متاحف لبنان… ذاكرةٌ تنجو كلّما حاول التاريخ إسكاتها

منبر 03-08-2026 | 11:33

متاحف لبنان… ذاكرةٌ تنجو كلّما حاول التاريخ إسكاتها

قد تدخل متحفاً بحثاً عن قطعة أثرية، فتخرج منه وأنت تشعر أنّك التقيت بلداً كاملاً.
متاحف لبنان… ذاكرةٌ تنجو كلّما حاول التاريخ إسكاتها
إقبال على زيارة المتاحف (نبيل اسماعيل)
Smaller Bigger

ياسمين غريب


 

قد تدخل متحفاً بحثاً عن قطعة أثرية، فتخرج منه وأنت تشعر أنّك التقيت بلداً كاملاً.
في لبنان، لا تبدو المتاحف مجرد مبانٍ تحفظ أشياء قديمة خلف الزجاج. إنها أبواب سرية تؤدي إلى مدن اختفت، وشخصيات رحلت، وحِرَف تكاد أن تُنسى، وبحار ما زالت تخبئ أسرارها. خلف كل باب حكاية، وفي كل قاعة زمن ينتظر من يوقظه.
خارج المتحف، مدينة تركض خلف أزماتها. سيارات، ضجيج، مبانٍ متعبة ووجوه تحمل أسئلة الغد. أمّا في الداخل، فيصبح الصمت أعلى من كل شيء. ناووس فينيقي، قطعة ذهب صغيرة، فسيفساء نجت من قرون طويلة، وسيف حمله رجل لا يعرف أن أحداً سيتأمله بعد آلاف السنين.
هنا لا تزور لبنان كما هو اليوم، بل كما كان قبل أن تتبدل حدوده وأسماؤه وحروبه.
بدأت الحكاية عام 1914، عندما جمع الضابط الفرنسي ريمون ويل عدداً من الآثار في قاعة صغيرة في بيروت. لم يكن المكان يومها متحفاً وطنياً، بل محاولة أولى لإنقاذ ما كانت الأرض تكشفه كل يوم. وفي عشرينيات القرن الماضي، ظهرت فكرة إنشاء متحف مركزي يشبه المتاحف الأوروبية التي تجمع الآثار وتحفظها وتصنفها، فتأسّست عام 1923 لجنة برئاسة بشارة الخوري لجمع التبرعات وتحويل الحلم إلى مبنى. اكتمل البناء عام 1937، وافتُتح رسمياً في 27 مايو 1942.
لكن الفكرة، وإن تأثرت بالنموذج الأوروبي، لم تبقَ نسخة منه. ففي متاحف كثيرة حول العالم، يشاهد الزائر قطعاً نُقلت من بلاد بعيدة. أما في لبنان، فغالباً ما يقف الأثر قريباً من المكان الذي وُلد فيه. في جبيل، يُروى تاريخ المدينة داخل المدينة نفسها. وفي بعلبك، لا تنفصل القطع الرومانية عن المعابد التي تحيط بها. وفي بشري، لا تبدو مخطوطات جبران غريبة عن الجبال التي صنعت لغته.
لهذا تبدو متاحف لبنان أقل شبهاً بالمخازن وأكثر شبهاً بالبيوت.
أكثر من أربعين متحفاً تنتشر اليوم في بلد صغير المساحة، لكنها تختلف كأن كل واحد منها وطن مستقل. في المتحف الوطني نواويس وفسيفساء ومجوهرات وأسلحة وقطع نقدية تمتد من عصور ما قبل التاريخ حتى العصر المملوكي. وفي متحف الجامعة الأميركية مجموعات أثرية بدأت منذ عام 1868. وفي سرسق يلتقي الفن الحديث بقصر بيروتي أريستقراطي، بينما يحوّل متحف "ميم" الأحجار والمعادن إلى مشهد مضاء يكاد يشبه عالماً خيالياً.
في صيدا، يحتفظ قصر دبانة بصورة البيت العثماني القديم، ويروي متحف الصابون حكاية حرفة انتقلت بين حلب وطرابلس ونابلس. وفي بسوس، يعيد متحف الحرير صوت الأنوال التي كانت تعيش منها قرى كاملة. أما متاحف الحياة البحرية، فتكشف وجهاً آخر للبنان، من أصداف البحر ونجومه وأسماك القرش إلى أدوات الغوص والملاحة القديمة.
