حين يُقتل الحجر مرّتين مرّةً بالقصف… ومرّةً بالنسيان
جان مارك زغيب
يقف العمود الحجريّ في صور كأنّه بقيّة شاهدٍ أرهقته الشهادة، ولم يعفه التاريخ من الوقوف.
تآكلت على جسده القرون، وتعاقبت عند قدميه ممالك ظنّت، في غمرة سطوتها، أنّها أبدية، ثم انطفأت أسماؤها ولم يبق من صليل جيوشها سوى سطرٍ بارد في كتاب. مرّت به أشرعة مثقلة بالتجارة والأساطير، وعبرت من أمامه لغات وأديان ووجوه، وعاد البحّارة إلى مرافئهم أو ابتلعهم البحر، وبقي هو؛ مبلّلاً بملح المتوسّط، مستنداً إلى ذاكرة الأرض، يحمل في شقوقه وقع أقدام الذين مضوا، كأنّ مهمّته لم تكن أن يهزم الزمن، بل أن يحفظ للغائبين دليلاً على أنّهم عاشوا هنا.
رأى المدينة تكبر، ورأى أجيالاً تتناسل في ظلّ أقواسها، وأمّهاتٍ ينتظرن عند الشاطئ، وأطفالاً يركضون فوق ترابٍ لم يكونوا يعلمون أنّه يختزن تحتهم طبقاتٍ من الحضارة. رأى الإنسان يجيء إلى الحياة، يملأ المكان بصوته، ثم يغادره، تاركاً وراءه ما هو أبقى من الجسد: الأثر.
ثمّ جاء الانفجار.
في لحظةٍ واحدة، ارتجفت الأرض التي احتملت وطأة آلاف السنين، وتصاعد الدخان فوق مدينةٍ أُنهكت من كونها، في آنٍ واحد، ملاذاً للأحياء ومستودعاً للموتى. تناثر الزجاج، اختنق الأفق بالغبار، ووصل رجف الصاروخ إلى حجارةٍ حسبت، بعد كلّ ما شهدته من غزواتٍ وزلازل وانهيارات، أنّ التاريخ قد استنفد في حقّها جميع طرائق الفناء.
لكنّ الحرب لا تكفّ عن ابتكار الموت.
إنّها لا تكتفي بأن تقتل الإنسان؛ تريد أن تقتل المكان الذي يثبت أنّه عاش. لا تكتفي بإسكات الصوت؛ تهدم الجدار الذي احتفظ بصداه. لا تكتفي بتمزيق الجسد؛ تسعى إلى محو ما تركه الجسد فوق الأرض، كأنّ غايتها القصوى ليست إنهاء الحاضر فحسب، بل مصادرة الماضي أيضاً، وحرمان المستقبل أيّ شاهدٍ يقول له: هنا كان بشر، وهنا كانت حياة.
حين يُقصف منزل، لا تنهار كتل من الإسمنت والحجر وحدها. تسقط نافذة كانت أمّ تعدّ عندها خطوات ابنها العائد، وعتبة حفظت نعال أجيالٍ كاملة، وجدار خُطّ عليه طول الأطفال سنةً بعد سنة، ومسمار ظلّت تتدلّى منه صورة غائبٍ لم يجرؤ أحد على إنزالها. تسقط رائحة الخبز التي كانت تتسلّل من المطبخ، وظلّ الكرمة فوق الشرفة، وارتعاشة المفتاح في يد الأب حين يعود ليلاً، مطمئناً إلى أنّ بيتاً ما زال يعرفه وينتظره.
وحين يُقصف موقع أثريّ، لا يتشظّى حجر أصمّ، بل يتصدّع البرهان المادّي على استمرارية شعب. يتقطّع الخيط الذي يصل حاضرنا بماضٍ أعمق من خرائط السياسة وأطول عمراً من الحروب. فالموقع الأثريّ ليس ركاماً نجا مصادفة، بل ذاكرة تحجّرت كي لا يبدّدها النسيان، ورسالة كتبها الموتى بلغةٍ لا تحتاج إلى ترجمة:
لقد كنّا هنا.
