثر إلحاحاً.
المشكلة ليست في تمويل التنمية. المشكلة في الاعتماد المالي.
ينبغي للفيفا أن يعيد توزيع جزء من الثروة التي تولدها كرة القدم العالمية. فلا يجوز حرمان اتحاد في دولة صغيرة من الملاعب أو المدربين أو كرة القدم النسائية أو مسابقات الناشئين لمجرد أن سوق البث المحلي لديه محدود القيمة. عالمية كرة القدم تعتمد، جزئياً، على انتقال الموارد من الأماكن التي تتمتع فيها اللعبة بقوة تجارية كبيرة إلى الأماكن التي تحتاج إلى الاستثمار.
لكن هناك نقطة قد تتحول عندها المساعدة إلى اعتماد مؤسسي. فإذا كان اتحاد ما لا يستطيع بصورة مريحة دفع رواتب موظفيه، أو إدارة مؤسسته، أو مواصلة أنشطته الكروية الأساسية من دون أموال الفيفا، فهل يمكن اعتبار صوته في انتخاب قيادة الفيفا أو إقرار سياساته المالية مستقلاً بالكامل؟
أنا لا أقول إن اتحاداً بعينه باع صوته، ولا إن دفعة مالية محددة من الفيفا اشترت صوتاً بعينه. مثل هذا الادعاء يحتاج إلى دليل. ما يعنيني هو النظام نفسه. فالحوكمة الجيدة يفترض أن تقلل تضارب المصالح وعلاقات الاعتماد قبل أن نصل أصلاً إلى مرحلة إثبات وجود صفقة فاسدة.
الحل السهل والخاطئ هو القول إن كل اتحاد يتلقى أموالاً من الفيفا يجب أن يفقد حقه في التصويت في الكونغرس. لا أعتقد أن ذلك عادل، كما أنه يكاد يكون غير قابل للتطبيق. فالحصول على منحة لبناء مركز تدريب يختلف جذرياً عن الحاجة إلى أموال الفيفا لدفع الرواتب.
كما أن مثل هذا الحل سيثير شبهة مشروعة بأن الدول الكروية الغنية تحاول إعادة تصميم الفيفا بما يخدم مصالحها. ونظام تصويت يقوم على القوة التجارية لن يكون أفضل. بل قد يقلل نفوذ أفريقيا وآسيا وأوقيانوسيا ومنطقة الكاريبي وغيرها من المناطق الكروية الأصغر، فقط لأن أسواقها المحلية لا تدر القدر نفسه من المال.
لذلك، يجب ألا يكون المعيار هو الثروة. المعيار يجب أن يكون الاستقلال.
أقترح أن ينشئ الفيفا "مؤشر الاعتماد المالي" وينشره لكل اتحاد عضو. ويبين المؤشر نسبة الدخل التشغيلي المتكرر للاتحاد التي تأتي من أموال الفيفا المخصصة للنفقات اليومية. أما منح المشاريع الرأسمالية والمشروعات التنموية المخصصة فعلياً لغرض محدد، فينبغي التعامل معها بصورة منفصلة. ويجب أن تخضع الأرقام لتدقيق مستقل، وأن تحدد الحدود الفاصلة بعد تحليل اقتصادي وحوكمي جاد، لا عبر تفاوض سياسي داخل الفيفا.
وكنقطة بداية للنقاش، يمكن اعتبار الاتحاد مستقلاً مالياً عندما تقل مساهمة تمويل الفيفا التشغيلي عن 25 في المئة من دخله التشغيلي المتكرر؛ وفي مرحلة تطوير إذا تراوحت بين 25 و50 في المئة؛ وعالي الاعتماد بين 50 و75 في المئة؛ ومعتمداً هيكلياً إذا تجاوزت 75 في المئة. لا أعتبر هذه النسب نهائية. الهدف منها توضيح المبدأ: علينا أن نقيس الاعتماد المالي بدلاً من تجاهله.
