جدلية الثابت والمُتحرِّك بين زمنيّ طوباوي لبنان الكبير والزيارة الرئاسية لواشنطن!

منبر 03-08-2026 | 09:39

جدلية الثابت والمُتحرِّك بين زمنيّ طوباوي لبنان الكبير والزيارة الرئاسية لواشنطن!

"أنا بطريرك الموارنة، ولكن طائفتي هي لبنان". كم نحن بحاجة ماسَّة اليوم في لبنان، بعد أكثر من مئة عام على إعلان لبنان الكبير، وأكثر من 83 سنة مِن الحوكمة اللبنانية السيئة بعد الاستقلال، الى مثل هذا القول المعادلة الذي يعدّ من الثوابت الوطنية المَنسوبة للبطريرك الياس الحويّك.
جدلية الثابت والمُتحرِّك بين زمنيّ طوباوي لبنان الكبير والزيارة الرئاسية لواشنطن!
ألقى البطريرك الراعي عظة في قداس إعلان تطويب البطريرك الحويّك في الديمان (نبيل إسماعيل)
Smaller Bigger

المحامي كارول سابا

 

 

 

"أنا بطريرك الموارنة، ولكن طائفتي هي لبنان". كم نحن بحاجة ماسَّة اليوم في لبنان، بعد أكثر من مئة عام على إعلان لبنان الكبير، وأكثر من 83 سنة مِن الحوكمة اللبنانية السيئة بعد الاستقلال، الى مثل هذا القول المعادلة الذي يعدّ من الثوابت الوطنية المَنسوبة للبطريرك الياس الحويّك. لكن، في الوقت نفسه، كم يبدو لي هذا الصوت الكنسي الوطني مرّيخيّا اليوم، بعيداً سنوات ضوئية عن الواقع اللبناني. الحاجة ليست فقط للرؤية الوطنية التي يشير اليها قول البطريرك المطوَب، ولكن أيضاً لترجمة عملية متجددة لها فيها حداثة سياسية.
مع الأسف، لا تزال المشهدية اللبنانية تظهر واقعاً لبنانياً أليماً، مفكّكاً، منقسماً على ذاته ومستباحاً. واقعاً خاضعاً للتجاذبات الإقليمية والدولية، متأرجحاً بين سرديات الحروب الآحادية وسرديات السلام المستجدة. واقعاً يتم فيه تمييع كل الثوابت والقيم. ولم يعد يميّز فيه بين العدو والصديق، وبين الخصم والحليف. ومما يزيد تأزماً على واقع التجاذب والانقسام هذا، ظهور بعض اللقاءات العلنية أخيراً التي تثير الكثير من التساؤلات على شكلها وتوقيتها ورسائلها والتموضع الانقسامي حولها. ففي حين يعتبرها البعض ليس خروقاً نوعية خاضعة للمُساءلة القانونية فحسب، بل أيضاً خروق غير أخلاقية وعلى الأخص في ظل حزام الألم والدموع والحزن والدمار الذي يلف الكثيرين من أترابي، يعتبرها البعض الآخر أكثر من عادية وكأن قعراً كبيراً أمسى فاصلاً للبنانيين مما يشير الى حالة ضياع وفقدان البوصلة الوطنية في الأمور الجوهرية.
كم تبدو الهوّة كبيرة بين رجالات الامس ونخبه الوطنية المثقفة، الواعية والجريئة التي كانت تقرأ التحولات وأبعادها بالجوهر وليس بالشكليات، وبين ضياع البوصلة الوطنية عند قادة اليوم ونخبه التي تغوص في الظرفيات والشكليات والتسطيح والتمييع، من دون أي مقاربة رصينة وموضوعية للأخطار الوجودية التي تهدّد لبنان الكبير. فالطوفان الإعلامي الذي رافق حدثين مهمّين شهدتهما الساحة اللبنانية في الآونة الأخيرة، من زيارة رئيس الجمهورية الى واشنطن الى حفل تطويب البطريرك الحويك، بقي على قدر كبير من التسطيح واستفاض بتحليل الشكليات من دون الغوص في الأبعاد الاستراتيجية واستخلاص العبر.
