هواتفنا القديمة… نفايات إلكترونية تهدد البيئة وصحة الإنسان
د.إبراهيم علايلي _ سفير السلامة البيئية _باحث وخبير بيئي و مستشار دولي معتمد USA_GTB
لم تعد الهواتف المحمولة والأجهزة الإلكترونية القديمة مجرد مقتنيات مهملة في أدراج المنازل، بل أصبحت جزءاً من أزمة بيئية عالمية تتسارع وتيرتها عاماً بعد عام. فمع التطور التكنولوجي المتسارع، تتزايد كميات النفايات الإلكترونية بوتيرة غير مسبوقة، في وقت لا تزال فيه عمليات إعادة التدوير أقل بكثير من حجم هذه النفايات.
وبحسب تقرير Global E-waste Monitor 2024 الصادر عن الأمم المتحدة، بلغ حجم النفايات الإلكترونية التي أنتجها العالم نحو 62 مليون طن خلال عام 2024، بزيادة تقارب الـ 82 % مقارنة بعام 2010. وتشير التقديرات إلى أن هذه الكمية قد ترتفع إلى نحو 82 مليون طن بحلول عام 2030 إذا استمرت معدلات الاستهلاك الحالية.
ورغم خطورة هذه الأرقام، فإن التقرير يؤكد أن 22.3% فقط من النفايات الإلكترونية جرى جمعها وإعادة تدويرها عبر قنوات رسمية، فيما انتهى القسم الأكبر إلى المكبات العشوائية، أو جرى حرقه، أو تخزينه داخل المنازل، ما يعني ضياع كميات كبيرة من المواد القابلة لإعادة الاستخدام، إلى جانب زيادة المخاطر البيئية والصحية.
وتحتوي الهواتف الذكية، وأجهزة الحاسوب، والبطاريات، والشواحن، على معادن ثمينة مثل الذهب والنحاس والفضة، لكنها تحتوي أيضاً على مواد خطرة، من بينها الرصاص والزئبق والكادميوم والليثيوم. وعند التخلص منها بطرق غير سليمة، قد تتسرب هذه المواد إلى التربة والمياه الجوفية، أو تنبعث في الهواء عند الحرق، مسببة تلوثاً قد يمتد لسنوات ويؤثر في الإنسان والكائنات الحية.
أما في لبنان، فلا تزال إدارة النفايات الإلكترونية تواجه تحديات كبيرة، في ظل غياب منظومة وطنية شاملة لجمع هذا النوع من النفايات وفرزه وإعادة تدويره على نطاق واسع. وينتهي عدد كبير من الهواتف والبطاريات القديمة مع النفايات المنزلية، أو يُخزن داخل المنازل، أو يُفكك بطرق غير آمنة، ما يزيد من احتمالات تلوث البيئة وفقدان موادّ ذات قيمة اقتصادية يمكن استعادتها.
لكن أثر النفايات الإلكترونية لا يقتصر على الجانب البيئي فحسب، بل يمتد إلى الاقتصاد أيضاً. فوفقاً للأمم المتحدة، تحتوي النفايات الإلكترونية المنتجة سنوياً على معادن وموادّ خام تُقدَّر قيمتها بعشرات مليارات الدولارات، إلا أن معظمها يُفقد بسبب ضعف عمليات الجمع وإعادة التدوير.
ويرى خبراء البيئة أن الحدّ من هذه الأزمة يتطلّب إنشاء نقاط مخصّصة لجمع النفايات الإلكترونية، وتشديد الرقابة على التخلّص العشوائي منها، وتشجيع الشركات على استعادة أجهزتها القديمة، إلى جانب رفع وعي المواطنين بأهمية تسليم الهواتف والبطاريات المستهلكة إلى الجهات المختصة بدلاً من رميها مع النفايات المنزلية.
وفي ظل التوسع المستمر في استخدام الهواتف الذكية والأجهزة الإلكترونية، تبدو إدارة النفايات الإلكترونية تحدياً بيئياً لا يمكن تأجيله. فكل جهاز قديم يُرمى بطريقة خاطئة لا يمثل مجرد قطعة إلكترونية انتهى عمرها، بل قد يتحول إلى مصدر تلوث طويل الأمد يهدد التربة والمياه والهواء، ويترك آثاراً تمتد إلى صحة الإنسان والأجيال المقبلة.
ويبقى السؤال: هل ينجح لبنان في بناء منظومة فعالة لإدارة النفايات الإلكترونية، أم أن هذه الأجهزة ستواصل التحول إلى خطر بيئي يتفاقم بصمت عاماً بعد عام؟
نبض