وصور ليست مجموعة أعمدةٍ يتأمّلها السيّاح ثم يمضون.
صور مدينة ما زال البحر يتهجّى اسمها. منها خرجت السفن تحمل التجارة والحرف والحكاية إلى شواطئ بعيدة، وفي حجارتها ترسّبت سِيَرُ أممٍ تعاقبت عليها من دون أن تنجح في انتزاع روحها. ليست آثارها بقايا زمنٍ منقطعٍ عنّا، بل طبقات حيّة من هويّتنا الراهنة؛ فالمدينة التي لا تعرف ما تحت قدميها تمشي، وإن بدت ثابتةً، فوق هوّة.
لذلك، حين يقترب الدخان من أعمدة صور، لا يكون الخطر محصوراً في احتمال سقوط حجارةٍ قديمة. إنّ المهدّد هو قدرة لبنان على أن يروي نفسه، وأن يثبت أنّه لم يولد من رحم أزماته الحديثة، وأنّ تاريخه ليس مجرّد تعاقبٍ للعنف والانهيار، بل حضارة أقدم من جلّاديها، وذاكرة أوسع من ساحات حروبهم.
أيّ فجيعةٍ أفدح من أن تنجو مدينة من العصور كلّها، ثم تستباح في لحظة؟
وأيّ مفارقةٍ أشدّ مرارةً من أن تصمد الحجارة أمام بطش الزمن، ثم تعجز أمام آلةٍ لا تعرف ماذا تهدم، ولا يعنيها أن تعرف؟
غير أنّ التراث المهدّد في جنوب لبنان لا ينحصر في المواقع المدرجة على اللوائح الدولية، ولا في القلاع والمعابد والأقواس التي تحملها كتب التاريخ. فالتراث أوسع من التصنيف، وأشدّ حميميةً من أن تختزله القرارات والخرائط.
إنّه البيت الحجريّ الذي انحنت شرفته قليلاً من فرط ما اتّكأ عليها أهله. إنّه درج الكنيسة الذي صعدته أقدام العرائس، ونزلت عليه نعوش الراحلين. إنّه باب المسجد العتيق، والسوق القديمة التي تداخلت فيها أصوات الباعة برائحة الزعتر والتبغ والقهوة، ومقبرة القرية التي ظلّت تحفظ أسماء العائلات حين عجزت دفاتر الدولة عن حفظ أبنائها.
إنّه شجرة الزيتون التي كانت أقدم من النزاع، وشجرة التين التي كان الجدّ يقيس بها مرور الصيف، وبئر الماء التي عرفت وجوه النساء المنحنية فوقها، والحاكورة التي كانت حدودها أوضح في الذاكرة من أيّ رسمٍ عقاريّ.
إنّه حجرٌ غير مصنّف، لم تضع عليه المؤسّسات شارةً تحميه، لكنّ طفلاً جلس فوقه يوماً، ثم عاد شيخاً يتحسّسه بيده كأنّه يستردّ، من برودته، دفء عمرٍ مضى.
هذه الأشياء لا تدخل بسهولة في جداول الخسائر.
لا يستطيع تقرير هندسيّ أن يقيس الفقد الذي يصيب عائلةً حين يصبح بيتها قائماً في الصور القديمة وحدها. ولا تستطيع لجنة أن تحصي عدد الذكريات التي دفنت تحت سقفٍ منهار. فالأضرار التي تلحق بالأوطان ليست كلّها مرئيّة؛ ثمة تصدّعات لا تظهر في الجدران، بل تمتدّ في وعي الناس، وفي علاقتهم بالمكان، وفي قدرتهم على الشعور بأنّهم ما زالوا ينتمون إلى الأرض التي يحملون اسمها.
كيف يمكن لتقريرٍ أن يقيس خسارة نافذةٍ كانت أمّ تلوّح منها؟
وبأيّ وحدةٍ تقاس رائحة الخبز التي كانت تخرج من بيتٍ لم يعد موجوداً؟
ومن يعيد إلى الدرج أصوات الذين صعدوه، أو إلى الساحة ظلال الذين جلسوا فيها، أو إلى الباب ارتجافة اليد التي فتحته آلاف المرّات؟
ثمة أشياء، حين تموت، لا تترك جثماناً واضحاً كي نبكيه.