"ماذا فعلتم بتجربة تحدي لبنان الكبير التي اردتها يا سادة؟". قلة في لبنان قد تسمع صوت البطريرك المطوّب معترضاً اليوم على اجتماع من كان يمكن ان يعتبرهم تجار الهيكل، لسماع إعلان تطويبه. كيف لا يعترض على حضور كل هذه الطبقة السياسية في صدارة الحفل، وهي التي أمعنت مع أسلافها، في ضرب فرادة التجربة اللبنانية وريادتها وتحجيم لبنان الكبير الى إمارات مصلحية خاضعة للمحاصصة. بالطبع، نجحت احتفالية التطويب الفاتيكاني التي تمت في الديمان، في استذكار الامجاد البطريركية الحويكية وإظهار جماليّات السيرة البطريركية الكنسية والوطنية للمطوّب من خلال سيناريّة تصميمية وكتابية مميزة، على الأخص من خلال رمزية الهيكل-السفينة وأضلعه الـ 18 التي أرادها البطريرك الحويك رمزاً للوحدة والتعددية في لبنان الكبير. لكن فشلت الاحتفالية التي طغى عليها أسلوب "الرضا الذاتي" التبجيلي، بأن تكون حاضنةً محفّزة لطرح تساؤلات جوهرية لبنان الكبير اليوم بحاجة لطرحها وأهمها أين قيادات اليوم من نموذجية البطريرك الحويك الوطنية؟ أين هي من قراءته لتحولات الشرق القديمة ومن همته وحركته إقليمياً ودولياً لدعم تجربة لبنان الكبير وعدم إغراقه في كانتونات طائفية؟ أين فشل الاخلاف في الحفاظ على تجربة لبنان الكبير وليس فقط على جغرافيته؟
أما في ما خص الزيارة الرئاسية لواشنطن، فأكثرية التحليلات والمقابلات ركّزت، كمقياس لنجاح الزيارة أو فشلها، على البروتوكول وطريقة الاستقبال ولغة الجسد وكيف تم تحضير الزيارة بهدف أساسي أن يتم تجاوز "قطوع" مقابلة رئيس الولايات المتحدة المعروف عنه أنه غير تقليدي ويمكن أن يستعمل اللغة التأنيبية العلنية الفظة مع زائره لتحجيم الضيف الرئاسي، من دون أن تتناول أبعاد الزيارة وما كان يجب أن تكون مطالبها الاستراتيجية، في ظل تحولات الشرق الأوسط المتنامية وأخطارها المباشرة على لبنان، وما قيل وما لم يقل، وما كان يجب أن يقال، ومن كان ومن لم يكن في الوفد، وكأن الهم الوحيد كان أن تقطع الزيارة وأن يقال إن خيار هذا المسار التفاوضي هو الصح، وليس أن تأتي الزيارة بنتائج إنفراجية إنقاذية حاسمة للبنان، وهي لم تنتج بعد أي منها. لا عجب بذلك، لأن الطرف الآخر لا يريد من هذا المسار إلا كسب الوقت وتفشيل مسارات أخرى.
