لبنان ليس ساحة للإيجار
ريمي الحويّك
بين الفينة والأُخرى، تطلّ علينا تصريحات قادمة من دوائر صناعة القرار في واشنطن، بلغةٍ تهويليّة تعيد تذكيرنا بأنّ لبنان ليس أكثر من ورقة في ملفّات كبرى.
أخيراً، عاد الحديث عن تهديدات "ترامبية " بإقحام سوريا في معركة نزع سلاح "حزب الله"، وكأنّ الجغرافيا اللبنانية مجرّد رقعة شطرنج خالية من السكان أو التاريخ، وكأنّ البلاد لم تكتوِ بنار أنظمة بائدة، لتجد نفسها اليوم تحت رحمة أنظمة أُخرى.
من قال لهم إننا نريد مواجهة؟
من فوّض الى هؤلاء الحديث باسمنا؟
من أين استقوا القناعة بأن اللبنانيين، الذين يلملمون أشلاء معيشتهم ومؤسساتهم، ينتظرون مواجهة أُخرى مع سوريا أو غيرها؟
لقد شبع لبنان من الحروب بالوكالة، وأنهكه التخندق خلف شعارات لا تُسمن ولا تُغني من جوع.
إنّ استجرار صراع جديد، أو محاولة زجّ الجار السوري في معركة أمنيّة معقّدة، ليسا سوى وصفة إضافيّة لتسريع الإنهيار الشامل.
اللبنانيون اليوم لا يطالبون بنزع سلاح بالقوّة عبر البنادق أو الغارات، بل يطالبون باستعادة دولتهم التي اختطفت، وبناء سلم أهلي يحمي ما تبقى من الهويّة اللُّبنانيّة التي تآكلت تحت وطأة الأزمات.
إذا كانت القوى العُظمى، بحلفائها ومشاريعها وقوّتها، عاجزة عن فرض معادلاتها على الأرض اللُّبنانيّة، فهل يُعقل أن تُلقي الكرة في ملعب أطراف مثل الشرع أو غيره لتنجز ما عجزت هذه القوى عنه؟
كيف يُنتظر ممّن هو غارق في أزماته الخاصّة، ومرتبط بتركيبة معقّدة من التوتّرات السورية والإقليميّة، أن يكون طرفاً فاعلاً في حلّ أزمة لبنان؟
إنّ إقحام عناصر سورية في معادلة لبنان الداخلية لا يُنتج سوى مزيد من التشابك والتعقيد، بحيث تُنقل عدوى الإنقسامات السورية إلى الداخل اللُّبناني، مما يزيد الطين بلّة.
إنّ البحث عن حلول أمنيّة عبر وكلاء، في ظلّ غياب رؤية وطنيّة جامعة، لا يؤدّي إلّا إلى تعميق الإنقسام الداخلي وتحويل البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات التي لا تُنهي أزمة، بل تُرحّلها إلى جولةٍ أخرى من الدّماء والدّمار.
فالخروج من عُنق الزجاجة لا يمرّ عبر بوابات السفارات أو تهديدات عواصم القرار. لبنان بحاجة إلى قرار سيادي نابع من إرادة أبنائه الذين يرفضون تحويل وطنهم إلى وقود لمواجهات إقليمية. آن الأوان لنقول بوضوح إنّنا لسنا في حاجة الى مواجهات جديدة، ولسنا بصدد توكيل أدوات غير لبنانيّة لتنفيذ أجندات خارجيّة لا تُهمّها حياة اللُّبنانيين بقدر ما تهمّها موازين القوى.
إنّ ما تبقّى من لبنان يستحقّ أن يُصان لا أن يُستباح، وأن يُبنى لا أن يُهدم فوق رؤوس ساكنيه.
من زمن قصير، حملنا في صدورنا ذاكرة لن تنكسر، تنبض بحلم الدولة التي تُشبهنا، حين سجدنا للأرض نقبّلها شكراً وتحرّراً من هيمنة النظام السوري السابق، واثقين بأننا طوينا صفحة الوصاية إلى غير رجعة.
واليوم، لا يختلف طموحنا، فنحن لا ننتظر خلاصاً يأتينا في حقائب الديبلوماسية، ولا رهاناتٍ معقودة على عواصم تقتات على أزماتنا.
إنّ تطلّعنا الى التحرّر من هيمنة ولاية من هنا ونظام من هناك ليس مجرّد رفض سياسي، بل هو صرخة وجوديّة لأولاد حرية يأبون أن يكونوا رعايا في مشروع عابر للحدود.
