وليد جنبلاط في مواجهة القدر بين الصانع والمصنوع

ثقافة 04-08-2026 | 14:30

وليد جنبلاط في مواجهة القدر بين الصانع والمصنوع

يمزج كتاب "قدر في هذا المشرق" لوليد جنبلاط بين السيرة الذاتية والشهادة التاريخية، ويستعرض نصف قرن من التحولات السياسية في لبنان.
وليد جنبلاط في مواجهة القدر بين الصانع والمصنوع
"قدر في هذا المشرق" لوليد جنبلاط. (نوفل / هاشيت أنطوان)
Smaller Bigger

هل نحن صانعو أقدارنا أم صنائعها؟ هذا السؤال يطرحه عنوان كتاب "قدر في هذا المشرق / من الحرب الأهلية إلى السلام المستحيل" لوليد جنبلاط (نوفل / هاشيت أنطوان، تعريب أدونيس سالم عن الفرنسية)، واستطرادًا، هل وليد جنبلاط هو من صنع قدره أم هو صنيعة له؟ على أنّ الإجابة عن هذا السؤال المركّب تقتضي التوغّل في متن الكتاب وقراءة فصوله الإحدى والثلاثين التي تغطّي نصف قرن من الزمان، وهي مرحلة تاريخية حرجة، دخلها جنبلاط مجبرًا حين ألقى به قدره في مهبّ السياسة في آذار 1977، إثر اغتيال والده كمال جنبلاط، وغادرها مختارًا حين قرّر التخّلي عن رئاسة الحزب التقدمي الاشتراكي لصالح ابنه تيمور في حزيران/يونيو 2023. وبذلك، كان صنيعة القدر في الواقعة الأولى وصانعًا له في الواقعة الأخيرة. وبين الواقعتين ثمّة عدد كبير من الوقائع، يترجّح فيها بين الجبر والاختيار، تُشكّل مادّة الكتاب الذي تتجاور فيه السيرة الذاتية، والذكرى الخاصّة، والانطباع الشخصي، والحدث السياسي، والشهادة التاريخية، وغيرها. وبكلمة أخرى، نحن إزاء كتاب يروي سيرة الذات، ومسيرة العائلة، وحكاية الطائفة، وقصة الوطن، وشهادة العصر.

 

الخروج عن التحفّظ

وإذا كان جنبلاط قد ألزم نفسه بالتحفّظ منذ انسحابه من الحياة السياسية عام 2023، فإنّ نقطتين اثنتين جعلتاه يخرج عن تحفّظه، ويُقدم على وضع الكتاب، الأولى هي التطوّرات التي تعصف بالمنطقة في هذه اللحظة التاريخية، والثانية هي "عودة القضية الفلسطينية إلى الواجهة مع الهجوم الذي شنّته حركة حماس في 7 تشرين الأول 2023"، على حدّ تعبيره في مقدّمة الكتاب. على أنّ الهدف من هذا الخروج هو رغبته في نقل ذكرياته إلى أولاده والأحفاد، وشرح الأسباب التي أملت عليه اتخاذ قرارات وخيارات معيّنة، في زمن الحرب، لعلّه بذلك يرسل لهم رسالة أمل في الأوقات الصعبة. وهكذا، يُشكّل الكتاب نوعًا من مصالحة مع الذات، وتصفية حساب مع الزمن. ويُغطّي مرحلة تاريخية حافلة بالتحوّلات الكبرى، على المستويات الذاتية والوطنية والقومية، وزاخرة بالدروس والعبر التي يستخلص جنبلاط الكثير منها.

 

لوازم الزعامة

وعلى أهمية الدور الذي لعبه وليد جنبلاط، في هذه المرحلة، فهو يتوخّى الصدق في سيرته، والصحّة في شهادته، فلا يجترح البطولات، ولا ينتحل الأدوار، بل، على العكس، يمارس النقد الذاتي، ويعترف بالخطأ، ويتحمّل المسؤولية، ويحمّل نفسه أكثر ممّا تحتمل. ولعل هذه الصفات مضافة إلى القدرة على اتخاذ القرار، والإلمام التاريخ، وقراءة الحاضر، واستشراف المستقبل، وتغليب الوطني على الذاتي، وتحكيم العقل في العاطفة، والارتقاء فوق الجراح، ممّا نقع عليه في الكتاب، هي من لوازم الزعيم الحقيقي، ما يجعل من الكتاب سيرة للزعامة الجنبلاطية، في ثلاثة من أساطينها، على الأقل، هم الجدّة نظيرة، والأب كمال، ووليد نفسه.  

