منبر
06-08-2026 | 11:10
العدلُ أساسُ المُلك… هل يستعيدُ لبنان دولة القانون؟
منذ أن استقرت المجتمعات البشرية على فكرة الدولة، لم يكن العدل فضيلة أخلاقية فحسب، بل أصبح الشرط الأول لاستمرار العمران السياسي، ولهذا بقيت المقولة الخالدة "العدلُ أساسُ المُلك" عصية على الزمن
تعبيرية
د. مهى محمّد مراد
منذ أن استقرت المجتمعات البشرية على فكرة الدولة، لم يكن العدل فضيلة أخلاقية فحسب، بل أصبح الشرط الأول لاستمرار العمران السياسي، ولهذا بقيت المقولة الخالدة "العدلُ أساسُ المُلك" عصية على الزمن، لأنها تختصر حقيقة لا تتبدل بتبدل الأنظمة ولا بتغير العصور، وهي أنّ الدولة التي تجعل العدالة أساس حكمها تملك أسباب البقاء، أما الدولة التي تسمح للظلم بأن يتسلل إلى مؤسساتها، فإنها تضعف من داخلها مهما امتلكت من أسباب القوة.
وبالتالي، ليست السياسة في جوهرها فن إدارة المصالح فحسب، وإنما هي قبل كلّ شيء فن إقامة العدل بين الناس… فالقاعدة الذهبية لأي فكر سياسي رشيد هي أن يخضع الجميع لسلطان القانون دون امتياز أو استثناء، وأن تكون الحقوق مصونة بقوة المؤسسات وليس بميزان النفوذ. وحين يصبح القانون مرجعية عليا للجميع، تتحوّل الدولة إلى مظلة جامعة يشعر المواطن في ظلها بالأمان والكرامة والانتماء.
لكنّ المشهد ينقلب رأساً على عقب عندما تضيع الحقوق أو تتعطل وسائل استردادها، فالحقوق ليست مجرد نصوص دستورية أو مواد قانونية، بل هي الركيزة التي تقوم عليها ثقة المواطن بوطنه، وإذا فقد الإنسان يقينه بأنّ العدالة قادرة على إنصافه، بدأ يفقد ثقته بالمؤسسات، ثم بالدولة نفسها، وعندها لا تقتصر الخسارة على الفرد، بل تمتد إلى المجتمع بأسره، فتضعف المبادرة، وتتراجع الإنتاجية، وتهاجر الكفاءات، ويصبح الإحباط ثقافة عامة بدل أن يكون حالة استثنائية.
إنّ أخطر ما يواجه الدول ليس الأزمة الاقتصادية وحدها، ولا الانقسام السياسي في حد ذاته، بل تراكم الظلم حتى يصبح واقعاً مألوفاً، فالظلم لا يهدم المجتمعات دفعة واحدة، وإنما ينخرها ببطء، ويستنزف رصيدها الأخلاقي، ويزرع الشك بين المواطن والدولة، وأمّا الاستقرار الحقيقي فلا يُبنى على الخوف، وإنما على اقتناع الناس بأنّ حقوقهم مصونة، وأنّ القانون يقف على مسافة واحدة من الجميع.
ومن هنا تبرز أهمية الدولة التي تستند إلى مرجعية عقلانية وقانونية، حيث تكون المؤسسات أقوى من الأشخاص، ويكون الدستور المرجع الأعلى في إدارة الحياة العامة، فالدولة الحديثة لا تُقاس بعدد مؤسساتها، وإنما بمدى احترامها للقواعد التي أنشئت من أجلها، وبقدرتها على تطبيق القانون بعدالة وتجرد.
وفي لبنانَ، تبدو هذه المسألة أكثر إلحاحاً من أيّ وقت مضى، فالبلاد تعيش منذ سنوات سلسلة من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أثقلت كاهل المواطنين، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الدولة ووظيفة مؤسساتها، ولم يعد اللبنانيون يبحثون عن حلول ظرفية بقدر ما يتطلعون إلى قيام دولة تستعيد ثقتهم، وتؤكد أنّ الحقوق لا تخضع لموازين القوة، وأنّ القانون هو المرجعية النهائية في الفصل بين الجميع.
ولا يمكن الحديث عن دولة القانون دون وجود منظومة رقابية فعّالة تحاسب المسؤولين عند الانحراف أو إساءة استخدام السلطة، فالمساءلة ليست عبئاً على الحكم، بل هي الضمانة الأساسية لاستقامته، وكلما كانت آليات الرقابة مستقلة وشفافة، ازدادت ثقة المواطنين بمؤسساتهم، وتراجعت فرص الفساد، وترسخت ثقافة المسؤولية العامة.
