بيروت تزداد حرارة… عندما يتحوّل الإسمنت إلى مصدرٍ للحرّ
لم يعد الشعور بارتفاع درجات الحرارة في بيروت مجرّد انطباع يردّده السكان مع حلول فصل الصيف، بل بات واقعاً تفسّره معطيات علمية ترتبط بطبيعة المدينة نفسها.
د.إبراهيم علايلي - سفير السلامة البيئية - باحث وخبير بيئي و مستشار دولي معتمد USA-GTB
لم يعد الشعور بارتفاع درجات الحرارة في بيروت مجرّد انطباع يردّده السكان مع حلول فصل الصيف، بل بات واقعاً تفسّره معطيات علمية ترتبط بطبيعة المدينة نفسها. فإلى جانب التغيرات المناخية التي يشهدها العالم، تواجه العاصمة اللبنانية ظاهرة تُعرف بـ"الجزر الحرارية الحضرية"، وهي ظاهرة تجعل المدن أكثر سخونة من المناطق المحيطة بها نتيجة التوسع العمراني وتراجع المساحات الخضراء.
تحدث هذه الظاهرة عندما تستبدل الأشجار والحدائق بطبقات الإسمنت والإسفلت والأبنية المرتفعة، وهي مواد تمتص كميات كبيرة من حرارة الشمس خلال ساعات النهار، ثم تعيد إطلاقها تدريجاً بعد غروبها. لذلك، لا تنخفض درجات الحرارة في المدينة بالسرعة نفسها التي تنخفض فيها في المناطق الريفية أو الأقل عمراناً، ويبقى الهواء دافئاً حتى خلال ساعات الليل.
ولا يقتصر تأثير الجزر الحرارية على الإحساس بالحرارة فحسب، بل يمتد ليطاول جوانب حياتية متعددة. فمع ارتفاع درجات الحرارة، يزداد الاعتماد على أجهزة التكييف، ما يؤدي إلى ارتفاع استهلاك الكهرباء في بلد يعاني أصلًا من أزمة مزمنة في قطاع الطاقة. كما ترتفع تكلفة التبريد على الأسر والمؤسسات، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية على اللبنانيين.
وعلى الصعيد الصحي، يشكل ارتفاع الحرارة خطراً إضافياً، خصوصاً على الأطفال وكبار السن، والأشخاص الذين يعملون لساعات طوال في الأماكن المكشوفة. فالتعرض المستمر لدرجات حرارة مرتفعة قد يزيد من خطر الإجهاد الحراري والجفاف، ويؤثر في جودة الحياة داخل المدن المكتظة.
ولا يمكن فصل هذه الظاهرة عن التراجع المستمر في الغطاء الأخضر داخل العاصمة. فالأشجار ليست عنصراً جمالياً فحسب، بل تؤدي دوراً بيئياً أساسياً في تلطيف المناخ، عبر توفير الظل والمساهمة في خفض حرارة الهواء من خلال عمليات التبخر والنتح. وكلما تقلصت المساحات الخضراء، فقدت المدينة إحدى أهم وسائلها الطبيعية لمواجهة موجات الحر.
وعلى نحوٍ آخر، لا يكمن التحدي في ارتفاع درجات الحرارة وحده، بل في الطريقة التي تُخطط بها المدن وتُدار بها مساحاتها. فمدن كثيرة حول العالم بدأت تعتمد حلولاً عمرانية للحد من ظاهرة الجزر الحرارية، وبينها توسيع الرقعة الخضراء، وزراعة الأشجار على جوانب الطرق، وإنشاء الأسطح والجدران الخضراء، واستخدام مواد بناء تعكس أشعة الشمس بدلًا من امتصاصها.
أما في بيروت، فإن استمرار التوسع العمراني على حساب المساحات المفتوحة يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل المدينة في ظل التغير المناخي، خصوصاً مع توقع ازدياد موجات الحر خلال السنوات المقبلة. فكل شجرة تُزال، وكل مساحة خضراء تُستبدل بالإسمنت، لا تغيّر شكل المدينة فحسب، بل تؤثر أيضاً في مناخها وجودة الحياة فيها.
في النهاية، قد لا يكون الصيف وحده المسؤول عن الحر الذي يشعر به سكان بيروت، بل إن المدينة نفسها أصبحت، إلى حدّ كبير، تحتفظ بحرارتها وتصنع جزءاً من مناخها. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ستنجح بيروت في استعادة توازنها البيئي، أم سيبقى الإسمنت يتقدّم على حساب الأشجار، فتزداد المدينة سخونةً عاماً بعد عام؟
نبض