أقسى ما يمكن أن يواجهه النازح ليس ألّا يعود، بل أن يعود فلا يجد ما يعود إليه.
أن يقترب من قريته فلا يعرفها. أن تخبره الخريطة أنّه بلغ منزله، فيما يعجز قلبه عن التعرّف إلى أيّ علامة. أن يبحث عن الشجرة التي كان يراها من آخر الطريق فلا يجدها، وعن النافذة التي كانت أمّه تلوّح منها فلا يبقى منها سوى حفرةٍ مفتوحةٍ على السماء.
أن يقف فوق النقطة الجغرافية ذاتها، ولا يشعر أنّه وصل.
هنا تبلغ الحرب تمام انتصارها: حين يعود الإنسان إلى أرضه غريباً عنها، وحين تبقى أسماء القرى على اللافتات، بينما تُقتلع القرى من ذاكرة أهلها.
فالانتماء ليس علاقةً قانونيةً بين مواطنٍ وحدود. إنّه ألفة دقيقة بين المرء والأشياء الصغيرة: انعطافة الطريق، رائحة التراب بعد المطر، صوت الجرس عند المساء، الجدار الذي يتبدّل لونه عند الغروب، أسماء البيوت كما يتداولها أهل القرية لا كما تسجّلها الدوائر الرسمية.
وحين تمحى هذه العلامات، لا يفقد الإنسان ممتلكاته وحدها، بل يفقد الأبجدية التي كان يقرأ بها حياته.
لهذا يبدو السؤال الذي يُطرح بعد كلّ حرب سؤالاً زائفاً: لماذا نهتمّ بالحجر فيما الإنسان يموت؟
كأنّ الإنسان كائن معلّق في الفراغ، لا تسكنه الأمكنة ولا يسكنها. كأنّ ذاكرته تنمو بلا بيت، وهويته تتكوّن بلا قرية، وطفولته يمكن أن تُقتلع من أرضها ثم تبقى سليمة.
لا أحد يساوي بين دم طفلٍ وحائط، ولا يمكن لعمودٍ، مهما بلغت قيمته، أن يعادل حياةً بشريّةً واحدة. لكنّ حماية الإنسان لا تكتمل بإنقاذ جسده وحده؛ فالإنسان يحتاج، كي يظلّ إنساناً، إلى تاريخٍ ينتمي إليه، ومكانٍ يتعرّف فيه إلى نفسه، وذاكرةٍ تحميه من التحوّل إلى عابرٍ بلا جذور.
نحن لا نحمي الحجر لأنّه أغلى من الإنسان، بل لأنّ الإنسان أودع فيه ما هو أغلى من الحجر.
أودع فيه حنينه وخوفه وصلواته وأسماء موتاه وصور أحبّته وحكايته عن نفسه. وحين يحطَّم المكان، يُنتزع من الإنسان جزء لا يستطيع الإسمنت الجديد أن يعيده.
فالبيت ليس مساحةً هندسيةً تعاد بالحديد والباطون، والقرية ليست مجموعة مبانٍ يمكن استنساخها في أيّ موضع. الأمكنة الحقيقية تتكوّن من تراكمٍ غير مرئيّ: من العادات والروائح والأصوات، من خدوش الجدران، ومن الحكايات التي يرويها الكبار كلّما مرّوا بحجرٍ أو شجرةٍ أو ساحة.
وحين تختفي تلك العلامات، لا يخسر الناس مأواهم فقط؛ يخسرون اللغة السرّية التي كانت تربطهم بأنفسهم.
لكنّ مأساة الحجر لا تنتهي بانتهاء القصف.
ثمّة موت آخر أكثر هدوءاً، لا يخلّف دويّاً ولا يتصدّر الأخبار: موت النسيان.
قد تقتل الحرب البناء مرّةً، ثم تأتي إعادة الإعمار المتسرّعة فتقتله مرّةً ثانية. يُزال الركام من دون توثيق، وتجرف الأحجار القديمة باعتبارها نفايات، وتهدم البيوت المتصدّعة قبل أن يمرّ بها خبير، وتستبدل العقود الحجرية بواجهاتٍ زجاجية صمّاء، لا تعرف شيئاً عن روح القرية التي انتصبت فيها.