ويبقى القضاء حجر الزاوية في هذا البناء، فالقضاء ليس مجرد سلطة تفصل في الخصومات، بل هو الحارس الأخير للعدالة، والملاذ الذي يلجأ إليه المواطن عندما تعجز الوسائل الأخرى عن إنصافه، ومن هنا يفرض الواقع اللبناني سؤالاً مشروعاً: هل يوفر النظام السياسي البيئة الكفيلة بحماية استقلال القضاء، بحيث يمارس دوره بحرية كاملة، بعيداً من الضغوط السياسية أو المصالح المتعارضة؟ إنّ الإجابة عن هذا السؤال لا تتعلق بمؤسسة قضائية وحدها، بل بمستقبل الدولة نفسها، لأنّ استقلال القضاء هو المعيار الحقيقي لمدى احترام سيادة القانون.
وبالتالي، إنّ بناء الدولة لا يبدأ بالمشروعات الكبرى ولا بالشعارات الرنانة، وإنما يبدأ من الإيمان بأنّ العدالة ليست مطلباً لفئة دون أخرى، بل حق لكل مواطن وواجب على كل سلطة، فكل إصلاح سياسي أو اقتصادي يظل ناقصاً إذا لم يسبقه إصلاح يعيد للقانون هيبته، وللقضاء استقلاله، وللمواطن ثقته بأنّ حقوقه لا تضيع.
لقد أثبت التاريخ أنّ الدول لا تسقط عندما تقلّ مواردها، وإنما عندما تتآكل ثقة مواطنيها بعدالتها، لذلك فإنّ الطريق إلى استعادة لبنان لا يمر فقط عبر معالجة أزماته المالية أو إعادة تنشيط اقتصاده، بل يمرّ أولاً عبر ترسيخ دولة القانون، وإحياء ثقافة المساءلة، وتكريس مبدأ المساواة أمام القضاء.
فالعدل ليس شعاراً سياسياً يُرفع عند الحاجة، ولا فكرة مثالية يصعب تحقيقها، بل هو الأساس الذي تستقيم به الدولة، وتطمئن إليه النفوس، ويستعيد من خلاله الوطنُ قدرته على النهوض، ولهذا ستظل العبارة التي صمدت في وجه التاريخ تحمل معناها الكامل: العدلُ أساسُ المُلك، وأساسُ بقاء الأوطان.
منذ أن استقرت المجتمعات البشرية على فكرة الدولة، لم يكن العدل فضيلة أخلاقية فحسب، بل أصبح الشرط الأول لاستمرار العمران السياسي، ولهذا بقيت المقولة الخالدة "العدلُ أساسُ المُلك" عصية على الزمن، لأنها تختصر حقيقة لا تتبدل بتبدل الأنظمة ولا بتغير العصور، وهي أنّ الدولة التي تجعل العدالة أساس حكمها تملك أسباب البقاء، أما الدولة التي تسمح للظلم بأن يتسلل إلى مؤسساتها، فإنها تضعف من داخلها مهما امتلكت من أسباب القوة.
وبالتالي، ليست السياسة في جوهرها فن إدارة المصالح فحسب، وإنما هي قبل كلّ شيء فن إقامة العدل بين الناس… فالقاعدة الذهبية لأي فكر سياسي رشيد هي أن يخضع الجميع لسلطان القانون دون امتياز أو استثناء، وأن تكون الحقوق مصونة بقوة المؤسسات وليس بميزان النفوذ. وحين يصبح القانون مرجعية عليا للجميع، تتحوّل الدولة إلى مظلة جامعة يشعر المواطن في ظلها بالأمان والكرامة والانتماء.
لكنّ المشهد ينقلب رأساً على عقب عندما تضيع الحقوق أو تتعطل وسائل استردادها، فالحقوق ليست مجرد نصوص دستورية أو مواد قانونية، بل هي الركيزة التي تقوم عليها ثقة المواطن بوطنه، وإذا فقد الإنسان يقينه بأنّ العدالة قادرة على إنصافه، بدأ يفقد ثقته بالمؤسسات، ثم بالدولة نفسها، وعندها لا تقتصر الخسارة على الفرد، بل تمتد إلى المجتمع بأسره، فتضعف المبادرة، وتتراجع الإنتاجية، وتهاجر الكفاءات، ويصبح الإحباط ثقافة عامة بدل أن يكون حالة استثنائية.
إنّ أخطر ما يواجه الدول ليس الأزمة الاقتصادية وحدها، ولا الانقسام السياسي في حد ذاته، بل تراكم الظلم حتى يصبح واقعاً مألوفاً، فالظلم لا يهدم المجتمعات دفعة واحدة، وإنما ينخرها ببطء، ويستنزف رصيدها الأخلاقي، ويزرع الشك بين المواطن والدولة، وأمّا الاستقرار الحقيقي فلا يُبنى على الخوف، وإنما على اقتناع الناس بأنّ حقوقهم مصونة، وأنّ القانون يقف على مسافة واحدة من الجميع.
