كابي الفغالي يمرّ بين الحياة والحياة على الطّوفان الأبيض

منبر 04-08-2026 | 15:32

كابي الفغالي يمرّ بين الحياة والحياة على الطّوفان الأبيض

حياته هي الرّوح وانتصارها على الجسد، لذلك عندما أحبّ، وضع حبيبته في المرتبة الثّالثة بعد الماء والنّار لأنّها جاءت "من ماء ومن نار ومن ريحان"...
كابي الفغالي يمرّ بين الحياة والحياة على الطّوفان الأبيض
كابي الفغالي (أرشيفية).
Smaller Bigger

*ابتسام غنيمه

 


تُتعبني كابي كلّما قرأتك... تفتح أمام قلمي مئة باب، لا أدري أيّها أختار؛ فأرمي الدّيوان جانبًا وأبتعد... لكنّ صمته يناديني، وحروفه الثّلجيّة تُغريني، تشقّ الغلاف بشعاع سيّال من نور ونار، فأعود إليه كما الابن الشّاطر، ويضمّني بحنان... أنخطف بسحر البيان، وأمخر عباب الكلمات في زمن طوفان لاإنسانيّ يكاد يُغرق العالم، وأرتقي فوقه في طوفان يفيض من قلبك الأبيض الطّيّب النّقيّ، متشبّثةً بنعشك الأبيض، فيجري بي على وَقع تفعيلات تحاكي الحالة الشّعريّة، وأنتشي من بخور الحبق، وأرقص حافية القدمين على الوحل، على الثّلج، تحت المطر. أضمّ الرّيح محلّقةً "نسرًا أبيض" بين الأرض والسّماء.
"النّعش الأبيض والطّوفان" ليس ديوان شعر، إنّما أنشودة حبّ في الحياة، وللحياة. إنّه سِفر صلاة، مزمور تمجيد لله والطّبيعة والكائنات. يستهلّه الشّاعر بوقفة كبرياء "نموت واقفين" أمام أكبر قلق يسيطر على الإنسان: الموت؛ فإذا به يواجهه بفرح وشجاعة وبلا خوف، إيمانًا منه بأنّه انتقال إلى الحياة الحقيقيّة، رحلة عبور الرّوح "للسّماء في طرب، في حبور كالعطور في الزّهور"، كما يقول القدّيس بولس في رسالته الأولى إلى أهل قورنتس: "أين شوكتك يا موت، أين غلبتك؟" (15: 55). 

 

وتبدأ رحلة العبور في الدّيوان، لنكتشف حبَّ الشّاعر الأصيل المتأصّل في نفسه منذ ولادته للماء. فإذا كان قد أعلن في ديوانه الثّاني "مسافر في النّور والمطر" قائلًا: وُلِدت في أيلول، جاء على وجهي الشّتاء مبكرًا، وصرتُ حين كبرتُ أحبّ الرّحيل في المطر"، فها هو في ديوانه هذا يوثّق ولادته تزامنًا مع فيضان الماء بإسناد الخبر إلى والده، مُجدِّدًا عهد حبّه للمطر: "ذا حبيبي المطر، أرانيَ الأشجار والأزهار والبقول". هو الحياة وواحد من العناصر الأربعة المكوّنة للكون، وقد انصهرت مع الحواسّ لتشكّل مادّة الكتاب. 

 

وبعد الماء، هو "مغرم بالنّار" لأنّها تعود به إلى المطر، إلى الحياة، "يغسل وجه الأرض وقلب الصّخر"، فيناشد الشّاعرُ المنصهر بالماء "الماء أنا"، والذي لم تعرف حياته معنى الكراهية، الإلهَ قائلًا: "خذيني يا مياه إلى حمى الإله/ أريد من سماه، أصيرَ كالمياه/ غمامة تُشتّي/ أطوف في الودايا/ ألمّع الصّخور، أدفّقُ السّواقي، أحضّر الشّطآن للطّوفان". فلكابي غاية في الحياة يريد أن يحقّقها قبل الرّحيل: أن ينقّي الأرض ويجعلها مغمورة بفيض المحبّة لتنتصر على طوفان الشّرّ في العالم، فنراه يؤكّد أنّه لن يموت قبل أن يفيض الحبُّ منه "ثمّ يغمر الدّروب والقلوب والبيوت". لذلك استقلّ قلبه، قاربه الصّغير، نعشه الأبيض "على الموج الحرير"، وقد ملأه بالنّاس "كالنّهر وحَبّ الماس"، وخاض به "دمار الأرض في الأرض، بثوب أبيض مرضيّ، بلا قوت ولا سيف ولا بغض"؛ فإذا به تلميذ من تلاميذ السّيّد المسيح، يعمل بقوله: "لا تحملوا للطّريق شيئًا، لا عصًا ولا مِزودًا ولا خبزًا ولا مالًا" (لوقا 9: 3)، فلا يهتمّ بإطعام الجسد، ولا يلجأ إلى العنف، ولا يعيش الكراهية، على الرّغم من الفساد والعنف والبغضاء التي تسود العالم، واثقًا بأنّه لن يغرق، مستمدًّا قوّته من إيمانه المسيحيّ واتّحاد الماء بالرّوح القدس المشتعل محبّة في سرّ المعموديّة: "معمّد بالماء والرّوح وطهر الأقحوان".

