سوريا وتحديات المرحلة
مستقبل سوريا لن تحدده موازين القوة وحدها، ولا انتصار طرف على آخر، بل قدرة السوريين على بناء عقد وطني جديد يقوم على المواطنة المتساوية، والديمقراطية، وسيادة القانون.
د. نواف القنطار
"من السهل أن تبني واقعك الخاص متجاهلاً الحقائق من حولك، ولكن إلى متى؟"
من الصعب النظر إلى ما يجري في سوريا اليوم على أنه أزمة آيلة للحل بتلك البساطة التي يتخيلها البعض، إذ ما تزال البلاد تواجه تحديات متشابكة تتداخل فيها أزمات الدولة والشرعية والمواطنة مع تأثيرات البيئة الإقليمية والدولية. فالتغيير السياسي الذي شهدته البلاد في نهاية عام 2024 أنهى مرحلة تاريخية، لكنه لم ينه أسباب الأزمة التي تراكمت خلال أكثر من عقد من الزمن، بل فتح الباب أمام أسئلة جوهرية تتعلق بقدرة السلطة الجديدة على بناء دولة مستقرة تستجيب لتطلعات السوريين وآمالهم.
لا ثقة!
تعود جذور الأزمة إلى الاحتجاجات التي اندلعت عام 2011 مطالبة بالإصلاح السياسي والعدالة والكرامة، قبل أن تتحول تدريجياً إلى صراع مسلح نتيجة تفاعل عوامل داخلية وخارجية. فقد أدى غياب الإصلاحات السياسية، والاعتماد على الحلول الأمنية، وضعف المشاركة العامة، إلى تعميق فجوة الثقة بين الدولة وشرائح واسعة من المجتمع، في حين أسهمت التدخلات الإقليمية والدولية في إطالة أمد النزاع وتحويل سوريا إلى ساحة لتقاطع المصالح.
ومع انهيار النظام السابق في نهاية عام 2024، سادت توقعات بانطلاق مرحلة انتقالية تؤسس لإعادة بناء الدولة واستعادة الاستقرار. غير أن استمرار الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وتباطؤ إصلاح المؤسسات، أعادا طرح سؤال الشرعية السياسية وحدود قدرتها على الاستمرار. فالشرعية في الدول الحديثة لا تُستمد من التغيير السياسي وحده، وإنما من قدرة السلطة على بناء مؤسسات دستورية فعالة تستند إلى سيادة القانون، واحترام الحقوق والحريات، وترسيخ مبادئ الديموقراطية بوصفها إطاراً يضمن المشاركة السياسية، والتداول السلمي للسلطة، وخضوع الجميع للمساءلة.
تواجه السلطة الجديدة اليوم اختباراً حقيقياً يتمثل في الانتقال من إدارة مرحلة انتقالية مضطربة إلى بناء مؤسسات عامة فاعلة تستعيد ثقة المواطنين، وتعزز استقلال القضاء، وترسخ سيادة القانون، وتنهي نفوذ شبكات المصالح التي نشأت خلال سنوات الحرب.
ويظل الاقتصاد أحد أكثر الملفات تعقيداً وراهنية، فقد أفرزت الحرب اقتصاداً قائماً على الاحتكار والتهريب والمصالح المرتبطة باستمرار النزاع، بينما أدت سنوات الصراع إلى ارتفاع معدلات الفقر والبطالة والهجرة، وتراجع الخدمات العامة، واتساع نطاق الفساد. لذلك فإن إعادة الإعمار لا ينبغي أن تقتصر على إصلاح البنية التحتية، بل يجب أن تشمل إصلاح الإدارة والمالية العامة، وتعزيز الشفافية، وتهيئة بيئة استثمارية مستقرة، وبناء اقتصاد منتج يوفر فرصاً متكافئة، إلى جانب إعادة دمج سوريا تدريجياً في محيطها العربي وفي الاقتصاد الدولي بما يخدم مصالحها الوطنية.
تحديات بناء الدولة وآفاق المستقبل
ولا يمكن فصل مستقبل سوريا عن بيئتها الإقليمية والدولية، بعدما أصبح استقرارها مرتبطاً بتوازنات تتجاوز حدودها. لكن حصر الأزمة في التدخلات الخارجية وحدها يغفل جذورها الداخلية، كما أن تجاهل أثر المتغيرات الإقليمية والدولية يقدم قراءة غير مكتملة للواقع. وبالتالي، فإن نجاح المرحلة المقبلة يقتضي الجمع بين الإصلاح الداخلي وسياسة خارجية متوازنة تحفظ المصالح الوطنية، وتعزز الانفتاح على المحيط العربي، وتوسع مجالات التعاون الإقليمي والدولي.