نعم، قد يبدو حفل التطويب لقلة من اللبنانيين التي لا زالت على موضوعية ووعي، عنواناً جديداً لحالة الانفصامية والنكران اللبنانية المتمادية. فتطويب من دعم خيار لبنان الكبير، يجري اليوم في وطن لا يشبه كلياً ما أراده المطوّب. وطن فككت أوصاله بفعل سوء الحوكمة والمصلحية والفساد. وطن أمست الأضلع الـ18 فيه إمارات طائفية. وطن تدحرج فيه الدين الى التديّن، وتحوّل فيه السعي لتوسيع الانتماء الوطني الى سعي لتوسيع مساحات الانتماء الطائفي الهوياتي. وطن حوربت فيه المواطنة الجامعة لصالح المذهبية الضيقة، وقضي فيه على العلمانية الإيجابية لمصلحة الطائفية السياسية اللامحدودة. وطن تآكلت فيه القيم الوطنية لمصلحة القيم الطائفية. وطن تمت فيه سرقة أموال المودعين من منظومة تحالف المال والسياسة التي لا تزال تحكم من دون محاسبة ومن دون إعادة الأموال. وطن تحول من دولة قانون وقضاء الى دولة القضاء على القانون والعدالة. وطن أمست فيه نخبه المسيحية نخب شعبوية، تتناحر في ما بينها وتتحاصص، لا بوصلة وطنية لها، تردّد أن هذا الآخر لا يشبهنا، جاعلة من ترداد هذا القول "التريند" العالق في أذهان كثيرين، نخبة تستثمر بالخوف والهجرة، وتنادي بالفيدراليات التقسيمية والانفصالية وتطوّب البطريرك الذي أرغمها على تخطي الخوف من الآخر، وأجبرها على خوض تجربة تحدي لبنان الكبير.
ما هو أخطر اليوم في لبنان مِن الاخطار الوجودية الداهمة على أهميتها وحدّتها، يكمن في حالة انقسام الشعب اللبناني الذي تتجاذبه لغة التخوين والتهويل. ويكمن أيضاً في حالة البلادة الفكرية المتسلطة على النخب اللبنانية وفقدان قدرتها على القراءة الاستراتيجية، وهي التي تستفيض في التحليلات التسطيحية من دون الغوص في الجوهر والاساس. لا عجب فحالات الانفصامية والنكران والمصلحية والتخاذل التي يتحرك من خلالها قادتنا ونخبنا، معارضة وموالاة، في أنظمة فسدت واَفسدت، تمنع القراءات الجريئة، المنزهة والموضوعية للأخطار الوجودية وتمنع أيضاً قيام قوة ثالثة وسطية منزهة موضوعية وواعية تعارضهما وتشير الى الجوهر في جدلية المهم والاهم، وتشير الى سبل الإنقاذ الوطني الذي لا يمكن أن يأتي من الخارج، مهما كان هذا الخارج صديقاً، أو قوياً أو متسلطاً يجرف ويدمر.
والانقسام يصبح أكثر حدة وعقماً وخطورة عندما يطقّ الزنبرك، زنبرك البوصلة الوطنية بفعل فقدان أسس الرؤية الاستراتيجية ومحركاتها في بلد ما. والخطورة تزداد تراكماً، كما حال اليوم في لبنان، عندما يتم تجهيل القيم والثوابت الوطنية المشتركة، ويتم تمييع الثوابت الجيوسياسة للأمن القومي الوطني. في هذه اللحظة الوطنية، حيث يمسي كل شيء ممكناَ، يصبح الممنوع مسموحاً وغير الأخلاقي أخلاقياً، وتتسلط سادوم وعمورة السياسية على الجميع، وتضيع البصيرة. عندها يكون خطر الانقسام الداخلي وجوديا ويمسي الخطر الاعظم، الاكثر خطورة من الأخطار الوجودية الخارجية التي تتربص بلبنان.
يخطئ من يعتقد أن القوة الوطنية في بلد مثل لبنان، حيث وحدته هي ضرورة متلازمة لكيانيته الجيوسياسية والدستورية في حدوده الجغرافية الكاملة، هي مسألة سلاح ومقاومة فقط. ويخطئ من يعتقد بالمقابل، في ظل الانقسام الداخلي العمودي والافقي حول ثوابت الامن القومي اللبناني، أنه يمكن أن يكون منتجاً بمجرد أخذ قرار بحصرية السلاح وأنه يمكن اقتلاع فكرة المقاومة التي لها مشروعية قانونية دولية.