حتى الوجوه التي غابت عادت في متاحف الشمع والسيليكون، من ماري باز إلى متحف المشاهير، بينما خُصص "كوكب الاكتشاف" للأطفال ليكون العلم تجربةً تُلمس، لا درساً يُحفظ.
لسنوات طوال، كانت زيارة هذه الأماكن بسيطة التكلفة. خمسة آلاف ليرة لدخول المتحف الوطني، وثمانية آلاف لمتحف جبران، وستة آلاف لمتحف "ميم". ثم جاءت الأزمة الاقتصادية، وفقدت الليرة معناها القديم، فتغيرت الأسعار وظهر الفرق بين المواطن والسائح. أصبح بعض التذاكر يُدفع بالدولار، فيما حافظت متاحف أخرى مثل سرسق ومتحف الجامعة الأميركية على الدخول المجاني، وأبقى متحف "ميم" سعره شبه رمزي.
اعترض البعض على الدفع النقدي وعلى غياب البطاقات أو الإغلاق المبكر، لكن معظم الزوار الأجانب رأوا أن عشرة دولارات لدخول المتحف الوطني تبقى قليلة مقارنة بمتاحف أوروبا. أما الزوار العرب واللبنانيون، فوجدوا في الأسعار المجانية أو المخفوضة فرصةً للعودة إلى أماكن ظنوا طويلاً أنها خُصصت للسياح والمدارس فقط.
قبل عام 2019، كان المتحف الوطني يستقبل بين أربعين وستين ألف زائر سنوياً. ثم انخفضت الأعداد بفعل الأزمة وكورونا وانفجار المرفأ. أُغلقت الأبواب، تضرّرت القصور، وابتعد الناس لأن الثقافة بدت ترفاً أمام الخبز والكهرباء والنقل.
لكن ليلة الخميس 16 تموز/يوليو 2026 حدث شيء غير متوقع بعد ذلك، عاد اللبنانيون.
في "ليلة المتاحف"، دخل عشرات الآلاف خلال ساعات قليلة، ووصل عدد زوار المتحف الوطني وحده إلى نحو عشرة آلاف في ليلة واحدة. لم يكن هذا الإقبال مجرد نزهة مجانية، بل بدا كأنه محاولة جماعية للإمساك بهوية تتسرب من بين الأيدي.
تنظم وزارة الثقافة والمديرية العامة للآثار المتاحف الوطنية الكبرى، بينما تدير الجامعات والمؤسسات والجمعيات الخاصة متاحف أخرى، مثل جبران وسرسق والصابون و"ميم". تختلف الجهات، لكن المهمة واحدة: إبقاء الذاكرة حيّة.
ربما لهذا عاد الناس إلى المتاحف من جديد.
ليس لأن الماضي أجمل دائماً، بل لأن الحاضر أصبح سريعاً ومربكاً إلى درجة تدفع الإنسان للبحث عن شيء ثابت.
وفي لبنان، حين يبدو كل شيء قابلاً للانهيار، تبقى قطعة صغيرة خلف الزجاج لتقول لنا إن هذا البلد مرّ بالكثير… وبقي.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

كتاب النهار 7/31/2026 5:26:00 PM
حملة الدايخ ليست أخلاقية، ومنع الإيجار عنه ربما قرار صائب لأنه ظهر في قلة أخلاق وفي مذهبية حاقدة.
أوروبا 7/31/2026 11:38:00 AM
أعادت أزمة سبتة ملف الهجرة إلى صدارة الجدل الأوروبي، بعدما أدى تدفق آلاف المهاجرين إلى خلافات ديبلوماسية وتحركات أمنية وتساؤلات بشأن دور المغرب.
مجتمع 8/2/2026 12:38:00 PM
حذّرت المصلحة من التعرّض المباشر لأشعة الشمس ومن اندلاع الحرائق في المناطق الحرجية.
فن ومشاهير 7/31/2026 11:54:00 AM
رسالة مؤثرة تعكس حزن الفنانة المعتزلة شمس البارودي خلال زيارتها لمقبرة زوجها الفنان حسن يوسف ونجلهما عبد الله في الذكرى الثالثة لرحيله.