أزمة الهوية... أم أزمة الاعتدال؟

منبر 11-08-2026 | 10:34

أزمة الهوية... أم أزمة الاعتدال؟

في زمن تتداخل فيه الثقافات، وتتسارع فيه الأفكار، وتنتقل العادات والتجارب من مجتمع إلى آخر بسهولة غير مسبوقة، يبدو الإنسان العربي اليوم أمام سؤال أساسي: مَن نحن؟ وماذا نريد أن نكون؟ هل نعيش أزمة هوية فعلاً أم أن أزمتنا الحقيقية تكمن في عدم وضوح أفكارنا ومواقفنا؟
أزمة الهوية... أم أزمة الاعتدال؟
خريطة المشرق العربي
Smaller Bigger

ملاك وجيه شميطلي

 

 

في زمن تتداخل فيه الثقافات، وتتسارع فيه الأفكار، وتنتقل العادات والتجارب من مجتمع إلى آخر بسهولة غير مسبوقة، يبدو الإنسان العربي اليوم أمام سؤال أساسي: مَن نحن؟ وماذا نريد أن نكون؟ هل نعيش أزمة هوية فعلاً أم أن أزمتنا الحقيقية تكمن في عدم وضوح أفكارنا ومواقفنا؟
في مجتمعاتنا العربية، يمكن أن نلاحظ أحياناً حالة من التناقض في التعامل مع القضايا الاجتماعية والثقافية. فقد يتبنى الإنسان فكرة من الثقافة الأوروبية عندما تكون في مصلحته، ثم يعود إلى هويته العربية أو عاداته وتقاليده عندما تصبح الفكرة نفسها في غير مصلحته. وهنا يظهر السؤال: هل نحن نختار أفكارنا عن قناعة، أم نختار منها ما يناسبنا في كل موقف؟ 
الأمر لا يتعلق برفض الانفتاح أو التمسك بالتقاليد بشكل مطلق. فالانفتاح ليس بالضرورة تخلياً عن الهوية، كما أن المحافظة على العادات لا تعني بالضرورة الانغلاق. المشكلة تبدأ عندما يصبح الإنسان غير قادر على تحديد موقعه الفكري، فيتنقل بين مواقف متناقضة من دون أن يعرف لماذا اختار هذا الموقف أو ذاك؛ وهنا تبرز قيمة الاعتدال الفكري. فالاعتدال لا يعني أن يكون الإنسان بلا موقف، ولا يعني أن يقف دائماً في منتصف الطريق، بل يعني أن يفكر قبل أن يحكم، وأن يعرف نفسه قبل أن يفرض أفكاره على الآخرين، وأن يواجه تناقضاته الداخلية قبل أن يحاول تصحيح الآخرين. الإنسان المعتدل فكرياً لا يحتاج إلى أن يكون نسخة أوروبية بالكامل حتى يكون منفتحاً، ولا يحتاج إلى أن يرفض كل ما هو جديد حتى يكون متمسّكاً بهويته. يستطيع أن يأخذ من الثقافات الأخرى ما يراه مناسباً، وأن يحافظ في الوقت نفسه على ما يؤمن به من قيم وعادات وتقاليد. والأهم أن هذا الاعتدال يجب أن يبدأ من الداخل. فلا يمكن لشخص أن يطالب بالتحرر والانفتاح، بينما هو في حياته الخاصة يفرض التشدّد على الآخرين؛ ولا يمكن لشخص أن يرفع شعار المحافظة والتقاليد، ثم يستخدمها فقط عندما تخدم موقفه. كذلك، لا يمكن أن نطلب من الآخرين أن يعيشوا وفق منظومتنا الفكرية بينما نحن أنفسنا لم نحسم ما الذي نؤمن به فعلاً. الأمر نفسه ينطبق على العلاقات والاختيارات الشخصية؛ فالاختلاف بين شخصين في طريقة التفكير أو النظرة إلى الحياة ليس بالضرورة مشكلة، لكن المشكلة تظهر عندما يكون الاختلاف في القيم الأساسية كبيراً إلى درجة تجعل كلّ طرف يعيش ضد قناعاته. لذلك، من المهمّ أن يعرف الإنسان نفسه، وأن يفهم ما يريد، وأن يختار الأشخاص الذين يستطيع أن يعيش معهم بانسجام فكريّ وإنسانيّ. لكن لا يوجد معيار واحد يمكن بفضله الحكم على كل الناس؛ فليس كل شخص متدين بالضرورة متشدداً، وليس كل شخص منفتح بالضرورة متحرّراً، وليس كل شخص متمسك بالتقاليد بالضرورة منغلقاً. السلوك، وطريقة التفكير، والقدرة على احترام الآخر، هي التي تكشف شخصية الإنسان أكثر من الشعارات التي يرفعها. فالاعتدال الحقيقي ليس في المظهر فقط، بل في طريقة التفكير قبل طريقة التصرف. قد لا نحتاج اليوم إلى أن نكون طرفاً بين "الشرق" و"الغرب"، ولا إلى إعلان انتصار التقليد على الحداثة أو العكس. ولربما نحتاج قبل كل ذلك إلى أن نفهم أنفسنا: ما الذي نؤمن به؟ ما الذي نرفضه؟ وما الذي نستطيع أن نتقبله من دون أن نشعر بأننا فقدنا هويتنا؟ 
فالهوية ليست قفصاً يمنع الإنسان من التطور، وليست ورقة يخرجها عندما يحتاج إليها، بل هي وعي بالذات، والاعتدال هو القدرة على تطوير هذه الذات من دون أن نفقد توازننا. 
وفي النهاية، قد لا تكون مشكلتنا الأساسية أننا نعيش بين ثقافتين، بل أننا أحياناً نعيش بين فكرتين عن أنفسنا. والحلّ قد لا يكون في التشدّد، ولا في الذوبان الكامل في ثقافة أخرى، بل في الوصول إلى مساحة أكثر وعياً: مساحة يستطيع فيها الإنسان أن يكون منفتحاً من دون أن يفقد جذوره، ومتمسّكاً بقيمه من دون أن يرفض الآخر، ومتحرّراً في تفكيره من دون أن يتحوّل التحرر إلى تطرّف جديد؛ فالاعتدال ليس ضعفاً في الموقف... بل قوة في فهمه.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 8/3/2026 6:35:00 PM
علقت العائلة يافطات في العاصمة عمان تعلن فيها براءتها منه والمطالبة بإعدامه.
شمال إفريقيا 8/10/2026 7:38:00 AM
جريمة قتل مزودجة بين سيارة وشقة سكنية تودي بحياة أسرة من 4 أفراد في مصر!
كشف تقرير لـ"نيوزويك" أن هاني حنجور، قائد الطائرة التي استهدفت البنتاغون في هجمات 11 أيلول، أجرى رحلات عدة في أجواء واشنطن قبل الهجوم للتعرف إلى المجال الجوي للمنطقة.