ليست كلّ إعادة إعمارٍ خلاصاً.
قد نبني أبنيةً أصلب ممّا كان، ونفتح طرقاً أوسع، ونرفع طبقاتٍ أكثر، ثم نكتشف أنّنا أنقذنا السكن وخسرنا المكان. قد تعود القرية إلى الخريطة، لكنّها لا تعود إلى قلوب أهلها. وقد يرجع الناس إلى بيوتٍ جديدة لا يعرفون كيف يفرحون أو يحزنون فيها، لأنّها لم تشهد شيئاً من حياتهم السابقة.
عندئذٍ، يكون الصاروخ قد هدم الحجر، ويكون الإهمال قد محا معناه.
ولبنان، الذي أتقن الوقوف فوق أنقاضه، لم يتعلّم دائماً كيف ينقذ ذاكرته من ورشة الإعمار.
كم من بيتٍ تاريخيّ نجا من القذائف، ثم سقط أمام حفّارة؟
وكم من سوقٍ قديمة لفظتها الحرب حيّة، ثم قتلها الاستثمار؟
وكم من معلمٍ تحوّل، في غفلةٍ من الدولة والمجتمع، إلى صورةٍ سوداء وبيضاء نتداولها بحنينٍ متأخّر، كأنّ الرثاء يعفينا من مسؤولية الحماية؟
لقد اعتدنا أن نصل متأخّرين إلى جنازات أمكنتنا.
نبكي البيت بعد هدمه، والشجرة بعد اقتلاعها، والسوق بعد احتراقها، والحيّ بعد أن يصبح موقفاً للسيارات أو برجاً بلا ذاكرة. نحسن كتابة المراثي، لكنّنا لا نحسن دائماً حماية ما لم يمت بعد.
نكتشف جمال الأمكنة حين تصبح مفقودة، ونمنحها قداسةً بعد أن نعجز عن إنقاذها، كأنّ الحنين بديل من المسؤولية، وكأنّ الصورة القديمة تستطيع أن تعوّض المكان الذي سمحنا له بالزوال.
نحن شعب يجيد إقامة جنازات الأمكنة.
لكنّ الوطن الذي يخسر شهوده يخسر شيئاً من قدرته على إثبات ذاته. فالأوطان لا تقوم على الجغرافيا وحدها، بل على الرواية التي تمنح الجغرافيا معناها. وحين تمحى الشواهد، يصبح الماضي عرضةً للتزوير، ويغدو المستقبل أكثر فقراً، لأنّ الأجيال الجديدة لن تجد ما تلمسه حين تسأل عمّن سبقها.
لهذا، لا يجوز أن تبدأ حماية تراث الجنوب بعد أن تصمت المدافع فقط. ينبغي أن تبدأ منذ الآن: بتوثيق كلّ بيتٍ قديم، وكلّ موقعٍ متضرّر، وكلّ تفصيلٍ معماريّ مهدّد بالزوال. بجمع الصور العائلية والخرائط القديمة وشهادات المسنّين، وتسجيل أسماء الأزقّة والحقول والينابيع، وحفظ الأبواب والحجارة والزخارف القابلة للترميم.
وينبغي أن تبدأ بإشراك علماء الآثار والمهندسين والجامعات وأهل القرى في كلّ مشروعٍ لإعادة البناء؛ لا باعتبار السكان متلقّين للمساعدات، بل بوصفهم حرّاس المعنى.
فأهل المكان يعرفون من الحجارة ما لا تعرفه المخطّطات.
يعرفون أيّ جدارٍ كان يسند ذاكرة عائلة، وأيّ نافذةٍ كانت تطلّ على عمرٍ كامل، وأيّ شجرةٍ لا يجوز اقتلاعها ولو أعاقت طريقاً جديدة. يعرفون أنّ بعض التفاصيل، وإن بدت صغيرةً في أعين الخبراء، هي التي تجعل القرية قريتهم، وتجعل العودة عودةً لا انتقالاً إلى مكانٍ مجهول.
