منبر
28-07-2026 | 10:30
"لنفاوض لنا... لا علينا"
في مجتمعنا رأيان طاغيان، قد يتلوّنان أحياناً بأفكار وآراء مختلفة
سيارات تنقل تنقل أعضاء أحد الوفدين المفاوضين لدى دخولها إلى السفارة الأميركية في روما. (أ ف ب)
جواد بدر الدين
في مجتمعنا رأيان طاغيان، قد يتلوّنان أحياناً بأفكار وآراء مختلفة، ولكن الخلاصة هي إمّا - من جهة - الرّفض القاطع لهذا الاتّفاق، مع القناعة بتسليم الأمر للإيرانيّين، أو أقلّه الانتظار "السّلبي" لنتائج مفاوضات سويسرا علّنا نحصّل أفضل ممّا لدينا؛ وإمّا - من جهة أخرى - اعتبار هذا الاتّفاق دليلاً لا لبس فيه على الانتقال "أخيراً" إلى رحاب "الدولة القويّة ذات السّيادة"، مع الإذعان الكامل للإرادة لإسرائيليّة-الأميركيّة دون أدنى اعتبار لحالة العداء المعلنة. قد يظنّ البعض، أو غالبيّة مجتمعنا اللبناني، أنّ الرّأيين يمثلان الأمر ونقيضه، ولكن الواقع هو أنّهما يتشاركان الجوهر ذاته: الرّهان على طرف خارجي للتّأثير في ميزان القوى الدّاخلي.
قطعاً، إنّ الارتهان للخارج، أيّ خارج، لتحصيل مكاسب داخليَة هو أسرع طريق نحو تفكيك المجتمع، وتاريخ لبنان هو الشّاهد. أمّا تحقيق تماسك هذا المجتمع، فيكون بالعكس تماماً، أي حشد الداخل، كل الدّاخل، لمواجهة الخارج. لذا، فإذا كان المعيار هو حماية المجتمع وبقاؤه، فإنّ تقييمنا للاتفاق، وأي حدث آخر، يبدأ من الإجابة عن السّؤال الآتي: هل يساهم في تماسك مجتمعنا أم يزيد في تفكيكه؟ ورغم أنّ تقييم الأحداث، كلّاً على حدة، أسهل وأكثر جاذبيّة، ولكن الإجابة عن هذا السّؤال تتطلّب النّظر الى السَّياق، لكونه أجدى لدقّة التشخيص، وطرحِ ما يجب فعله. لذلك، فإنّ النّظرة هنا تتعدّى الاتّفاق بذاته كحدث منفصل إلى اعتباره نتيجة طبيعيّة لسياق التّفاوض الحالي؛ التّفاوض الَّذي أقبلت عليه "دولتنا" عاريةً من أيّ مقوّمات وأدوات، فلا شرعيّة داخليّة داعمة، ولا مشروع وطنياً هادفاً، ولا شرط مسبقاً لإيقاف العدوان على أراضيها. وضمن هذا الإطار إذن، وجب التنبّه من الحاصل حاليّاً من تقييم وانتقاد للاتّفاق عبر تفنيد بعض من بنوده بعينها؛ فرغم أنّ الأمر قد يبدو في ظاهره أكاديمياً منطقيّاً، فإنّه يخفي خلفه تطبيعاً مع فكرة، وطريقة للتفاوض الجاري؛ فتسليط الضّوء على فكرة معيّنة ضمن هذا الاتّفاق - مهما كانت محقّة - توحي بأنّ المشكلة ليست في جوهر ومعنى الاتفاق، بل في أفكار محدّدة قابلة للتّعديل. مثال ذلك ما جرى ويجري بحثه من قبل عدد من المؤثرين حول البند الـ 13، وعدم أحقيّة لبنان في مقاضاة الكيان على جرائمه أمام المحكمة الدّوليّة؛ فعلى الرّغم من بشاعة ما ذكر في هذا البند، ولكن الوضع لم يكن ليكون أفضل في حال شطبه، فالإشكاليّة تتخطّاه. لا بدّ هنا من التّوقّف عند الإنجاز اللّبناني "الكبير جدّاً" الّذي لفت انتباهنا إليه رئيس الجمهوريّة اللّبنانيّة "بأنّ إسرائيل فقدت الحقّ في مقاضاة لبنان أيضاً"، وهنا قد يكون عدم التعليق أبلغ.
فالخلاصة إذن، أنّه لتقييم هذا الاتفاق وسياقه، أي ما سبقه من تفاوض، وما تلاه من مواقف وتبريرات، وجب الانتباه إلى تأثيراتها على تماسك المجتمع، وبالتالي على حشده للمواجهة. وحشد الداخل لا يعني طبعاً الانفصال عن الواقع وتجاهل موازين القوى الإقليميّة والعالميّة، ولكنّه أيضاً بعيد كل البعد عن الاختراعات اللبنانية العظيمة من "الحوار الوطني" و"الطاولة المستديرة" وما شابه، بل إنّ لمطلوب هو أخذ خطوات دقيقة وفعّالة لحشد كل ما يمكن حشده من موارد عسكريّة، اقتصاديّة، وسياسيّة للتأثير في ميزان القوى لمصلحة تماسك المجتمع وبقائه، أي خطوات مثل (1) إعلان التّجنيد الإجباري، العسكري والمدني للجميع، وضمنهم مقاتلو حزب الله، (2) تمويل التّسليح من أصحاب المصارف، و(3) توحيد المجتمع سياسيّاً عبر إعلان الانتقال من دولة طائفيّة الى دولة مدنيّة يتساوى فيها الجميع. أمثلة تاريخيّة عديدة لدول مختلفة أثبتت نجاح مقاربة كهذه، على اختلاف الظروف الدّاخليّة والخارجيّة، عند مواجهة اعتداء من قوّة أكبر بكثير من قدراتها؛ فلا فييتنام 1955 كانت ندّاً للولايات المتحدة، ولا الجزائر 1954 كانت بقدرة فرنسا العسكرية، ولا مواطنو جنوب أفريقيا كانو يملكون عُشر إمكانيات المستوطنين الأوروبين، ولكن المشترك بين المقاومات داخل هذه الدول وغيرها هو تحشيد كل ما يمكن داخليّاً للمواجهة مع الاستفادة من تغييرات موازين القوى الخارجيّة لصالحها.