لا هذا يكفي ولا ذلك. في الحالتين نصل الى حالة النكران والانفصام والمراوحة، كما اليوم. مما يضعف الموقف التفاوضي اللبناني.
لا يملك أي من الاطراف اللبنانية سردية الحرب والسلم لكونها ملكية مشتركة. وبالتالي السيادية الحقة هي التي تسعى في ظل هذا الانقسام الوجودي بين اللبنانيين، الى استعادة اللغة المشتركة أي الاتفاق في ما بينهم على تحديد نظرة مشتركة لماهية الأخطار الوجودية ولمن يهدد الكيان اللبناني، أي من هو العدو، من هو الخصم، من هو الصديق، ومن هو الحليف. الاتفاق على ثوابت الأمن القومي اللبناني ومصالحه الحيوية وكيفية الدفاع عنها ينهي كل السرديات الأحادية ويضع الجميع امام مسؤوليتهم، ويمسي حينها التفرد جريمة وخيانة. ألم تفعل الادارة الاميركية الحالية ذلك بوضع ورقة استراتيجية حول سياسة الامن القومي الاميركي؟ لماذا لا تقوم السلطة في لبنان بمثل ذلك؟ فلا أحد يحتج اليوم على شرعيتها وقانونيتها. فهي إن بادرت ونجحت تستعيد مشروعيتها التي فقدتها في ملفات كثيرة، ومنها مثلا ملف سرقة أموال المودعين التي قد تكون أداة من أدوات القوة الناعمة التي تميت شعوب قبل أن تقتل.
هل لا تزال لنا بصيرة وقدرة لنقرأ التحولات الاستراتيجية التي تدهمنا؟ بالأمس، في زمن البطريرك الحويك، كان الدخول في سايكس بيكو عنوان التوجه العام الاستراتيجي في المنطقة. فدفعت الدول العظمى المؤثرة حينها، الفرنسية والبريطانية، بالخرائط والسياسات لخلق أمرٍ واقع على الارض لإدخال الجميع في جيوسياسية سايكس بيكو، ولتغليب منطق دولي، مندفعٍ ومتسارع، يكمن في ضرورة بناء الدولة-الامة الويستفالية الوحدوية والمركزية واعتمادها حوكمة التعددية في المشرق، على حساب منطق منكفئ ومتراجع، هو منطق الامبراطوريات المترهلة المترامية الأطراف، وعلى الأخص العثمانية منها، التي تم اضعافها منذ منتصف القرن التاسع عشر بالتنظيمات والإصلاحات، وتم إسقاطها بعيد الحرب العالمية الاولى.
أما اليوم، فالخروج من جيوسياسية سايكس بيكو هو عنوان التوجه العام الاستراتيجي المرسوم للمنطقة، في ظل تقاطع جيوسياسيات دولية وإقليمية جديدة تضرب قواعد القانون الدولي، تفرض سياسة قانون القوة بدل قوة القانون، تخلخل أسس التعايش بين المكونات، تفجّر لغة الخصوصيات، وتعيد خلط كل الأوراق والخطوط والتوازنات وترسم الخرائط والتحالفات الجديدة. ويترافق كل ذلك مع إعادة تكوين قوى إقليمية قديمة جديدة بلباس جديد، ميسيانية وتوسعية الطابع والفعل، تعيد بَعث خطوط دولٍ وإمبراطوريات دينية سياسية قديمة، من اليهودية، مروراً بالفارسية، والعثمانية، والعربية. هذا التوجه العام يدفع الى خلخلة كل مقومات الدولة-الامة الوحدوية المركزية في الشرق وزعزعتها وتفكيكها لصالح المنهج اللامركزي الموسع، لا بل الفوضوي الذي يقضي بتفجير الخصوصيات وبجعلها تتنازع بهدف بناء محميات إثنية طائفية تبرز خصوصيتها وتدافع عن حقها بالدفاع عنها بالسلاح والحديد والنار ومن خلال نسج تحالفات جديدة، كتحالف النسيج الدرزي مثلا في جنوب سوريا مع اسرائيل. فتشكل هذه الدويلات غير المعلنة محميات لهذه أو تلك مِن المسيانيات الإقليمية، اليهودية، السنية والشيعية، المتصارعة على صدر الشرق.
