الدولة والسلطة: قراءة في المسألة السورية
مستقبل سوريا لن يُبنى بإعادة إنتاج الأدوات التي قادت إلى الأزمة، بل بإرساء عقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون واستقلال المؤسسات.
د. نواف القنطار
"إن غاية السلطة هي السلطة” - جورج أورويل
عاشت سوريا منذ مطلع ستينيات القرن العشرين على أثر الظروف الناشئة آنذاك علاقة غير متوازنة بين الدولة والمجتمع، كشفت تدريجياً ـ شأنها شأن تجارب عديدة في العالم ـ عن اختلال عميق في إدارة الشأن العام، فقد تمددت السلطة حتى تماهت مع الدولة ومؤسساتها، الأمر الذي قاد في النهاية إلى احتجاجات واسعة عبّرت عن رفض هذا الخلل البنيوي في العلاقة بين الحاكم والمحكوم.
لا ينبغي الخلط بين الدولة والسلطة، فالدولة هي الكيان السياسي الدائم الذي يجسد الشخصية القانونية للمجتمع، أما السلطة فهي الإدارة المؤقتة التي تتولى تسيير شؤون الدولة، وعندما تفقد الدولة هذا المعنى قد تعيش في مظاهرها الشكلية، بينما يجري تفريغها من مضمونها السياسي والأخلاقي، وقد أثبتت التجربة السورية أن الدول لا تنهار بهزيمتها عسكرياً فقط، وإنما عندما تفقد ثقة مواطنيها، وتستبدل الشرعية بالخوف، والمؤسسات بالولاءات، وسيادة القانون بالإرادة الفردية.
تكمن إحدى المعضلات الأساسية في التجربة السورية في أن الدولة اختُزلت تدريجياً في السلطة، فلم تعد المنظومة الحاكمة تعمل داخل إطار الدولة، بل أخذت تحدد معنى الدولة وحدودها ووظيفتها، فانقلبت العلاقة الطبيعية بين الدولة والمواطن، وأصبح بقاء السلطة معياراً لبقاء الدولة وليس العكس.
غير أن وجود السلطة ليس نقيضاً للدولة، بل هو أحد شروط قيامها، إذ لا يمكن تصور مجتمع منظم من دون سلطة قادرة على تنفيذ القانون وصون الأمن العام، غير أن جوهر الدولة الحديثة يكمن في أن السلطة لا تكون فوق القانون، وإنما خاضعة له، وأن مشروعيتها لا تستمد من قدرتها على الإكراه، بل من احترامها للدستور وخضوعها للمساءلة وقبولها التداول السلمي للحكم، فالمشكلة ليست في وجود السلطة، وإنما في تحولها إلى غاية مستقلة عن الدولة والمجتمع.
وكان من أخطر نتائج هذا التحول ربط مفاهيم الدولة والوطن والسيادة باستمرار السلطة، فأصبح الدفاع عن الدولة يعني في كثير من الأحيان الدفاع عن النظام القائم، بينما تحول أي انتقاد للسلطة إلى عداء للوطن، ولم يكن ذلك مجرد انحراف في الخطاب السياسي، بل إعادة تشكيل للوعي العام، إذ انتقل الولاء من الوطن بوصفه فضاءً مشتركاً إلى السلطة بوصفها ممثلاً وحيداً له.
ولم يقتصر هذا الاختزال على المجالين السياسي والأمني، بل امتد أيضاً إلى المجال الديني، فعندما تحتكر السلطة تعريف الوطنية والشرعية فإنها كثيراً ما تلجأ إلى توظيف المؤسسات الدينية لإضفاء مشروعية أخلاقية بغطاء لاهوتي على خياراتها السياسية. وفي المقابل، لجأت بعض قوى المعارضة إلى توظيف الدين بالطريقة نفسها، فتحول الدين من منظومة قيم روحية إلى أداة للصراع السياسي، وهكذا خسرت الدولة حيادها تجاه مواطنيها، وخسر الدين رسالته الجامعة حين أصبح جزءاً من التنافس على السلطة.
ولم يكن هذا الخلل سياسياً ودينياً فحسب، بل اقتصادي أيضاً، فالاستبداد لا يعيش من دون شبكة مصالح اقتصادية واجتماعية تحميه، والاقتصاد القائم على الامتيازات والارتباط بمراكز النفوذ لا ينتج فساداً مالياً فقط، بل يعيد إنتاج اللامساواة بين المواطنين، ويقوض الثقة بالدولة، وعندما ترتبط الفرص بالولاء عوضاً عن الكفاءة ويشعر المواطن أن الدولة لم تعد ملكاً عاماً، بل مجال تحتكره شبكات خاصة، يتراجع الانتماء الوطني لحساب الانتماءات الضيقة.
