بلاغة الخراب

منبر 28-07-2026 | 10:43

بلاغة الخراب

في غرفة المكياج، وقف منصور عبدالعليم يُعيد تجربة صوته مرةً بعد أخرى.
خفض ذقنه قليلاً، مال نحو الضوء الجانبي، ثم ضغط على حنجرته بأصابعه حتى انتفخت الكلمات في فمه كضفادعَ:
- الشعوب… لا تموت.
بلاغة الخراب
تعبيرية
Smaller Bigger

محمد سعيد حميد - اليمن

 

 

 

في غرفة المكياج، وقف منصور عبدالعليم يُعيد تجربة صوته مرةً بعد أخرى.
خفض ذقنه قليلاً، مال نحو الضوء الجانبي، ثم ضغط على حنجرته بأصابعه حتى انتفخت الكلمات في فمه كضفادعَ:
- الشعوب… لا تموت.
ابتسم لنفسه. كانت الغرفة مشبعةً برائحة العطر الفاخر ومثبت الشعر، فيما كان يراقب غرفة البث استعداداً للدخول. ومن خلف الزجاج، اكتست المدينة بأزهار الربيع، بينما توالت على الشاشة صور حيٍّ مهدَّمٍ في بلاده: طفل يركض بين غبار الرماد، امرأة تصرخ، ورجل يحمل بطانية فوق كتفه كأنّه يحمل جثةً خفيفة.
دخل غرفة البث، وجلس. وأمامه على الطاولة فنجان قهوة باردة، وأشار إلى المخرج أن يرفع الشاشة خلف العدسة قليلاً.
حين أضاءت الكاميرا، تغيّر وجهه فوراً.
انحنى قليلاً، شبك أصابعه بحزنٍ مدروس، وقال بنبرته الثقيلة التي تشبه بيانات الأحزاب القديمة:
- ما يحدث لشعبنا اليوم… وصمة عارٍ في جبين العالم.
كان يثخّن صوته، ينفخ الكلمات حتى تبدو أكبر من معناها، ويقرأ من شاشةٍ خلف العدسة نصّه المعدّ مسبقاً؛ يتحدث عن الفقراء والتقشف والصمود في زمن الدمار. كانت هيئتُه الأنيقة تفضح كل كلمة يقولها.
ظهر الضيف على الشاشة المقابلة. رجل في أواخر الأربعين، وجهه شاحب، وخلفه جدار متشقق ينقطع عنه الضوء كل بضع دقائق.
قال منصور:
- معنا الأستاذ نبيل حامد من الداخل… أستاذ نبيل، كيف تصفون معاناتكم اليوم؟
ساد صمتٌ قصير، ثم قال نبيل بهدوء:
- أيّ معاناة تقصد؟
ابتسم منصور بسرعة:
- معاناة الناس… الجوع… الحرب…
رفع نبيل عينيه نحو الكاميرا وقال:
- أنتم تحبّون كلمة "المعاناة" أكثر منا.
ارتجف شيءٌ صغير عند طرف فم منصور، وقال محاولاً استعادة إيقاعه:
- نحن نحاول إيصال صوتكم للعالم.
هزّ نبيل رأسه ببطء، ثم قال:
- العالم يعرف.
المشكلة أنكم تعيشون من هذا الصوت… ونحن نموت داخله.
ساد الصمت. ذلك الصمت الذي لا تستطيع الموسيقى التلفزيونية تغطيته.
انقطع البث إلى فاصلٍ إعلاني.
ألقى السمّاعة على الطاولة كأنها عقرب.
- من أتى بهذا الرجل؟
ثم تناول هاتفه، وما إن جاءه الرد حتى تغيّرت نبرته بالكامل:
- مساء الخير سيدي… نعم، سيطرنا على الحلقة.
صار يضحك بتزلف، بينما ظلّ نبيل على الشاشة الصامتة جالساً في العتمة بعد انقطاع الكهرباء.
في تلك الليلة، عاد نبيل إلى بيته بعد ساعتين انتظار عند نقطة تفتيش.
فتح الباب بهدوء كي لا يوقظ أمّه.
طفلان نائمان على الحصير، وزوجته تخيط زرّاً في قميص المدرسة.
جلس قرب النافذة المظلمة.
في الخارج، كان الحي كله غارقاً في الصمت والعتمة، إلا من ضوء هاتف بعيد يتحرك بين الأزقة كيراعةٍ وحيدة، يتردد معه نباح كلابٍ متقطع.
تذكّر وجه المذيع اللامع تحت الأضواء، وهندامه الأنيق، والحزن المحترف في نبرته.
وفجأة شعر بتعبٍ هائل. ليس من الحرب. ولا من الجوع. بل من الذين حوّلوا الخراب إلى مهنة.
في الجهة الأخرى من القارة، كان منصور يجلس في بار الفندق الزجاجي المطلّ على النهر، يضحك مع امرأة شقراء ورجل يعمل في مؤسسة إعلامية، ويده تعبث بمفتاح شقته الجديدة؛ كأنّ الوطن الممزق استطاع أخيراً شراء شيءٍ حقيقي له.
رنّ هاتفه. فتح التعليقات بسرعة. بحث عن اسمه بينها، فلم يجده. كانت الأضواء قد انتقلت إلى نبيل:
"صوته حقيقي."
"أخيراً، شخص لا يتكلم كسياسي."
ظلّ منصور يقرأ بصمت.
كتب من حسابٍ وهمي تعليقاتٍ يدافع بها عن نفسه.
ثم رفع يده إلى عنقه، كما لو أنّه يبحث عن حنجرته القديمة هناك…
ولم يجدها.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 7/27/2026 9:39:00 AM
ممثل موزعي المحروقات فادي أبو شقرا يوضح لـ"النهار"
أوروبا 7/26/2026 2:17:00 PM
أصدرت الشرطة مواصفات للمشتبه به، مشيرة إلى أنه نحيف البنية، يبلغ طوله نحو 1.90 متر، ذو شعر أسود، وكان يرتدي سترة سوداء بغطاء للرأس (هودي) وسروالاً أبيض.
لبنان 7/27/2026 11:00:00 AM
ما الذي يجعل نشاط حركة "عوري تسافون" التي تعني "استيقظ أيها الشمال"، غير قادرة على أخذ موافقة الحكومة الإسرائيلية والقوى العسكرية للدخول إلى جنوب لبنان أو الاستيطان؟