بين صمتِ الراحلين وضجيجِ الباقين
عمّار الحيدري
في مسرح هذه الحياة، كثيراً ما نقف حائرين أمام مفارقة قاسية تدمي القلب وترهق الوجدان؛ مفارقة تتجلى في أولئك الأنقى طويةً والأرق قلباً، الذين يمرون كالنسمة ثم يرحلون بصمتٍ موجع، في مقابل أولئك الذين تتشبع أرواحهم بالخبث، فيبقون أحياءً يرزقون، يملأون الدنيا ضجيجاً ويبثون سموم فسادهم في أوصال المجتمع.
إنها مقارنة بين "الغياب الحاضر" في القلوب، و"الحضور المرفوض" في الواقع.
الشخص الطيب الصادق يشبه في حضوره قطرة الندى؛ يروي الجذور من دون أن يكسر الأغصان. لا يطلب تصفيقاً ولا يبحث عن مساحات في صدارة المشهد.
يعيش بيننا كبلسمٍ للجروح، يجبر الخواطر، ويتجاوز عن الزلات، ويقدم مصلحة غيره على مصلحته.
عندما تحين لحظة وداعه، يفارقنا بهدوءٍ يشبه حياته. لا يفتعل ضجة، بل ينسحب تاركاً خلفه فراغاً لا يملأه سواه، وحزناً نبيلاً يتسلل إلى أعماق من عرفوه.
صمته في الرحيل يتحول إلى دويّ في الذاكرة. نذكره كلما احتجنا إلى الصدق، ونفتقده كلما قست علينا الأيام.
"بعض الأرواح يرحل بهدوء، لكنّ أثره يبقى محفوراً في جدران الزمن، كعطرٍ لا يتبدد مهما طال الغياب."
على النقيض تماماً، ينتصب أمامنا في المجتمع نموذج الشخص الخبيث، الذي يتخذ من الأذى مهنةً، ومن تدمير الآخرين غاية.
لا يعرف الهدوء، بل يتغذى على اختلاق الأزمات وإشعال الفتن. وجوده صاخب، ومواقفه مبنية على الاستغلال والمنفعة الشخصية على حساب القيم.
يعيش ليبث سم فساده من حوله؛ يكسر الهمم، يشوه الحقائق، ويزرع الشقاق. إنه كالشجرة الخبيثة التي تمتد جذورها لتخنق كل نبتة صالحة تقترب منها.
قد يبدو هذا الشخص منتصراً في دنياه، يمتلك السلطة أو النفوذ أو الصوت الأعلى، لكنه في الحقيقة يعيش في خواءٍ روحي، تلاحقه لعنات النفوس التي آذاها، حتى وإن لم تنطق بها الشفاه.
المفارقة الوجدانية: بين الأثر والجرح
إذا وضعنا هذين النموذجين في ميزان الوجدان، فسنجد أنفسنا أمام حقيقة مجردة تؤكد أن العبرة ليست بطول البقاء، بل بنوع الأثر.
فمن الطبيعي أن نشعر بالغصة والغضب حين نرى الطيبين يغادروننا بينما يظل الخبثاء يعيثون في الأرض فساداً.
هي مشاعر إنسانية صادقة تعكس توقنا للعدالة. ولكن، لنتذكر دائماً أن الحياة لا تُقاس بعدد الأيام التي نعيشها، بل بنبض الحب الذي نتركه في قلوب الآخرين. الشخص الطيب الذي رحل بصمت قد كسب معركة الخلود الحقيقي، بينما الشخص الخبيث، رغم كل ضجيجه وبقائه، سيطويه النسيان فور غيابه، ولن يتبقى منه سوى أثرٍ سيء تتطهر منه الأيام تدريجاً. فالنقاء باقٍ كأصل الشجرة العظيمة، والخبث زائلٌ كزبد البحر.
نبض