التاريخ وبناء الهوية الوطنية والذاكرة الجماعية في قلب المناهج الجديدة

منبر 11-08-2026 | 09:09

التاريخ وبناء الهوية الوطنية والذاكرة الجماعية في قلب المناهج الجديدة

تعرف على تطوير مناهج التاريخ والدراسات الاجتماعية في لبنان وفق المرسوم 3445 لعام 2026، وكيفية تعزيز الهوية الوطنية والتفكير النقدي لدى الطلاب.
التاريخ وبناء الهوية الوطنية والذاكرة الجماعية في قلب المناهج الجديدة
التعليم في لبنان (صورة تعبيرية مولّدة بالذكاء الاصطناعي).
Smaller Bigger

الدكتور حسام سبع محي الدين.


بعد صدور الإطار الوطني عام 2022، وقف المجتمع اللبناني بانتظار ورشة التطوير، وما سيصدر عنها. وعلى الرغم من مصاعب الوضع اللبناني، والحروب التي ضربت مسيرة دولة ووطن، وأثّرت بعمق في مواطنيه، أخرج المركز التربوي للبحوث والانماء، وبالتنسيق الكامل مع وزارة التربية والتعليم العالي، ومن خلال فريق ضخم من الخبراء، مصفوفة المدى والتتابع لمناهج التعليم ما قبل الجامعي. فكان المرسوم 3445 الصادر في  15 تموز 2026، إنجازًا مؤكدًا، وسبقًا تربويًا طال انتظاره.

 

واستنادًا الى المرسوم والسلم التعليمي الجديد،  تمّ التقسيم لحلقات منطقية أكثر، مواكبةً لخبرات التحديث، وتم توزيع رياض الأطفال على مرحلة الطفولة المبكرة (روضة أولى وثانية)، تليها مرحلة تمهيدية (روضة ثالثة والأساسي الأول). وانقسم التعليم الأساسي الى أربع حلقات: (الصفين 2 و3)، (الصفين 4 و5)، (الصفين 6 و7)، (الصفين 8 و9). فيما انقسم الى التعليم الثانوي الى الصف العاشر (جذع مشترك)، ثم الصفين 11 و12. وتم ّ ترشيق وتنويع المسارات التعليمية للميادين والحقول المعرفية، لتظهر وفق المصفوفة الجديدة اختصاصات جديدة، مثل التكنولوجيا والفنون، إضافة الى التخصصات العلمية والأدبية المتعارف عليها، مع تثقيل مختلف للحقول المعرفية بداخلها حسب الاختصاص.

 

 

ويُظهر السلم التعليمي أن الدراسات الاجتماعية لا تُعامل بوصفها مادة معرفية فحسب، بل بوصفها أحد الميادين الأساسية في بناء شخصية المتعلم وإعداده للحياة المدنية والمهني، وهي تربط الحقول الاجتماعية والإنسانية (التاريخ، الجغرافيا، الاجتماع، الاقتصاد، الفلسفة) بشكل متكامل معرفيًا ومهاراتياً منذ الصفوف الأولى. وصياغة ميدان الدراسات الاجتماعية، يرتبط مباشرة بالرؤية التربوية المعاصرة التي تجعل المتعلم الواعي، الباحث، المفكر، الاجتماعي، في محور العملية التعليمية منذ نعومة أظفاره.

 

وإذا كان السؤال أين مادة التاريخ التقليدية القديمة في هذا التوزيع الجديد؟ 

فالإجابة البديهية، في قلب المناهج الجديدة، ولا تغيب عنها، بل تكتسب الأهمية القصوى بناءً لتوزيع مصفوفة المدى والتتابع. وهذا التشبيك لمرحلة محددة، مع الدراسات الاجتماعية التي يرتبط بها أساسًا، يقدّم حقل التاريخ المعرفي والمهاراتي بهذه الحال بأسلوب ينمّي فهم الماضي ضمن الأطر الاجتماعية والاقتصادية، ويربط تحولات التاريخ بالمكان، وبذهنيات الشعوب، وهو ما لم يكن معمولاً به وفق المنهج القديم. هذا التشبيك، وحسب العمر العقلي للمتعلم، يقود إلى فهم أعمق للطبيعة الإنسانية والعالم المعاصر. وهذا الحضور منذ الأساسي الأول، والذي كان غائبًا سابقًا، تطوير مهم، ونقلة نوعية في تدريس التاريخ، والمواد الاجتماعية ككل، التي تنطلق من جذعها العلمي البديهي المشترك، لتأخذ مسارها المستقل تباعًا بدءًا من الأساسي السابع وصعودًا.