 

“قدر في هذا المشرق“ لوليد جنبلاط. (نوفل / هاشيت أنطوان)
“قدر في هذا المشرق“ لوليد جنبلاط. (نوفل / هاشيت أنطوان)

 

 

جمال التسوية

يصدّر جنبلاط كتابه بقول لجوليان غراك يتحدّث فيه عن التوازن معتبرًا أنّ "المطمئن في التوازن هو أنّه لا يتحرّك. أمّا حقيقته فهي أنّ نفخة واحدة تكفي لخلخلته...". وبرأيي، يشكّل هذا القول مفتاحًا مناسبًا لقراءة الكتاب، لا سيّما أنّه يتكرّر فيه كلازمة، بصيغ مختلفة. ذلك أنّ التوازن هو مدار الاستقرار، لا سيّما  في السياسية، وأيّ اختلال فيه تكون له تداعيات خطيرة، ما جعل المحافظة عليه هاجس الأسرة الجنبلاطية، بدءًا من الجدّة، مرورًا بالأب، وانتهاءً بالحفيد. ولعلّ هذا الهاجس هو ما عبّر عنه كمال جنبلاط بجمال التسوية، وهو ما يقوم عليه الاستقرار. ولعل المحافظة على التوازن هي ما يفسّر صمت الأخير غداة مقتل شقيقته ليندا في أيار 1976، إذ "لا تفسير لصمته إلا رغبته في الحفاظ على الهدوء في الجبل، كما فعلت والدته من قبله، وهو أمر لم أتمكّن من تحقيقه يوم استشهاده"، على حدّ تعبير وليد الذي يحمّل نفسه أكثر ممّا تحتمل، فماذا كان بوسعه أن يفعل ذلك اليوم بعد أن سبق السيف العذل؟

 

الشخصية المركّبة

كثيرة هي الوقائع في الكتاب التي تعكس أبعاد شخصية وليد جنبلاط المركّبة، وتجعل منه شاهدًا على مرحلة تاريخية حرجة. ومن خلال تلك الوقائع، نتعرّف إلى الشخصية الكاريزمية في أبعادها المختلفة، وإلى تلك المرحلة في لحظاتها الحرجة. وحسبنا، في هذا السياق، الإشارة إلى أنّ جنبلاط شخصية من لحم ودم وليس نصف إله، كما يحاول البعض تصويره، فهو يتألم ويتعب ويقلق ويخاف ويبكي كباقي الناس، وهو ما يعبّر عنه، غداة استشهاد والده، بالقول: "أمّا أنا، منذ ذلك اليوم، فلم أعرف طعم الراحة قط..." (ص 38)، أو بالقول: "هكذا رحل، وسط قرقعة السلاح، ومعه رحل شبابي" (ص 47). وعلى قسوة تلك الواقعة الأليمة، فإنّها شكّلت بداية لانتقال الزعامة في تلك الشخصية من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل، حسب التعبير الفلسفي، وهو ما يتمظهر في نهره الباكين من حوله بالقول: "الرجال لا يبكون" (ص 39)، وفي اتخاذه قرار الدفن، على وجه السرعة، لطيّ تلك الصفحة الأليمة، وهو ما اعتبره القرار السياسي الأول (ص 40)، وفي نزوله على الأرض مع الشيخ محمد أبو شقرا للحدّ من المضاعفات الخطيرة التي ترتّبت على عملية الاغتيال (ص 39). 

 

الوجود بالفعل

هذه التمظهرات لم تكن سوى البداية لأخرى كثيرة تعكس استعدادات الزعامة في تلك الشخصية المركّبة وتخرجها من الكمون إلى الظهور؛ وحسبنا أن نذكر، في هذا السياق، على سبيل المثال لا الحصر، الوقائع الآتية: قيامه بزيارة سوريا، بعد أربعين يومًا من اغتيال والده، ومصافحة القاتل، مغلّبًا مصلحة الجماعة على جرحه الشخصي، وتصدّيه  لتحامل حافظ الأسد على العميد ريمون إده في تلك الزيارة. سعيه إلى حماية الدروز الذين لا يشكّلون سوى 6% من سكان لبنان من الاضمحلال. عدم الزج بمقاتليه في حرب غير متكافئة مع الجيش الاسرائيلي عام 1982. دعمه القضية الفلسطينية ورفضه التوقيع على إعلان جلاء الفلسطينييين عن لبنان عام 1982 نزولًا عند الضغوط الأميركية الاسرائيلية. رفضه اللجوء إلى السفارة الفرنسية، خلال حصار بيروت 1982، وإيثاره البقاء مع أهلها. محاولته تدارك انفجار حرب الجبل من خلال اتصالاته مع بشير الجميل والأباتي بولس نعمان. الإفادة من التاريخ وامتناعه عن تكرار خطأ جدّه سعيد جنبلاط باقتحام دير القمر. تنظيم مؤتمر بيت الدين في شباط 1989، في محاولة أولى للمصالحة بين الموارنة والدروز، باءت بالفشل، وهو ما تحقق لاحقًا في مصالحة الجبل بالتعاون مع البطريرك مار نصرالله بطرس صفير عام 2001 في لحظة سياسية اعتبرها جنبلاط الأهم في حياته. تنظيم جنازة مهيبة لداني شمعون في العام 1990 على طول الطريق بين بعقلين ودير القمر شارك فيها آلاف الدروز والمسيحيين. إنشاء محمية أرز الباروك التي تبلغ 5% من مساحة لبنان،بالتعاون مع زوجته نورا، في العام 1996. تحويل سراي بعقلين إلى مكتبة عامة، وتأسيس المركز الثقافي في دير القمر عام 1993، وترميم الكنيس اليهودي في البلدة. وتزعّم ثورة الأرز عام 2005، إثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري، التي أدّت إلى جلاء الجيش السوري عن لبنان. وهكذا، تتمخّض هذه الوقائع عن شخصية قيادية مركّبة تجمع بين الاهتمامات السياسية والتاريخية والوطنية والقومية والاجتماعية والإنمائية. 