ويجب أن يستطيع اتحاد صغير اجتياز هذا الاختبار حتى بميزانية صغيرة. لا ينبغي أن يكون للناتج المحلي الإجمالي أو عدد السكان أو ترتيب الفيفا أو التأهل لكأس العالم أو الحجم المطلق للإيرادات أي دور في تحديد الأهلية. فقد يكون اتحاد يدير بصورة مستدامة مليوني دولار من إيراداته المتكررة الخاصة أكثر استقلالاً من مؤسسة أكبر بكثير تعاني ضعف الرقابة والاعتماد المزمن على التحويلات الخارجية.
وينبغي ألا يكون الاستقلال المالي المعيار الوحيد. فالتمتع بحق تصويت كامل في أعلى سلطة لكرة القدم العالمية يجب أن يقترن بحد أدنى من التزامات الحوكمة: حسابات مدققة بصورة مستقلة، ومشتريات شفافة، وانتخابات ذات مصداقية، وقواعد فعلية لتضارب المصالح، وأنظمة للحماية والنزاهة، ومسابقات محلية فاعلة. وهذه المعايير يجب أن تطبق على الجميع. فالاتحاد الثري الذي يعاني إخفاقات خطيرة في الحوكمة لا ينبغي أن يتأهل لمجرد أنه يملك المال.
والأهم أن رئيس الفيفا ومجلسه وإدارته يجب ألا يقرروا أي الاتحادات يستوفي الشروط. فمنح القيادة القائمة سلطة تحديد من يحق له التصويت قد يخلق مشكلة أكبر من المشكلة التي نحاول حلها. ينبغي أن تتولى هيئة مستقلة التحقق من الأهلية وفق معايير منشورة وقرارات معلنة، مع حق واضح في الاستئناف.
كما أن تقييد حق التصويت الكامل لا يجب أن يكون الخطوة الأولى. فهناك قاعدة مألوفة في حوكمة الشركات والحياة العامة: إذا كانت لك مصلحة مالية مباشرة وجوهرية في قرار ما، فلا تشارك في التصويت عليه.
وبالتالي، يمكن للاتحاد الذي يتجاوز مستوى محدداً من الاعتماد المالي أن يحتفظ بصوته في المسابقات والأنظمة والمسائل الكروية العامة، لكنه يمتنع عن التصويت على القرارات التي تزيد بصورة مباشرة وجوهرية من التمويل الذي يعتمد عليه. ولهذا قد يكون النظام المختلط أكثر عقلانية من الحرمان الشامل: معايير حوكمة دنيا للحصول على حق التصويت الكامل، وامتناع إلزامي عن التصويت عند وجود مصلحة مالية مباشرة، وبرنامج انتقالي للاستقلال عندما يبلغ الاعتماد التشغيلي مستويات شديدة.
أما الفترة التي تسبق انتخابات رئاسة الفيفا فتستحق حماية خاصة. فخلال الاثني عشر شهراً السابقة للتصويت، ينبغي أن تخضع المنح الاستثنائية الموجهة إلى اتحادات بعينها لموافقة مستقلة، وأن تسير المدفوعات وفق جداول معلنة، وأن يكشف سريعاً عن التحويلات المالية الجوهرية. كما ينبغي ألا يتمكن المرشحون من تقديم وعود بمزايا مالية خاصة لاتحادات بعينها. وكلما قلت سلطة المسؤولين السياسيين في التحكم بتوقيت الأموال ووجهتها، تقل المساحة المتاحة للاشتباه في اختلاط تطوير كرة القدم بالسياسة الانتخابية.
وتطرح كأس العالم مسألة مرتبطة بذلك. فقد توسعت بطولة 2026 من 32 إلى 48 منتخباً. وهناك حجج مشروعة لمنح عدد أكبر من الدول فرصة الوصول إلى أكبر مسرح في كرة القدم، وسيكون من التبسيط وصف التوسع في حد ذاته بأنه شراء للأصوات. لكن أي توسع مستقبلي ينبغي أن يستند إلى تقييم مستقل ومعلن للجودة الرياضية، ونزاهة التصفيات، وأعباء اللاعبين، والآثار التجارية، والتنمية العالمية للعبة. عدد المنتخبات في كأس العالم يجب أن تحدده مصلحة البطولة وكرة القدم، لا القيمة الانتخابية التي قد يرى البعض أنها ترتبط بإضافة مقاعد جديدة.