لم يكن اختلال العلاقة بين الدولة والسلطة نتاج عوامل داخلية فحسب، بل تعقد بفعل التدخلات الإقليمية والدولية التي وجدت في هشاشة البنية السياسية السورية مجالاً لتصفية صراعاتها وتحقيق مصالحها، ومع تعاظم هذه التدخلات، لم تعد الأزمة مجرد أزمة حكم داخلي، بل أصبحت أيضاً أزمة سيادة وطنية، حيث تداخلت الإرادات الخارجية مع الانقسامات الداخلية، ما زاد من صعوبة استعادة الدولة لدورها المستقل.
تبدو الأزمة السورية أزمة مواطنة بقدر ما هي أزمة حكم، ففي الدولة الحديثة يقوم العقد الاجتماعي على مواطن يتمتع بحقوق وواجبات متساوية، أما في الدولة المستبدة فيغدو المواطن مطالباً بإثبات ولائه باستمرار، بينما تتحول الحقوق إلى امتيازات تمنحها السلطة أو تمنعها، وعند هذه النقطة ينهار العقد الاجتماعي، لأن الدولة تتخلى عن وظيفتها الأساسية في حماية الحقوق، وتستبدلها بالمطالبة بالطاعة مقابل وعود بالأمن والاستقرار الزائفين.
ولا يكتمل بناء دولة المواطنة من خلال المؤسسات الرسمية وحدها، بل يحتاج أيضاً إلى مجتمع مدني مستقل وفاعل، قادر على مراقبة أداء السلطة، والدفاع عن الحقوق والحريات، وتعزيز ثقافة المشاركة العامة.
وتتضاعف خطورة هذه الأزمة في مجتمع متنوع كسوريا، حيث لا يجب أن تقوم الدولة المستقرة على تفضيل هوية دينية أو مذهبية أو قومية، بل على مواطنة متساوية تجعل التنوع مصدراً للغنى وليس سبباً للإقصاء أو الصراع.
وإلى جانب الإصلاح المؤسساتي، تبرز الحاجة إلى مراجعة الثقافة السياسية التي تشكلت عبر عقود، إذ أن بناء دولة القانون لا يتحقق بمجرد إصدار الدساتير وسن القوانين ما لم يرافق ذلك تحول في الوعي العام، ينتقل بالمواطن من ثقافة الولاء للأشخاص إلى الولاء للمؤسسات، ومن اعتبار الحقوق امتيازات تمنحها السلطة إلى الإيمان بأنها حقوق أصيلة يكفلها القانون لجميع المواطنين على قدم المساواة.
ومن ثم، فإن التحدي السوري لا يقتصر على إعادة إعمار ما دمرته الحرب، بل يمتد إلى إعادة تعريف الدولة نفسها، فإعادة إنتاج النموذج القديم لن تكون سوى ترميم لواجهة متصدعة، أما بناء الدولة فيقتضي تحويل المؤسسات من أدوات لحماية الحكم إلى مؤسسات لحماية الحقوق، وإخضاع السلطة للقانون عوضاً عن إخضاع القانون للسلطة.
غير أن بناء المستقبل لا يمكن أن يتم من دون مواجهة الماضي، فالمصالحة التي تتجاوز الحقيقة لا تؤسس لسلام دائم، والعدالة التي تؤجل المساءلة لا تنتج استقراراً مستداماً، أما العدالة الانتقالية فلا تعني الانتقام أو الإقصاء، كما لا تعني طي صفحة الماضي من دون مساءلة، وإنما تقوم على كشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا، ومحاسبة المسؤولين ضمن إطار قانوني عادل، بما يضمن عدم تكرار الانتهاكات، ويؤسس لمصالحة وطنية تستند إلى الاعتراف والثقة.
كما يحتاج المجتمع إلى مراجعة نقدية لدور النخب السياسية والثقافية والدينية والاقتصادية التي صمتت، أو بررت، أو تكيفت مع العلاقة المشوهة بين الدولة والمواطن، لأن الشعوب لا تتعلم من مآسيها إلا عندما تمتلك شجاعة الاعتراف بأسبابها وتحويلها إلى أساس للإصلاح.
وفي المحصلة، فإن القضية السورية ليست مجرد صراع على السلطة أو خلاف حول شكل النظام السياسي، بل أنها مسألة تتعلق بمعنى الدولة ووظيفتها وحدود شرعيتها، فالدولة التي تُختزل في السلطة تفقد قدرتها على تمثيل المجتمع، والسلطة التي تجعل بقاءها غاية نهائية تضع نفسها في مواجهة الوطن الذي تزعم حمايته.
لذلك، فإن مستقبل سوريا لن يُبنى بإعادة إنتاج الأدوات التي قادت إلى الأزمة، بل بإرساء عقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون واستقلال المؤسسات، والفصل بين السلطات وخضوع السلطة للمساءلة المستمرة، واحترام الحقوق والحريات العامة. فالدولة التي تقوم على أساس المواطنة والمؤسسات والقانون ستكون قادرة على الاستمرار مهما تغيرت الحكومات وتعاقبت السلطات.
نبض