 

حقل التاريخ، لم يُلغى، ولم تنقص ساعات تدريسه. فكيف ذلك؟

بالنسبة لعدد ساعات تعليم التاريخ حاليًا وواقعيًا، تُعطى مادة التاريخ بدءًا من الصف السابع وحتى الثانوي الثاني، بمعدل ساعة أسبوعيًا، أي ما مجموعه 5 ساعات أسبوعيًا. فيما تعطى ساعة واحدة لكل فرع من الثانوي الثالث. مع الأخذ بعين الاعتبار أن مادة التاريخ ما زالت هي هي منذ الستينات (1968)، بكل أخطائها وعثراتها.

 

وفق التطوير عبر مصفوفة المدى والتتابع، تظهر مادة الاجتماعية منذ مرحلة الطفولة المبكرة، وفي قلبها حقل التاريخ ضمن ميدان الدراسات الاجتماعية: وتعطى الدراسات الاجتماعية بمحاور متعددة، موزعة على الهوية، الوطن، الزمان، المكان، التنمية المستدامة، التحولات، التراث وغيرها، وتغطي من الأساسي الأول وحتى الصف التاسع ما مجموعه: 18 فترة تعليمية في الأسبوع (الفترة 65 دقيقة)، وتضاف اليها فترتان في الصف العاشر (جذع مشترك)

 

وفي الصفين الحادي عشر والثاني عشر، تنفصل مادة التاريخ عن باقي المواد، لتأخذ مساحة 9 فترات تعليمية في الأسبوع للتخصصي، وتبقى في الالزامي لباقي الفروع بما يعادل فترة واحدة أسبوعياً. أي أن الوقت التعليمي المخصص للتاريخ في صفين فقط، يقارب الضعف تقريبا لكل الوقت الذي كان مخصصًا للتاريخ وفق مناهج 1997. 

 

وإذا كان السؤال لماذا تم جمع التاريخ مع الدراسات الاجتماعية في الصفوف الدنيا؟ 

فالإجابة البديهية، والمرتبطة بالعمر العقلي للمتعلم، تؤكد أن الطريقة الجديدة، بتوزيعها على محاور متوافقة مع البعد الحديث للمواطنية، تسهم في بناء الشخصية المتكاملة ذهنيًا ووجدانيًا واجتماعيًا، وتنمية الفكر النقدي والقدرة على التواصل واحترام الآخر، وهو ما يمنح الدراسات الاجتماعية دورًا محوريًا في بناء الإنسان المواطن وتعزيز هويته بشكل واعٍ. ويبقى للتاريخ محوريته في مصفوفة الدراسات الاجتماعية، حيث يفرض حضوره، في الزمان والمكان والوطن والهوية، ويستجيب لبناء الذاكرة الجماعية، الى جانب حقل التربية على المواطنة التي تمارس بُعدَها ودورها أيضًا في ذلك لتكوين الهوية، والذاكرة، وبناء الوعي المدني والحضاري. 
سابقًا، ونظريًا، كان التعاطي التسويقي مع التاريخ، في الظاهر، يتم على قاعدة بناء الهوية، غير أن الهشاشة المعرفية، وغياب الكفايات التعليمية، وأدلجة السردية الواحدة في المنهج، حولته الى مادة تعليمية تستهدف الحفظ والتذكر، وهي أدنى مهارة في هرم بلوم التربوي. وتمّ تغييب مهارات التفكير العليا، لصالح التسميع وقراءة الرواية الواحدة عن تاريخ. وفي كثير من الأحيان كانت تمرّ صفحات كتابه ولا تمر فيها لفظة لبنان إلا بخجل. 

 

ووفق المرسوم 3445، يحضُر التاريخ في الدراسات الاجتماعية، فيخرج من عباءة السرد، وينتقل من تقديم تاريخ الملوك والحروب، الى الحديث عن تاريخ الناس كل الناس. فلا تهميش لأي بعد تاريخي، وكل حدث يظهر للمتعلم من زوايا متعددة، مشفوعة بمهارات التفكير الناقد، ومدعومة بتحفيز المتعلم على البحث والتقصي كمؤرخ صغير يبحث ليجدد ذاكرته، ويمتّن هويته.