كما أنّ حماية التراث لا يجوز أن تبقى عبارةً قانونية أنيقة، أو شارةً توضع على خريطة، أو بيانًا يصدره العالم بعد كلّ غارة. الحماية فعلٌ يمنع الاستهداف، ويوثّق الضرر، ويضمن المحاسبة، ويموّل الترميم، ويحول دون أن تتحوّل ذاكرة الشعوب إلى ضحيةٍ بلا شاهد.
أمّا الصحافة، فلا ينبغي أن تكتفي بالقول إنّ مبنىً تاريخياً قد تضرّر. عليها أن تسأل: ماذا كان هذا المبنى؟ من مرّ فيه؟ ماذا يعني سقوطه؟ وأيّ جزءٍ من الحكاية الوطنية انطفأ تحت أنقاضه؟
فالخبر يحصي الحجارة، أمّا الكتابة فتستعيد أرواحها.
وما زال العمود في صور واقفاً.
يقف، ربّما، لأنّ السقوط لم يحن بعد، أو لأنّ الحجارة القديمة تعلّمت كيف تؤجّل موتها. يقف مغطّىً بالغبار، تتسرّب إلى شقوقه رجفات الانفجارات، ولا يملك سوى صمته ليقاوم به.
لكنّ صمته ليس فراغاً.
إنّه مزدحم بأصوات الذين مرّوا من هنا، وبأسماء الذين بنوا ثم رحلوا، وبحكايات مدنٍ ظنّ الغزاة أنّهم محوها، فإذا بها تبقى في حجر. يشهد أنّ لبنان لم يبدأ مع أزماته، وأنّه أقدم من حروبه، وأنّ هذه الأرض لم تكن يوماً صفحةً بيضاء يكتب عليها الأقوياء ما يشاؤون.
يشهد أنّ شعباً عاش هنا، وبنى، وأحبّ، وصلّى، ودفن موتاه، وسمّى الطرق والبيوت والأشجار، ثم أورث أبناءه هذه الأسماء كي لا تبدأ حياتهم من العدم.
غير أنّ الشاهد، مهما طال صموده، لا يستطيع أن يحمي نفسه.
علينا أن نحميه قبل أن يصبح صورةً في كتاب، وقبل أن يستحيل مادةً لقصيدة رثاءٍ متأخرة. أن نرمّم ما تصدّع من دون أن نمحو أثر الزمن عنه، وأن نعيد بناء القرى من دون أن نقتلع أرواحها، وأن نحفظ للناس حقّهم في العودة إلى أماكن يعرفونها، لا إلى مساحاتٍ جديدة تحمل أسماءً قديمة.
فالوطن ليس الأرض وحدها، بل الذاكرة التي تجعل الأرض وطناً.
وليس التراث ما خلّفه الذين ماتوا فحسب، بل ما يقرّر الأحياء ألّا يتركوه يموت.
وحين يُقتل الحجر، لا يسقط الماضي وحده؛ يضيق المستقبل أيضاً. يفقد الأبناء مكاناً يسألون فيه عن أجدادهم، ويفقد الوطن دليلاً على أنّه كان هنا قبل الحرب، وأنّه سيبقى بعدها.
إنّ إنقاذ ذاكرة لبنان ليس ترفاً ثقافياً، ولا حنيناً مترفاً إلى حجارةٍ باردة، بل دفاع عن حقّ شعبٍ في ألّا يمحى مرّتين: مرّةً حين تستباح حياته، ومرّةً حين تمحى الآثار التي تقول إنّه عاش.
فالحرب لا تنتصر فقط حين تقتل الإنسان، بل حين لا تترك بعده حجراً يشهد له.
ولا تقاس خسارة الأوطان بعدد البيوت التي تهدّمت، بل بعدد الحكايات التي لم يعد لها جدار تستند إليه، ولا نافذة تطلّ منها، ولا حجر يبقى واقفاً ليقول، في وجه النسيان:
هنا كان وطن.
فحين تسقط آخر الحجارة التي تحفظ أسماءنا، لا يبقى من الوطن سوى صدىً يتيم يبحث في الركام عمّن يناديه.
نبض