ومن هنا تبرز أهمية الدولة التي تستند إلى مرجعية عقلانية وقانونية، حيث تكون المؤسسات أقوى من الأشخاص، ويكون الدستور المرجع الأعلى في إدارة الحياة العامة، فالدولة الحديثة لا تُقاس بعدد مؤسساتها، وإنما بمدى احترامها للقواعد التي أنشئت من أجلها، وبقدرتها على تطبيق القانون بعدالة وتجرد.
وفي لبنانَ، تبدو هذه المسألة أكثر إلحاحاً من أيّ وقت مضى، فالبلاد تعيش منذ سنوات سلسلة من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أثقلت كاهل المواطنين، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الدولة ووظيفة مؤسساتها، ولم يعد اللبنانيون يبحثون عن حلول ظرفية بقدر ما يتطلعون إلى قيام دولة تستعيد ثقتهم، وتؤكد أنّ الحقوق لا تخضع لموازين القوة، وأنّ القانون هو المرجعية النهائية في الفصل بين الجميع.
ولا يمكن الحديث عن دولة القانون دون وجود منظومة رقابية فعّالة تحاسب المسؤولين عند الانحراف أو إساءة استخدام السلطة، فالمساءلة ليست عبئاً على الحكم، بل هي الضمانة الأساسية لاستقامته، وكلما كانت آليات الرقابة مستقلة وشفافة، ازدادت ثقة المواطنين بمؤسساتهم، وتراجعت فرص الفساد، وترسخت ثقافة المسؤولية العامة.
ويبقى القضاء حجر الزاوية في هذا البناء، فالقضاء ليس مجرد سلطة تفصل في الخصومات، بل هو الحارس الأخير للعدالة، والملاذ الذي يلجأ إليه المواطن عندما تعجز الوسائل الأخرى عن إنصافه، ومن هنا يفرض الواقع اللبناني سؤالاً مشروعاً: هل يوفر النظام السياسي البيئة الكفيلة بحماية استقلال القضاء، بحيث يمارس دوره بحرية كاملة، بعيداً من الضغوط السياسية أو المصالح المتعارضة؟ إنّ الإجابة عن هذا السؤال لا تتعلق بمؤسسة قضائية وحدها، بل بمستقبل الدولة نفسها، لأنّ استقلال القضاء هو المعيار الحقيقي لمدى احترام سيادة القانون.
وبالتالي، إنّ بناء الدولة لا يبدأ بالمشروعات الكبرى ولا بالشعارات الرنانة، وإنما يبدأ من الإيمان بأنّ العدالة ليست مطلباً لفئة دون أخرى، بل حق لكل مواطن وواجب على كل سلطة، فكل إصلاح سياسي أو اقتصادي يظل ناقصاً إذا لم يسبقه إصلاح يعيد للقانون هيبته، وللقضاء استقلاله، وللمواطن ثقته بأنّ حقوقه لا تضيع.
لقد أثبت التاريخ أنّ الدول لا تسقط عندما تقلّ مواردها، وإنما عندما تتآكل ثقة مواطنيها بعدالتها، لذلك فإنّ الطريق إلى استعادة لبنان لا يمر فقط عبر معالجة أزماته المالية أو إعادة تنشيط اقتصاده، بل يمرّ أولاً عبر ترسيخ دولة القانون، وإحياء ثقافة المساءلة، وتكريس مبدأ المساواة أمام القضاء.
فالعدل ليس شعاراً سياسياً يُرفع عند الحاجة، ولا فكرة مثالية يصعب تحقيقها، بل هو الأساس الذي تستقيم به الدولة، وتطمئن إليه النفوس، ويستعيد من خلاله الوطنُ قدرته على النهوض، ولهذا ستظل العبارة التي صمدت في وجه التاريخ تحمل معناها الكامل: العدلُ أساسُ المُلك، وأساسُ بقاء الأوطان.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
العالم العربي
8/4/2026 10:21:00 PM
أثار تحذير نشره باحث سوري عن بركان كولومبو في بحر إيجه تفاعلاً واسعاً على مواقع التواصل، بعد ساعات من زلزال شعر به سكان عدة دول في شرق المتوسط. فما هو هذا البركان؟ وما حقيقة المخاطر التي يشكلها وفق الدراسات العلمية؟
المشرق-العربي
8/3/2026 6:35:00 PM
علقت العائلة يافطات في العاصمة عمان تعلن فيها براءتها منه والمطالبة بإعدامه.
المشرق-العربي
8/4/2026 2:42:00 PM
أعلنت الهيئة الوطنية للمفقودين كشف مصير الأب بسام وابنه سميح بعد 13 عاماً من فقدانهما في دمشق
المشرق-العربي
8/4/2026 8:51:00 PM
هذا الانتشار يتزامن مع تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي تحدّث عن رغتبه بمساعدة سورية لتفكيك سلاح "حزب الله".
نبض