إعادة إعمار الجنوب... فرصة تاريخية لإعادة بناء الاقتصاد اللبناني
عبدالله ناصرالدين
لم يعد الحديث عن الجنوب اللبناني يقتصر على توصيف حجم الدمار أو تعداد القرى المنكوبة، بل بات يتجاوز ذلك إلى سؤال أكثر أهمية: كيف يمكن تحويل هذه المأساة إلى فرصة تاريخية لإعادة بناء لبنان على أسس اقتصادية جديدة؟
منذ ثلاث سنوات، يتعرض الجنوب اللبناني لإحدى أشد الحروب التدميرية في تاريخه الحديث. فقد طالت الاعتداءات أكثر من ثمانين بلدة وقرية، ودُمّرت آلاف المنازل والوحدات السكنية، إضافة إلى المدارس والمستشفيات وشبكات المياه والكهرباء والاتصالات والطرقات، وصولاً إلى البنية التحتية التي كانت تُعد من بين الأكثر تطوراً على مستوى المناطق اللبنانية. ولم يقتصر الضرر على الحجر، بل امتد إلى الإنسان، حيث اضطر آلاف المواطنين إلى النزوح، وفقد كثيرون مصادر رزقهم، وتراجعت الحركة الاقتصادية والاجتماعية إلى مستويات غير مسبوقة.
واليوم، يعلّق أبناء الجنوب آمالهم على الدولة اللبنانية لإطلاق ورشة وطنية شاملة لإعادة الإعمار، مستندين إلى دعم عربي ودولي وإلى مساهمة الدول المانحة والمؤسسات المالية العالمية، إدراكاً منهم بأن حجم الأضرار يتجاوز قدرة الدولة اللبنانية المالية في ظل أزمتها الاقتصادية الخانقة.
غير أن النظرة التقليدية التي تختصر المرحلة المقبلة بإعادة بناء ما تهدّم فقط، قد لا تكون كافية لتحقيق نهضة حقيقية. فالحكومة اللبنانية مطالبة بعدم الاكتفاء بالبحث عن التمويل لإعادة الإعمار، بل بوضع رؤية اقتصادية متكاملة تجعل من هذه المرحلة نقطة تحول تاريخية في بنية الاقتصاد الوطني.
لقد أثبت الاقتصاد الريعي، الذي اعتمد عليه لبنان لعقود طويلة، محدوديته وعجزه عن مواجهة الأزمات. لذلك، فإن المرحلة المقبلة تستوجب الانتقال إلى اقتصاد منتج يقوم على الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والخدمات الحديثة، بما يحقق الاكتفاء الذاتي، ويوفر فرص العمل، ويعزز القدرة التنافسية للاقتصاد اللبناني في الأسواق الإقليمية والدولية.
ومن هنا، فإن أي خطة لإعادة الإعمار يجب أن تكون جزءاً من مشروع إنمائي أشمل، لا يقتصر على الجنوب وحده، بل يشمل تحديث البنية التحتية على امتداد الأراضي اللبنانية. فالمرافئ البحرية بحاجة إلى توسعة وتحديث لتتحول إلى مراكز لوجستية إقليمية، والمعابر الحدودية تحتاج إلى تطوير لتسهيل حركة التجارة، كما أن مطار رفيق الحريري الدولي يستدعي خطة توسعة تواكب النمو المتوقع في حركة النقل والسياحة والاستثمار.
ولا يمكن لأي خطة اقتصادية أن تنجح من دون معالجة جذرية لملف الطاقة، الذي يُعد أحد أبرز أسباب تراجع الاقتصاد اللبناني. فالكهرباء المستقرة ليست خدمة فحسب، بل هي شرط أساسي لقيام أي صناعة، وجذب أي استثمار، وتحقيق أي نمو اقتصادي مستدام. كما ينبغي الاستثمار في مشاريع الطاقة المتجددة، بما يخفف كلفة الإنتاج ويعزز الأمن الطاقوي.
وفي موازاة ذلك، لا بد من منح القطاعين الزراعي والصناعي أولوية وطنية. فالجنوب يمتلك مقومات زراعية كبيرة، ويمكن أن يتحول إلى مركز للإنتاج الزراعي والصناعات الغذائية إذا ما توفرت البنية التحتية الحديثة، والتسهيلات المالية، والأسواق التصديرية. كما أن تشجيع الصناعات الصغيرة والمتوسطة، وإنشاء المناطق الصناعية المتخصصة، من شأنه أن يخلق آلاف فرص العمل ويحد من الهجرة الداخلية والخارجية.
ولتحقيق ذلك، يصبح من الضروري إصدار حزمة متكاملة من القوانين والمراسيم التي تشجع المستثمرين اللبنانيين والعرب والأجانب، وتوفر لهم بيئة قانونية مستقرة، وحوافز ضريبية، وإجراءات إدارية مبسطة، مع تحديد القطاعات ذات الأولوية الاستثمارية وفق رؤية وطنية واضحة. كما ينبغي أن تنسجم هذه الخطط مع القوانين الدولية والمعايير البيئية والتنموية، بما يعزز ثقة المجتمع الدولي والمؤسسات التمويلية بقدرة لبنان على إدارة مشاريع الإعمار والتنمية بشفافية وكفاءة.
إن إعادة إعمار الجنوب ليست مشروعاً هندسياً فحسب، بل هي مشروع اقتصادي وطني يمكن أن يشكل نقطة انطلاق لإعادة بناء الدولة اللبنانية بأكملها. فالرهان الحقيقي لا يكمن في إعادة ما كان قائماً قبل الحرب، بل في بناء نموذج اقتصادي جديد يجعل من لبنان دولة منتجة وقادرة على استثمار موقعها الجغرافي وطاقاتها البشرية، وتحويل التحديات إلى فرص للنمو والاستقرار. وعندها فقط، لن تكون إعادة إعمار الجنوب نهاية الحرب، بل بداية مرحلة جديدة من النهوض الوطني الشامل.
نبض