 

لهذا يقول: "وأنا في نعشي... أترك جسدي وأمشي، لكنّما جسدي يمسك بي، سأترك جسدي كي يغرق، وسأبقى وحدي في نعشي الأبيض، ولستُ أخاف". 

 

حياته هي الرّوح وانتصارها على الجسد، لذلك عندما أحبّ، وضع حبيبته في المرتبة الثّالثة بعد الماء والنّار لأنّها جاءت "من ماء ومن نار ومن ريحان". أحبّها ذات قلب أبيض كون القلوب البيض تعوم ولا تغرق. أرادها معه، فوق الطّوفان، لينجبا نسلًا أبيض نقيًّا لعالم جديد.

 

كابي الفغالي يعلّمنا في ديوانه الفرح عندما نزرع الحبّ في القلوب، ونغنّي الحياة مع كلّ ألم وحزن؛ فعُمر الإنسان "دقيقة في زمن يذوب" بسرعة، و"الوقت ضئيل"... وطريق الحياة الحقيقيّة هي انعتاق من صخب الحاضر والسّفليّ والزّائل "صوب البعيد صعودًا" بقلب أبيض كالحمل، ينتقم من الجرح بالحبّ ثمّ الحبّ ثمّ الحبّ.

 

من كتابة كابي الفغالي (أرشيفية).
من كتابة كابي الفغالي (أرشيفية).

 

وإنّ الكلامَ كثيرٌ كثيرْ 
وفيضُ كتابِكَ نورٌ غزيرْ
فيسجد حبري سكونًا مهيبًا
لينطق حبرُكَ شعرًا حريرْ

 

صديقي كابي، ليس قلبك فحسب نعشًا أبيض، يسمو ويعلو في أنشودة حبّ وصلاة وارتقاء فوق مادّيّات العالم وشروره، بل إنّ شعرك قصيدة انتصار للكلمة في زمن التّفاهة، والإيقاع في زمن النّشاز، والبقاء في زمن الزّوال.

 

ولئن رجا د. جورج طراد، في كلمته على غلاف الدّيوان، "أن يبقى اسمك عالقًا في ذاكرة الشّعر الآتي"، فإنّني أضمّ صوتي إلى صوته وأضيف: إنّي أراك، مع قلّة، بعد عقود، عندما يستفيق العالم من سلطة التّنويم التّكنولوجيّ الذي قتل الإحساس والإبداع، ويبحث بين أطنان الكتب المغبرّة الغابرة (وليدة هذا العصر) عن شاعر، سيرفع اسمك مع "نعشك الأبيض" ليُعلن أن كان في لبنان شاعر انتصر على الموت والزّمان.  

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 8/3/2026 6:35:00 PM
علقت العائلة يافطات في العاصمة عمان تعلن فيها براءتها منه والمطالبة بإعدامه.
اقتصاد وأعمال 8/3/2026 2:25:00 PM
تقدّر الكلفة السنوية للعطاءات بما لا يقل عن 800 مليون دولار، منها نحو 200 مليون مخصصة للمنح المدرسية والتعويض العائلي، و600 مليون لتغطية كلفة الرواتب والأجور الناتجة من الرواتب الستة الإضافية.
لبنان 8/3/2026 11:10:00 PM
حذّرت مصلحة الأرصاد الجوية من التعرّض المباشر لأشعة الشمس ومن اندلاع الحرائق في المناطق الحرجية...