كلمة السر التي تعبر كل السياسات وتحركها في الشرق هذه الأيام تقضي بإضعاف سردية الوحدة والسيادية المركزية من جهة، وتقوية سردية الخصوصيات التعددية واللامركزيات على أنواعها، من جهة أخرى. هذا ما نشهده في العلن والخفاء في هذا الزمن المشرقي السيء، في سوريا والعراق ولبنان وكل المنطقة. فنشهد تدحرجاً ممنهجاً من النهج الوحدوي المركزي حيث للدولة المركزية مشروعية سيادية ودستورية لحوكمة التنوع من ضمة سردية الوحدة والتنوع، الى النهج التقسيمي اللامركزي الذي يفجر كل الخصوصيات تحت عناوين "الفدرلة" المتنوعة، وينقض سردية الوحدة والتنوع ولا يبقي فيها الا سردية التنوّع والتميّز، ويعيد رسم خريطة التحالفات والتموضعات الداخلية والإقليمية.
فهل يمكن مثلاً الاستمرار بالتعمية والنكران في قراءة مكامن التمايز في قضية حصرية السلاح في لبنان أو لا حصريته من خارج قراءة هذا التدحرج والصراع الخفي في لبنان والمنطقة، بين النهج المركزي المنكفئ والدفع اللامركزي المندفع؟ أليست الحصرية، عند البعض، أي الدولة، هي قضية جوهرية مفصلية للدولة المركزية المترهلة التي أفقدتها الاحداث المتنوعة تباعاً مشروعيتها كدولة مركزية؟ كيف تستعيد الدولة المركزية بعضاً من مشروعيتها، وهي لم تستطيع مثلاً أن تمنع سرقة ودائع مواطنيها ولم تستطع استعادة هذه الودائع منذ سبع سنين، ولا زالت تخضع لتحالف حيتان المال والسياسة؟ أما الدفاع لإبقاء السلاح، فهل ممكن أن يكون عند البعض الاخر "الدويلة"، قضية وجودية في ظل ثورة الخصوصيات في الشرق الأوسط والتغيير العنفي للخرائط الجيوسياسية، في ظل حربٍ باردة مأزومة سنية- شيعية، في زمن تتآكل فيه عناصر استمرارية قدرتها القديمة للسيطرة على مكونات الدولة المركزية؟ هل ما سمعته هذه القوى علناً في البيت الأبيض عند الزيارة الرئاسية على مسمع من الرئيس اللبناني الذي تجنب التعليق، عن مشاريع تلزيم سوري في لبنان مطمئن لهذه القوى؟ أليس هذا ما ردّده طوم باراك مراراً وتكراراً وهو الذي قال بضرورات الخروج من سايكس بيكو، وأن لبنان لا كيانية له وهو جزء من بلاد الشام، وبراك هذا هو الوحيد الذي استشهد به الرئيس ترامب في البيت الأبيض أمام الرئيس عون؟
التحولات الجيوسياسية متسارعة فيها الثابت والمتحرك، والاخطار الوجودية داهمة على جغرافية لبنان الكبير، على الجغرافية الجيوسياسية "حدود الكيان اللبناني بجغرافيته الحالية" و"الجغرافية العقلية الصيغة والنظام الدستوري"، وتتطلب منا سياسة ذكية لتحديد الأخطار الوجودية، وفهماً ذكياً للتحولات الجيوسياسية الجارية، الثابت والمتحرك فيها، وفهماً لكل التموضعات الجيوسياسية التي تنتجها، يكون متحرراً من كل الوصايات، يقول بضرورة الاستفادة منها من دون التموضع بطريقة مغلقة في معسكر دون الآخر.
