سيدة القلب التي دفعت علمانيتي الى الارثوذكسية
عماد جودية
اربعة وأربعون عاما قضيتها معها بمرها وحلوها مرت وكأنها أربعة وأربعون يوما أو أربعة واربعون ساعة . كنت أستيقظ كل صباح وأنام كل ليلة على حبها ، لم تكن علاقتي بها علاقة زوج وزوجة، بل كانت علاقة عاشق بمعشوقته الأبدية . تزوجنا عام 1982 في قبرص زواجا مدنيا لكوننا ننتمي معا الى الطائفة العلمانية ، تاركين انتماء ولادتنا خلفنا. بعد سنوات قليلة على دخولنا القفص الذهبي ، أكتشفت بأن لا مقبرة خاصة لأبناء طائفة العلمانيين، ولا أستطيع أن أكون واياها في قبر واحد بعد أن يأخذ الباري تعالى وديعة أيامنا على الأرض. وبالتالي لا يمكنني أن أدفن لا في مدافن عائلتها في بلدة رحبة العكارية ولا هي يمكن أن تدفن بمدافن عائلتي في بلدة عماطور الشوفية. سريعا توجهت الى الصديق المطران الياس عودة وابلغته رغبتي في تحولي الى الارثوذكسية، وشرحت له السبب، رحب بالأمر لكنه طلب مني الخضوع لدروس باللاهوت الارثوذكسي حتى افهم المسيحية وعمقها الروحي. وبالفعل درست اللاهوت مدة سنة برعايته على الاب الجليل جرمانوس الحاج، كاهن رعية كنيسة السيدة في المكحول بالمنطقة الأحب على قلبي "رأس بيروت" حيث ولدت وترعرعت وعملت وتزوجت. فور عمادتي استحصلت على مدفن لي ولعائلتنا داخل مقبرة الرعية. وبعد ايام على عمادتنا، استقبلنا المطران عودة في دار المطرانية وخاطب كاترين قائلا: عماد أصبح الآن مسيحي اكثر منك ومني، فنحن مسيحيون بالمولد فيما هو مسيحي بالاختيار. وبمناسبة عمادتي وابننا جاد، أقامت شريكة عمري كاترين عشاء في منزلنا دعت اليه أصدقاء العائلة البطرك اغناطيوس هزيم الذي قدم من دمشق خصيصا لهذه المناسبة ، والمطران جورج خضر والرؤساء حسين الحسيني وزوجته السيدة حياة (أم علي)، الرئيس سليم الحص، الرئيس عمر كرامي وزوجته السيدة مريم (أم خالد) وعميد الصحافة اللبنانية والعربية غسان تويني، والوزيرين فؤاد بطرس، عصام نعمان وزوجته السيدة عايدة والدكتور جوزف طربية. واعتذر عن عدم الحضور المطران عودة بداعي السفر. خلال العشاء خاطب المطران خضر كاترين امام الحاضرين قائلا: ان يذهب عماد ليغتسل بعمادة المخلص يسوع حباً بك ليكون معك في قبر واحد بعد عمر طويل، هذا دليل على عظمة وجودك في حياته، وعلى وفاء روحه لروحك. البطريرك هزيم علق على كلام المطران خضر: أراد أن يكون ابنا مباركا من ابناء كنيستنا، ليكون معك في قبر واحد على رجاء القيامة بعد عمر طويل لكما، فكم هو عظيم حبكما أيتها الزوجة والأم الأستثنائية، والأخت المحبة لأصدقاء العائلة، والابنة البار لكنيستك التي تحبينها وتحبك.
غابت شريكة العمر ، ولم يبق من العمر الكثير، وغاب معها جمال استقبال شروق الشمس ورونق قهوتنا الصباحية معا ونظرتها للبحر من شرفة منزلنا في "لاس ساليناس" ببلدة أنفة الكورانية. حبيبة القلب، المكسور بغيابها والمنطفىء برحيلها. لم يتغير شيء طيلة الاربعة والأربعين عاما ، لا من فكرها الوطني والانساني، ولا من حوارها المنطقي ولا من طريقة حديثها مع كبار القوم وصغيرهم ، ولا حتى من تواضعها المثير والمحبب لدى كل من عرفها وجالسها واستمع اليها وآنس حديثها. رحلت بصمت ، لم يشعر غيري ومعي ابننا جاد الذي كان الأغلى على قلبها بوجع هذا الرحيل . حتى ألامها لم تدعنا نشاركها رحلت بصمت وبسرعة وكأنها شبعت من الحياة بعد أن حققت كل ما تريد منها. منزل دافىء وعائلة نموذجية وعلاقات أجتماعية وسياسية واسعة من النخبة الشرفاء والأنقياء يشاركوننا الفكر والمعتقد، الى جانب قلة قليلة من الأصدقاء الخلص . رحلت وتركتني مع ذكريات أتلمس بها أشتياقي لرؤيتها، وحاجتي إليها.
نبض