 

ويأخذ المنهج تفكّر المتعلم الى الزمن والفروقات بين الأجيال، وإلى تطور الحياة اليومية، وتغيّر شكل العملة، ومتغيرات المكان والعمران والديمغرافيا؛ ويلفته بدهشة مفهوم الزمن، فيشاهد الساعة الشمسية وساعة الرمل، ويتعرف على التطور التكنولوجي. ويكتشف تحقيب التاريخ وأحداثه، ويقارن بين الشرق والغرب، ويتعرف الى التقويم الشمسي كما يتعرف الى التقويم القمري، وانعكاس ذلك على المجتمعات ككل. كل ذلك في السنوات المبكرة للتعليم، حيث كان التاريخ غائبًا في مناهج 1997. وفي الصفوف الثانوية، يأخذ التاريخ مساحته في التخصصي، وينطلق المنهج من تاريخ لبنان في السياقين العربي والدولي. ويتم التركيز على المشترك التاريخي في المحاور المطروحة كمداخل للتحليل التاريخي، وذلك بغية بناء الهوية الوطنية، وتأطير الذاكرة الجماعية في سردية وطنية مشتركة لا جدال فيها.

 

وحتى في الصفوف الثانوية التي يختار متعلموها المسارات العلمية، لا مناص في العبود عبر التاريخ كمادة الزامية، تلتزم بذات المناخ التربوي، وإن كانت مخففة. فتحترم المصفوفة الزامية التاريخ، وتتعاطى معها بجدية منذ مرحلة الطفولة المبكرة، وتربطها بميادين الحياة الاجتماعية المختلفة، وبذلك تكون قد نقلت مادة التاريخ، وضرورة إخراجها من عزلتها وإعطائها حقها، عبر ربطها العلمي والتربوي بشكل تكاملي مع الحقول المعرفية الأخرى.

 

ليس هذا فحسب، بل تتوسع مادة التاريخ لتعطي مساحة للبعد الرقمي في الهوية، وهو أمر بات واقعًا في أنحاء العالم. ولكنها تقدم الانسانيات الرقمية في قالب ينظر بوعي الى المستجدات العلمية، ويستوعبها وفق معايير احترام الخصوصية وبناء الوعي، والحفاظ على السردية الوطنية مقابل طوفان المعلومات ولاسيما التاريخية التي تزخر بها المنصات الرقمية.

 

من ناحية ثانية، لا يقع عبْ بناء الهوية والمواطنية على التاريخ وحده. بل تُشكّل التربية على المواطنية في المناهج التعليمية ما قبل الجامعية ركيزةً أساسيةً في بناء الشخصية الوطنية وصوغ الهوية الوطنية الجامعة.

 

فهي لا تُقدَّم بوصفها مادة دراسية فحسب، بل كميدان تربوي متكامل، وحقل معرفي منظم، وكفاية مستعرضة تتقاطع مع مختلف مجالات التعلم والخبرات الحياتية. ويتيح هذا التصور الانتقال من تلقين المعارف المرتبطة بالمواطنيّة إلى تنمية قدرات المتعلّم على ممارسة قيمها وسلوكياتها في الواقع. كما تُسهم التربية على المواطنية في ترسيخ الانتماء الواعي إلى الوطن، وتعميق الاعتزاز بهويته الجغرافية والتاريخية والثقافية والاجتماعية، مع الانفتاح المسؤول على المحيطين العربي والعالمي. فالتربية على المواطنيّة في بعدها الوطنيّ تهدف إلى غرس مشاعر الانتماء للوطن والاعتزاز بالهويّة الوطنيّة والامتداد العربيّ، ممّا يحصّن المتعلّم في مواجهة مخاطر التحوّلات الرقميّة المتسارعة على تكوين دوائر انتماءاته الخاصّة. فتنمّي وعي الانخراط في العالم الافتراضيّ لدى المتعلّمين وقدراتهم على التفاعل مع الفضاء الرقميّ والإسهام فيه بمسؤوليّة ووعي. كلّ هذا يستتبع تعزيز الاقتدار الوطنيّ وصونه لدى المتعلّم فيساهم في تطوير قدرات الدولة والدفاع عن الوطن بكلّ الأساليب المتاحة في وجه كلّ أشكال الاعتداء على السيادة الوطنيّة من أيّ جهة أتى.  