أقوى انتقاد يمكن توجيهه إلى اقتراحي هو أنه قد يتحول إلى وسيلة أكثر تعقيداً لحرمان الدول الكروية الأقل ثراءً من حقوقها. هذا الخطر حقيقي. وأي إصلاح يؤدي عملياً إلى منح أوروبا أو الأسواق الغنية الأخرى مزيداً من السيطرة يجب رفضه.
لذلك يجب أن تكون الحماية جزءاً من النظام نفسه، لا اختباراً للناتج المحلي الإجمالي، ولا لعدد السكان، ولا للترتيب، ولا اشتراط لتحقيق إيرادات تضاهي اتحاداً أوروبياً كبيراً، ولا عضوية دائمة من درجة ثانية.
الاتحاد الذي لا يستوفي معيار الاستقلال ينبغي أن يدخل "برنامجاً للتنمية والاستقلال". ويستمر تمويل الفيفا، بل قد يحتاج في بعض الحالات إلى الزيادة، ولكن بهدف واضح: مساعدة الاتحاد على بناء إيرادات محلية، ومسابقات أقوى، وقدرة أفضل على جذب الرعاية، وإدارة أكثر كفاءة، وضوابط مالية أكثر صلابة. وعندما تتحقق المعايير الموضوعية، يعود حق التصويت الكامل تلقائياً.
وهذا يمنح الفيفا أيضاً مقياساً أفضل لنجاح التنمية. فلا ينبغي الحكم على النجاح فقط بحجم الأموال التي يوزعها الفيفا، بل أيضاً بمدى قوة الاتحادات وقدرتها على تقليل اعتمادها التدريجي على الفيفا من أجل بقائها المؤسسي.
مبدأ "عضو واحد، صوت واحد" يستحق الدفاع عنه. فهو أحد الضمانات التي تمنع أغنى دول كرة القدم من امتلاك اللعبة العالمية. لكن الحفاظ على المساواة لا ينبغي أن يفرض علينا تجاهل أثر الاعتماد المالي في استقلال القرار المؤسسي.
على الفيفا أن يمول التنمية بسخاء. وعلى الاتحادات الصغيرة أن تحتفظ بصوت مؤثر. ويجب ألا تحدد الثروة الحقوق السياسية. وفي الوقت نفسه، لا يصح أن تكون المؤسسة الخاضعة للتصويت هي نفسها شريان الحياة المالي الذي لا يستطيع بعض من ينتخبون قيادتها الاستغناء عنه، من دون ضمانات تعالج تضارب المصالح الناتج من ذلك.
المبدأ بسيط: التضامن يجب أن يدعم الاستقلال، لا أن يحل محله.
وفي النهاية، يجب أن يعني مبدأ "عضو واحد، صوت واحد" صوتاً واحداً مستقلاً.
محمد حنزاب هو رئيس المركز الدولي للأمن الرياضي (ICSS). والآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأيه الشخصي.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 8/3/2026 6:35:00 PM
علقت العائلة يافطات في العاصمة عمان تعلن فيها براءتها منه والمطالبة بإعدامه.
شمال إفريقيا 8/10/2026 7:38:00 AM
جريمة قتل مزودجة بين سيارة وشقة سكنية تودي بحياة أسرة من 4 أفراد في مصر!
دوليات 8/11/2026 10:21:00 PM
حذّر فرانك هوغربيتس من زلزال قوي محتمل في منطقة فرانتشا برومانيا بقوة قد تتراوح بين 7 و7.9 درجات
كشف تقرير لـ"نيوزويك" أن هاني حنجور، قائد الطائرة التي استهدفت البنتاغون في هجمات 11 أيلول، أجرى رحلات عدة في أجواء واشنطن قبل الهجوم للتعرف إلى المجال الجوي للمنطقة.