 

الاعتراف بالخطأ

على أهمية هذه المواقف، فإنّ وليد جنبلاط يرتكب الأخطاء كالآخرين، غير أنّ ما يميزه عن هؤلاء هو شجاعة الاعتراف بالخطأ، وإبداء الندم على ارتكابه، واستعداده للرجوع عنه. ونذكر، في هذا السياق، اعترافه باستخدام بعض الكنائس لتخزين السلاح، خلال خرب الجبل. واعترافه بتسبّب الحزب مع غيره من الميليشيات في الفوضى العارمة التي اجتاحت بيروت عام 1987، واعترافه باستصدار قرار مجلس الوزراء المتعلق بشبكة اتصالات حزب الله ما أدى إلى حوادث أيار 2008، على سبيل المثال لا الحصر. وفي المقابل، لا يفوته الاعتراف بفضل الآخرين، فيعترف بفضل الرئيس كميل شمعون في إنقاذ حياته حين تعرّض للخطف عام 1976 في الحازمية، وهو ما يفعله معه، بدوره، حين قام الفلسطينيون بمهاجمة السعديات، في العام نفسه، من جهة، ويعترف بفضل رفيق الحريري في دعم معمل سبلين ماليًّا، من جهة ثانية.

 

دروس وعبر

وبعد، لعلّ أهمية أيّ سيرة ذاتية تكمن في مقدار الدروس التي يخرج بها صاحب السيرة، ويضعها في متناول الأجيال القادمة للإفادة منها.  وبهذا المعنى، يكتسب "قدر في هذا المشرق" أهمية كبيرة؛ ذلك أنّه يزخر بالدروس والعبر. وحسبنا التذكير ببعضها، في ختام هذه القراءة لعلّ الذكرى تنفع. فوليد جنبلاط يخلص إلى لاجدوى السلاح في معالجة أمور الداخل، ويؤكد على الإلمام بحقائق التاريخ الكبرى للتفكير في الحاضر بصفاء وتجرّد، ويطالب بالتوحّد حول الهوية اللبنانية لحماية السلام والوحدة الوطنية، ويبيّن أهمية العيش المشترك في جمع اللبنانيين باعتبارهم يتشاركون ثقافة واحدة، ويركّز على محورية الجبل في ترسيخ السلم الأهلي، ويحذّر من الفدرالية ومخاطرها على النسيج الوطني، وينبّه إلى مخاطر المشروع الصهيوني الذي يسعى إلى إضعاف الأقليات اللبنانية للتمكن من السيطرة عليها، ويرى أن نهج كمال جنبلاط وعمله لا يزالان ضروريين لتحقيق العدالة الاجتماعية، وغيرها.

وعود على بدء، "قدر في هذا المشرق" كتاب يزخر بالمعلومات العامّة والوقائع التاريخية والأسرار المكنونة والذكريات الخاصّة والانطباعات الشخصية، ما يجعل عملية قراءته محفوفة بكثير من المتعة والفائدة، ويرصد سيرة زعيم حقيقي، في زمن كثر فيه الرؤساء وقلّ الزعماء.

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 8/3/2026 6:35:00 PM
علقت العائلة يافطات في العاصمة عمان تعلن فيها براءتها منه والمطالبة بإعدامه.
اقتصاد وأعمال 8/3/2026 2:25:00 PM
تقدّر الكلفة السنوية للعطاءات بما لا يقل عن 800 مليون دولار، منها نحو 200 مليون مخصصة للمنح المدرسية والتعويض العائلي، و600 مليون لتغطية كلفة الرواتب والأجور الناتجة من الرواتب الستة الإضافية.
مجتمع 8/2/2026 12:38:00 PM
حذّرت المصلحة من التعرّض المباشر لأشعة الشمس ومن اندلاع الحرائق في المناطق الحرجية.