 

 كما أن بناء الهوية الوطنية يتم بصورة تراكمية عبر مسار تعليمي متدرج، يبدأ بتكوين الوعي بالانتماء، ويتطور نحو المشاركة المدنية، وخدمة المجتمع، والدفاع عن السيادة، وصون الوحدة الوطنية، واحترام التنوع، والمساهمة في الخير العام. وبهذا المعنى، تغدو التربية على المواطنية إطارًا ناظمًا يوجّه مختلف الممارسات التعليمية والأنشطة الصفية واللاصفية، ويجعل من الهوية الوطنية مفهومًا محوريّا يتجسد في المعرفة والقيم والاتجاهات والأداء الحياتيّ الشخصيّ والاجتماعيّ والسياسيّ. ومن ثمّ، فإن اعتمادها ميدانًا وحقلًا معرفيًا وكفايةً مستعرضة يعزز تكامل المناهج ويضمن إعداد متعلمٍ مسؤول، معتزٍّ بانتمائه، قادرٍ على الإسهام الفاعل في بناء وطنه وترسيخ قيم المواطنية والديمقراطية والعيش معًا، بما ينسجم مع الرؤية التي يتبناها الإطار الوطنيّ اللبنانيّ لمناهج التعليم العام في مختلف مراحل التعليم ما قبل الجامعيّ.

 

هل تغاضت مصفوفة التاريخ عن بعض القضايا التاريخية بحجة الخلافية؟

حول بعض النقاط التاريخية، والتي هي محور رؤى مختلفة كبعض قضايا الحرب المختلفة، وتداعيات التدخلات الدولية، والعلاقات اللبنانية السورية، وبعض قضايا محدودة في التاريخ الوسيط، والتي خاف منها المنهج السابق بحجة الخلافية، فانحسر عنها الى خمسينات القرن العشرين، كان التفكير الناقد حلًا في محور المنهج الجديد. وأتى الطرح التاريخي العلمي لينسجم مع طرح سرديات مختلفة لهذه النقاط، ومناقشتها في محاولة علمية لكشف المشترك التاريخي فيها، تمهيدًا لاستكمال الذاكرة الجماعية، وبناء هوية تحترم التنوع والآخر. بهذه الحالة علميًا، ومع بناء هذه الذاكرة الجمعية التي تقبل رواية الاخر وتناقشها، تتجوهر الهوية الوطنية حول المشترك التاريخي. وتكفي الإشارة أن المشترك التاريخي في مضامين المنهج المطور يتجاوز ٩٠٪ من المحتوى، وتتبلور حوله سردية وطنية واحدة. 

 

إن التطوير الجديد يكشف عن تحول نوعي في فلسفة المنهج، وعن تطوير آخر في حقل التاريخ؛ إذ لم يعد التاريخ مجرد سجل للأحداث، بل أصبح جزءًا من مشروع تربوي يهدف إلى بناء الإنسان المواطن، وتنمية الوعي التاريخي والهوية الوطنية، وتعزيز التفكير النقدي وفهم المجتمع والعالم. وبدل الاستمرار على السردية التقليدية، والإصرار على بناء متعلم يحفظ رواية مقفلة، خارجة عن الزمن، وبعيدة عن المجتمع، يفتح المنهج الجديد الباب أمام متعلم، وطني أولاً، وباحث ومتقصي، وناقد، وإنساني، ومواكب للثورة الرقمية بوعي وعلم. 

 

ومن هنا، فإن المرسوم 3445، يقدم التاريخ في قالب جديد، وثوب معاصر، بعدد أكبر من فترات التدريس، وبشكل موائم للمستجدات على مستوى العالم، ومحفز للتفكير كما يقول المؤرخون والتربويون: "إن تعليم التاريخ لا يتعلق بحفظ الماضي، بل بفهم كيفية إنتاج المعرفة عنه." فكيف إذا كان مرتبطًا بعمق ببناء الهوية الوطنية، وتمتين الذاكرة الجماعية وتكثيف المشترك التاريخي فيها، بشكل واعٍ، ومتكامل مع البعد الإنساني للمواطنية. ألا يكون التاريخ بمفهومه الجديد حقلاً خصبًا واعدًا في قلب المناهج!

 

بروفسور في الجامعة اللبنانية قسم التاريخ، 
وخبير مناهج مع المركز التربوي للبحوث الانماء

 

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 8/3/2026 6:35:00 PM
علقت العائلة يافطات في العاصمة عمان تعلن فيها براءتها منه والمطالبة بإعدامه.
شمال إفريقيا 8/10/2026 7:38:00 AM
جريمة قتل مزودجة بين سيارة وشقة سكنية تودي بحياة أسرة من 4 أفراد في مصر!
كشف تقرير لـ"نيوزويك" أن هاني حنجور، قائد الطائرة التي استهدفت البنتاغون في هجمات 11 أيلول، أجرى رحلات عدة في أجواء واشنطن قبل الهجوم للتعرف إلى المجال الجوي للمنطقة.