وتبرز العدالة الانتقالية بوصفها أحد أهم مرتكزات بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، إذ لا يمكن تحقيق مصالحة وطنية مستدامة من دون كشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا، ومساءلة المتورطين عبر إطار القانون، بعيداً عن الانتقام أو الإفلات من العقاب. وقد أظهرت تجارب انتقالية في دول عديدة أن العدالة الانتقالية تنجح عندما تتحول إلى وسيلة لترميم الثقة الوطنية وإعادة بناء المؤسسات، وليست إلى أداة لتصفية الحسابات السياسية.
ولا تقل أهمية عن ذلك قضية اللاجئين والنازحين، إذ إن عودة ملايين السوريين إلى وطنهم لن تكون ممكنة من دون توفير بيئة آمنة، وضمانات قانونية، وفرص اقتصادية، ومعالجة ملفات كثيرة أخرى كالملكيات والتعويضات والخدمة العسكرية ضمن إطار قانوني يحقق العدالة ويحافظ على الاستقرار. كما أن نجاح المرحلة الانتقالية لن يعتمد على أداء مؤسسات الدولة وحدها، بل أيضاً على حيوية المجتمع المدني، واستقلال الجامعات، وحرية الإعلام، باعتبارها ركائز أساسية لترسيخ ثقافة المشاركة والمساءلة.
أضعفت سنوات الحرب مفهوم المواطنة، وعززت الانقسامات الطائفية والمناطقية والعشائرية نتيجة تراجع دور الدولة ومؤسساتها، ولم يعد الانقسام في سوريا مقتصراً على ثنائية نظام ومعارضة، بل امتد إلى تصورات متباينة حول شكل الدولة ومستقبلها، الأمر الذي يجعل بناء توافق وطني حول هوية الدولة ومؤسساتها أحد أهم استحقاقات المرحلة المقبلة.
ومن هنا، فإن إعادة بناء سوريا لا تعني إعادة إعمار المدن والمنشآت فحسب، بل كذلك إعادة بناء مؤسسات الحكم على أسس دستورية تكفل الحقوق والحريات، وتضمن استقلال السلطات، وتتيح التداول السلمي للسلطة عبر انتخابات حرة ونزيهة، وتعزز الممارسة الديمقراطية كونها الإطار الذي ينظم التنافس السياسي ويحمي التعددية ويحول دون احتكار السلطة، إلى جانب تحقيق العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص وتعزيز الانتماء الوطني.
إعادة إنتاج الاستبداد
غير أن الخطر الأكبر يتمثل في إعادة إنتاج الاستبداد بصيغ جديدة، لأن الاستبداد لا يرتبط بأشخاص أو أنظمة بعينها، بل ينشأ كلما احتُكرت السلطة أو الحقيقة، أو اعتُبرت المعارضة تهديداً دائماً بدلاً من كونها جزءاً طبيعياً من الحياة السياسية، فالاستقرار الحقيقي لا يقوم على الخوف أو الصمت، وإنما على ثقة المواطنين بأن الدولة تمثلهم وتحمي حقوقهم بالتساوي، وتتيح لهم المشاركة في صنع القرار من خلال مؤسسات ديمقراطية فاعلة.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو سوريا أمام ثلاثة مسارات محتملة: يتمثل الأول في نجاح تدريجي لبناء مؤسسات الدولة وترسيخ سيادة القانون وتوسيع المشاركة السياسية بما يسمح باستعادة الثقة وتحقيق الاستقرار. أما الثاني، فيقوم على استمرار مرحلة انتقالية طويلة تتعايش فيها مؤسسات الدولة مع شبكات النفوذ والاقتصاد غير الرسمي، فتظل البلاد في دائرة الهشاشة وعدم اليقين. بينما يتمثل الثالث في إعادة إنتاج نموذج سلطوي جديد يحتكر السلطة تحت عناوين مختلفة، ما يؤدي إلى تكرار الأسباب التي قادت إلى الأزمة في المقام الأول.
إن مستقبل سوريا لن تحدده موازين القوة وحدها، ولا انتصار طرف على آخر، بل قدرة السوريين على بناء عقد وطني جديد يقوم على المواطنة المتساوية، والديمقراطية، وسيادة القانون، واحترام التعددية، والاعتراف المتبادل بين جميع مكونات المجتمع، ما يجعل الدولة معبرة عن إرادة مواطنيها وخادمة للمصلحة العامة. وعندها فقط يمكن القول إن سوريا لم تخرج من الحرب فحسب، بل بدأت فعلاً طريقها نحو السلام والاستقرار والتنمية.
نبض