جيلٌ كامل ينتظر… ماذا فعل الانتظار باللبنانيين؟
في لبنان، لم تعد السنوات تُقاس بما أنجزه الناس، بل بما انتظروه ولم يأتِ. راتبٌ ينتظر أن يستعيد قيمته، وظيفةٌ تنتظر صاحبها، جامعةٌ تنتظر استقراراً، بيتٌ ينتظر عودة أهله، وعائلةٌ تنتظر أن تنتهي الحرب كي تعرف إن كان الغد سيحمل عودةً أم نزوحاً جديداً. حتى البلد نفسه يبدو، في لحظةٍ ما، كأنه عالق في غرفة انتظار كبيرة.
أحمد دلول
في لبنان، لم تعد السنوات تُقاس بما أنجزه الناس، بل بما انتظروه ولم يأتِ. راتبٌ ينتظر أن يستعيد قيمته، وظيفةٌ تنتظر صاحبها، جامعةٌ تنتظر استقراراً، بيتٌ ينتظر عودة أهله، وعائلةٌ تنتظر أن تنتهي الحرب كي تعرف إن كان الغد سيحمل عودةً أم نزوحاً جديداً. حتى البلد نفسه يبدو، في لحظةٍ ما، كأنه عالق في غرفة انتظار كبيرة.
لكن المشكلة ليست في الانتظار بحد ذاته، بل في أن يتحوّل الانتظار من ظرفٍ مؤقت إلى أسلوب حياة.
فمنذ سنوات، واللبناني ينتقل من أزمة إلى أخرى، ومن موعدٍ مؤجّل إلى موعدٍ آخر. غير أن الحرب أضافت إلى هذا الانتظار بعداً أكثر قسوة: لم يعد الأمر متعلقاً فقط بالقدرة على تأمين المستقبل، بل بالقدرة على الاطمئنان إلى وجوده أصلاً.
هناك من ينتظر انتهاء الحرب ليعود إلى منزله، ومن ينتظر أن تصبح الطريق آمنة، ومن ينتظر إعادة إعمار ما تهدّم، ومن ينتظر أن تفتح المدرسة أبوابها بصورة طبيعية، فيما ينتظر آخرون خبراً يطمئنهم إلى أقاربهم أو إلى منازلهم وممتلكاتهم. وبين هؤلاء جميعاً، يقف جيل شاب يحاول أن يخطط لحياته فيما الحرب تعيد كل مرة رسم حدود الممكن.
والأرقام تكشف جانباً من هذه الصورة. ففي مسح أجرته اليونيسيف خلال الحرب، قال 72 في المئة من مقدمي الرعاية إن أطفالهم كانوا يشعرون بالقلق أو العصبية، فيما أفاد 62 في المئة بأنهم كانوا يشعرون بالحزن أو الاكتئاب. والأكثر دلالة أن المنظمة أشارت إلى أن التحسن الذي ظهر بعد وقف إطلاق النار لم يعنِ بالضرورة زوال آثار الضغط النفسي، إذ إن التعرض المطوّل للصدمات قد يترك تبعات طويلة الأمد.
وعلى المقلب الآخر، لا يتوقف أثر الحرب عند الخوف المباشر من القصف أو النزوح. دراسة حديثة تناولت جودة النوم لدى طلاب الجامعات في لبنان خلال الحرب خلصت إلى أن التعرّض المباشر للحرب ارتبط بصورة واضحة بتدهور النوم، مع ما يعنيه ذلك من انعكاسات على التحصيل الأكاديمي والقدرات الذهنية والصحة الجسدية والنفسية.
وهنا يصبح السؤال أكبر من الحرب نفسها: ماذا تفعل الحرب حين تطول في قدرة الإنسان على التخطيط؟
في البداية، يؤجل اللبناني قراراً. ثم يؤجل قراراً آخر. ينتظر انتهاء الحرب قبل أن يستأجر منزلاً، أو يبدأ مشروعاً، أو يتزوج، أو ينجب، أو يعود إلى قريته. وبعد فترة، لا يعود التأجيل استثناءً، بل يتحول إلى سلوك طبيعي. تصبح الخطط معلّقة، والقرارات مشروطة، والمستقبل مفتوحاً على كلمة واحدة: "إذا".
ومن ناحية أخرى، لا يعيش اللبنانيون انتظاراً واحداً. هناك انتظار الحرب، وانتظار الاقتصاد، وانتظار الراتب، وانتظار الوظيفة، وانتظار الوديعة، وانتظار الهجرة، وانتظار الدولة. وكل انتظار جديد يتراكم فوق سابقه، حتى يصبح الإنسان حاضراً في يومه، لكنه يعيش ذهنياً في موعدٍ لم يأتِ بعد.
ولعل الأخطر أن الإنسان يستطيع مقاومة الخوف حين يكون له موعد نهاية، لكنه يجد صعوبة أكبر في مقاومة عدم اليقين المفتوح. وهذا ما يجعل أثر الحرب أعمق من لحظة القصف نفسها؛ فالحرب لا تخيف الإنسان فقط مما يحدث الآن، بل تجعله عاجزاً عن معرفة ما سيحدث بعد ساعة، أو غداً، أو بعد عام.
وبحسب المعطيات الصحية والإنسانية الدولية، خلّفت الحرب في لبنان نزوحاً واسعاً وضغطاً متزايداً على الخدمات الصحية والاجتماعية، فيما بقيت آثار الصدمة النفسية قائمة حتى بعد عودة أعداد كبيرة من النازحين إلى مناطقهم.
وعلى صعيد متصل، ربما يكون هذا هو الوجه الأقل ظهوراً للأزمة اللبنانية: جيل لا يخسر فقط ما يملكه، بل يؤجل ما كان يفترض أن يعيشه.
جيل يتخرج ولا يعرف أين سيعمل، ويحب ولا يعرف إن كان قادراً على تأسيس عائلة، ويخطط للسكن ولا يعرف إن كان المكان الذي اختاره سيبقى آمناً، ويحلم بمستقبلٍ في لبنان فيما يحتفظ، في الوقت نفسه، بخطة جاهزة لمغادرته.
لقد اعتاد اللبناني طوال سنوات أن يسأل: "متى تنتهي الأزمة؟". لكن السؤال الأعمق اليوم قد يكون مختلفاً تماماً.
إذا انتهت الحرب ، وعاد الهدوء، واستعادت البلاد شيئاً من استقرارها… فهل سيكون هذا الجيل قد انتظر طويلاً إلى درجة أنه لم يعد يعرف ماذا يفعل بحلمه عندما تأتيه أخيراً فرصة تحقيقه؟
نبض