هل تأتي زيارة الرئيس عون الى تركيا ليكون هناك إبحار بهذا الاتجاه في وقت يتبين أكثر فأكثر محدودية اتفاق الإطار وزيفه؟ قد يكون رئيس لبنان سمع في تركيا من الرئيس أردوغان نصائح تناقض قول اتفاق الإطار أن ليس لإسرائيل أطماعاً في لبنان، وقد يكون سمع تطمينات أن تركيا تُفرمِل الشرع أمام الإندفاعة الأميركية، لأن لبنان وسوريا اليوم هما جزء من الامن القومي التركي، كما يردد حقان فيدان رجل تركيا القوي الصاعد. كيف لا نقرأ أيضاً خريطة التفاوض في إسلام أباد، والتي تقضي بإنشاء محورٍ مقاوم سني ممانع على طريقة "إجر بالبور وإجر بالفلاحة"، بين باكستان والسعودية وقطر وتركيا، وتناغمه مع إيران للحدّ من المشروع التوسعي الصهيوني التوراتي الذي يسيطر على مكامن السلطة في اسرائيل؟ كيف لا نقرأ أن هناك إمكاناً لنزع السلاح من خلال تحديد سياسة ذكية للأخطار الوجودية ومن خلال فهم ذكي ومتحرر من كل الوصايات، لكل هذه التموضعات الجيوسياسية وضرورة الاستفادة منها من دون التموضع بطريقةٍ مغلقة في معسكر دون الآخر؟ أليس هذا نوعاً من أنواع حياكة حيادٍ ممكن تفرضه السياسية الذكية غير التموضعية؟
هل نفهم في ظل كل هذه التحولات أن لا بديل من التمسك بالشرعية اللبنانية المتمثلة برئيس الجمهورية، ولا بديل أيضاً من الوفاق الوطني الذي يجب تثبيته الآن وهنا على أسس سليمة ينضوي من خلالها الجميع تحت عباءة الدولة، دولة القانون، والجيش اللبناني؟ على الجميع العمل في هذا الاتجاه لتتقاطع النيات الحسنة، فيكون لنا بوصلة تأمين وطنية هي وحدها السد المنيع المدافع عن لبنان ووحدته والذي فيه يتم جبه كل الاطماع والاخطار الوجودية ويتم الخروج من كل أنواع التفرد بالقرارات الوطنية. هل نفهم أن لا إمكان لإنقاذٍ وطني من دون حوارٍ جدي إنقاذي للجميع وللبنان الواحد، وهو يبدأ من هذه المكامن والمعطيات ومن تمييز لبنان عن المعسكرات من دون أن نفقد الصداقات؟

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

كتاب النهار 7/31/2026 5:26:00 PM
حملة الدايخ ليست أخلاقية، ومنع الإيجار عنه ربما قرار صائب لأنه ظهر في قلة أخلاق وفي مذهبية حاقدة.
أوروبا 7/31/2026 11:38:00 AM
أعادت أزمة سبتة ملف الهجرة إلى صدارة الجدل الأوروبي، بعدما أدى تدفق آلاف المهاجرين إلى خلافات ديبلوماسية وتحركات أمنية وتساؤلات بشأن دور المغرب.
مجتمع 8/2/2026 12:38:00 PM
حذّرت المصلحة من التعرّض المباشر لأشعة الشمس ومن اندلاع الحرائق في المناطق الحرجية.
فن ومشاهير 7/31/2026 11:54:00 AM
رسالة مؤثرة تعكس حزن الفنانة المعتزلة شمس البارودي خلال زيارتها لمقبرة زوجها الفنان حسن يوسف ونجلهما عبد الله في الذكرى الثالثة لرحيله.