فعلتها "حماس"... فهل يفعلها الحزب؟
د. عاصم عبد الرحمن
ثمة لحظات لا تغيّر موازين القوى فحسب، بل تعيد صوغ المفاهيم التي حكمت السياسة لعقود. وإذا تأكد أن حركة "حماس" قررت أن تجعل سلاحها جزءاً من تسويةٍ سياسية فلسطينية شاملة، فإن الحدث لن يكون فلسطينياً فحسب، بل سيشكل تحولاً استراتيجياً يهزّ إحدى أكثر المسلمات رسوخاً في الشرق الأوسط: أن السلاح خارج الدولة قدرٌ دائم لا يمكن تجاوزه.
فالحركة التي خاضت أشرس المواجهات مع إسرائيل، وقدمت عشرات آلاف الضحايا، وشهد قطاع غزة في عهدها دماراً غير مسبوق، تبدو اليوم مستعدة لربط مستقبل سلاحها بمشروعٍ سياسي يقوم على وقف الحرب، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وإعادة الإعمار، وإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية. وقد تنجح هذه المقاربة أو تفشل، لكن مجرد طرحها يكفي ليجعل السؤال مشروعاً في أماكن أخرى، وفي مقدمها لبنان.
إذا كانت "حماس"، وهي الطرف الأكثر التصاقاً بجبهة الصراع مع إسرائيل، تناقش انتقال السلاح من إطار التنظيم إلى إطار السلطة الوطنية، فبأي منطق يبقى مجرد طرح السؤال نفسه في لبنان أمراً محظوراً؟
لقد عاش اللبنانيون عقوداً تحت شعار أن سلاح "حزب الله" ضرورة فرضها الصراع مع إسرائيل. وبين مؤيد يرى فيه عنصر قوة، ومعارض يعتبره مصدر خلل في بنية الدولة، بقيت فرضية واحدة تحكم النقاش: أن الظروف لا تسمح للدولة بأن تحتكر وحدها قرار القوة.
لكن المنطقة تتغير. وما كان يُعدّ قبل سنوات من المحرمات السياسية، بات اليوم بنداً على طاولات التفاوض. فالتسويات التي يجري الحديث عنها تقوم على الانسحاب، ووقف القتال، والضمانات الدولية، وإعادة الإعمار، وبناء المؤسسات. وإذا أصبح هذا هو الاتجاه العام، فإن بقاء السلاح خارج الدولة لن يعود أمراً بديهياً، بل استثناءً يحتاج إلى تبرير دائم.
القضية ليست نزع حق لبنان في الدفاع عن نفسه، ولا مطالبة أي طرف بالاستسلام، بل استعادة الدولة حقها الحصري في أن تقرر متى تدافع، وكيف تدافع، ومن يقاتل باسمها؟ فالسلاح حين يخرج عن القرار الوطني، لا يحمي الدولة بقدر ما يحل محلها.
لقد أثبتت التجربة اللبنانية أن وجود أكثر من مرجعية للسلاح يعني، في كل أزمة، وجود أكثر من مرجعية لقرار الحرب والسلم. وهذه معادلة دفعت البلاد من جرائها أثماناً باهظة سياسياً واقتصادياً وأمنياً. أما إعادة بناء الدولة فلا تبدأ بالإعمار وحده، بل تبدأ بإعادة احتكارها وسائل القوة، لأن هذا هو المبدأ الذي قامت عليه جميع الدول الحديثة.
والواقع أن أي سلاح يبقى خارج الدولة، مهما كانت دوافعه أو التضحيات التي قدمها أصحابه، ينتهي مع الزمن إلى إنشاء توازن موازٍ للدولة نفسها. وعندما تتجاور سلطتان، لا تقوى الدولة تدريجاً، بل تتآكل تدريجاً، لأن السيادة لا تتجزأ، وقرار الحرب لا يتحمل شريكين.
قد يقال إن لبنان يختلف عن غزة، وإن التهديد الإسرائيلي لا يزال قائماً. وهذا صحيح. لكن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الخطر موجوداً، بل من يملك حق إدارة هذا الخطر. فإذا كانت الدولة ضعيفة، فإن العلاج يكون بتقويتها، لا بتحويل ضعفها إلى قاعدة دائمة تبرر استمرار ازدواجية القرار.
لقد أثبت التاريخ أن الدول لا تُقاس بعدد البنادق، بل بمن يحتكر قرار استخدامها. وما لا تحتكره الدولة، لن تستطيع أن تحكمه، وما لا تحكمه، لن تستطيع أن تبنيه. فلا توجد في العالم دولة كاملة السيادة بجيشين، ولا بقرارين عسكريين، ولا بسلاحين متوازيين.
لهذا، إذا مضت التطورات الفلسطينية في هذا الاتجاه، فإنها لن تكون مجرد خبر سياسي، بل ستفرض على لبنان مواجهة السؤال الذي طال تأجيله: فهل آن الأوان لأن يصبح سلاح "حزب الله" جزءاً من مشروع الدولة اللبنانية؟
قد تختلف الإجابات، لكن السؤال نفسه لم يعد ترفاً سياسياً، بل أصبح سؤال وجود الدولة اللبنانية ومستقبلها. وربما لم يعد السؤال الحقيقي: هل يفعلها الحزب؟ بل متى يقرر اللبنانيون أن قيام الدولة لم يعد يتحمل مزيداً من التأجيل.
نبض