إنّنا، بكلّ ما أوتينا من عزيمة، سنبقى على العهد، سنسجد للأرض ذاتها نقبّلها فخراً يوم ننتزع قرارنا من بين مخالب الوصاية والإحتلال، لنعيد الى لبنان وجهه الذي لا يعرف سيّداً إلّا الحقّ، ولا وصيّاً إلّا الدستور.
نحن أبناء حريّة، والحريّة لا تُمنح، بل تُنتزع بصوت واحد وقرار حرّ يأبى الضَّيْم.
إنّ لبنان الذي نحلم به لا يُشترى ولا يُباع، بل يُفتدى بالوعي والقرار السيادي.
نحن أبناء هذه الأرض، ونحن وحدنا من يملك حقّ تقرير مصيرها، ليبقى لبنان وجهة للحريّة، لا ساحة للآخرين، كائناً من كان.
إنّ لبنان الذي نسكنه ويسكننا لا يُشترى بسلطة الأيام ولا يباع في مزادات المساومة، بل يروى بيقين الإنتماء وعنفوان البقاء، ليبقى واحةً للروح لا ممرّاً لرياح العابرين.
لترامب نقول، من عمق الوجدان الإنسانيّ وذاكرة الجبال، زاركم في الأمس القريب من يُمثّل كبرياء هذا الشّعب برأسٍ مرفوع لا يطأطئه إلا جبين السّماء، بمواقف تنبض بالسيادة لا بمنطق التجارة، وبقلب أرزةٍ تعانق الشموخ!
أرأيتم تلك القامة التي لا تُساوم؟
هكذا هو لبناننا، أينما حلّ يظلّ شاهقاً شامخاً يأبى الرضوخ.
ما نبتغيه منكم ليس سوى أن تبصروا جوهره المضيء في ملامح شربل، وتسمعوا نبض روحه العميقة في صوت فيروز.
ولترامب نقول، إنّ مؤسّس كيان لبنان الكبير قد ارتقى إلى مدارج الطوباوية المقدّسة، فأصبح شاهداً جديداً على قداسة الرسالة التي يحملها هذا الوطن. وإن كنت لا تعبأ بالشؤون الروحية، فاقرأ جيّداً سفر التاريخ، فبعد أكثر من مئة عام، لم يطوِ الزمن صفحة مؤسّس لبنان الكبير، بل فتحها على الأبدية، ليرتفع اسمه إلى مصافّ الطوباويين ودرب القديسين.
هكذا هو لبنان، قدّيسوه لا يرحلون، بل يزداد حضورهم في وجدان الوطن، يحرسون رسالته جيلاً بعد جيل. أمّا الممالك، والإمبراطوريات، والأنظمة، والطغاة، فيولدون ثم يمضون، ويبتلعهم غبار الزمن، وتطويهم صفحات التاريخ.
وكلّ من ظنّ أنّه قادرٌ على إخضاع هذا الوطن، مهما عتا وتجبّر، كان مآله الزوال، فيما بقي لبنان كبيراً، ثابتاً كالطَّود، راسخاً كالصخر، لأنّ الذي يحرسه ليس السيف، ولا سطوة الجبابرة، بل القداسة، ورسالة أودعها الله في هذه الأرض، فلا تموت.
ولترامب نقول، إجعل أنت أميركا عظيمة مجدّداً، ودعنا نصون عظمة لبنان التي ولدت مع أزل التاريخ وستبقى إلى الأبد منارةً للحرية والكرامة والسيادة.
وله نقول، على ثرى لبنان خطى الحبر الأعظم، خليفة القديس بطرس ورأس الكنيسة الجامعة، وحين لامست ركبتاه أرضه ساجداً، أعلن للعالم أنّ هذا الكيان أبعد من مجرّد جغرافيا، إنه شريان مقدّس في جسد الأبدية، تتداعى أمامه عروش الطغاة وتبقى قامته سامقة، يرتجف الطامعون عند عتبات قداسته، وما انحنى هو يوماً لغير وجه خالقه.
ولترامب أيضاً نقول، تصفّح التاريخ جيّداً، هذا الوطن كتب في سفر الخلود، يحمل في أصل حكايته سرّ الصليب، وكلّما سمّر على خشبة الآلام، حمل صليبه بإيمان، انتصر وقام من جديد.
سيّد ترامب،
لا تهددنا بالرّئيس الشّرع،
فلنا في السّماء القوّة والدّرع!
نبض