من هذا المنظار يظهر القصور في الداخل اللبناني، فالجهتان لا تتوجّهان إلى الداخل، كل الداخل، كمجتمع واحد، ولا تتعاملان مع الخارج، كل الخارج، كخارج. فعسكريّاً، لم تطرح أي من الجهتين مشروعاً حقيقياً لتجنيد المجتمع للمواجهة؛ "فالسّياديّون" لا يعتبرون أنّ مقاومة الاحتلال تخصّهم، و"المقاومون" يتبنّون توجّهاً طائفيّاً يقسّم أكثر مما يجمع. واقتصاديّاً، فالحكومة – مثلاً - ممثَّلة جميع الأطراف، وفي غضون شهر تقريباً على تعيينها، كانت قد عيّنت كريم سعيد حاكماً لمصرف لبنان امتداداً لما سبق، حامية بذلك أصحاب المصارف، كما أقرّت موازنة عظيمة لم تلحظ شيئاً مرتبطاً بحالة الحرب التّي يعيشها البلد. أمّا سياسيّاً، فطبعاً موضوع الطّائفيّة السّياسيّة "مش وقته هلَق"، على اعتبار أنّ مجتمعنا يملك من الوقت الكثير، فلا هجرة نصف شبابه تهدّد استمراره، ولا تدمير واحتلال أراضيه يهدّد وجوده.
هذا الاتّفاق لم يولد ليُنَفَّذ، وجميع اللاعبين يعلمون ذلك، من إسرائيليين وأميركيين وإيرانيّين، بل أتى لدعم وتعزيز السرديّة الإسرائيليّة.
بالتالي تفكيك مجتمعنا. وما عُلوّ بعض الأصوات الرّافضة في الدّاخل اللّبناني إلّا دليل على معرفة بهذا لتسجيل بعض المواقف، كي لا ننغرّ بالجرأة الوطنيّة المفاجئة. المشكلة ليست في مضمون هذا الاتّفاق ولا في أيٍّ من بنوده، بل في السَّياق الّذي أوصلنا إليه، والّذي لا يزال مستمرّاً. المواجهة لن تستقيم إلّا بالانطلاق من الداخل، من المجتمع ذاته، لمواجهة الخارج، كي نفاوض لنا، لا علينا.
في مجتمعنا رأيان طاغيان، قد يتلوّنان أحياناً بأفكار وآراء مختلفة، ولكن الخلاصة هي إمّا - من جهة - الرّفض القاطع لهذا الاتّفاق، مع القناعة بتسليم الأمر للإيرانيّين، أو أقلّه الانتظار "السّلبي" لنتائج مفاوضات سويسرا علّنا نحصّل أفضل ممّا لدينا؛ وإمّا - من جهة أخرى - اعتبار هذا الاتّفاق دليلاً لا لبس فيه على الانتقال "أخيراً" إلى رحاب "الدولة القويّة ذات السّيادة"، مع الإذعان الكامل للإرادة لإسرائيليّة-الأميركيّة دون أدنى اعتبار لحالة العداء المعلنة. قد يظنّ البعض، أو غالبيّة مجتمعنا اللبناني، أنّ الرّأيين يمثلان الأمر ونقيضه، ولكن الواقع هو أنّهما يتشاركان الجوهر ذاته: الرّهان على طرف خارجي للتّأثير في ميزان القوى الدّاخلي.
قطعاً، إنّ الارتهان للخارج، أيّ خارج، لتحصيل مكاسب داخليَة هو أسرع طريق نحو تفكيك المجتمع، وتاريخ لبنان هو الشّاهد. أمّا تحقيق تماسك هذا المجتمع، فيكون بالعكس تماماً، أي حشد الداخل، كل الدّاخل، لمواجهة الخارج. لذا، فإذا كان المعيار هو حماية المجتمع وبقاؤه، فإنّ تقييمنا للاتفاق، وأي حدث آخر، يبدأ من الإجابة عن السّؤال الآتي: هل يساهم في تماسك مجتمعنا أم يزيد في تفكيكه؟ ورغم أنّ تقييم الأحداث، كلّاً على حدة، أسهل وأكثر جاذبيّة، ولكن الإجابة عن هذا السّؤال تتطلّب النّظر الى السَّياق، لكونه أجدى لدقّة التشخيص، وطرحِ ما يجب فعله. لذلك، فإنّ النّظرة هنا تتعدّى الاتّفاق بذاته كحدث منفصل إلى اعتباره نتيجة طبيعيّة لسياق التّفاوض الحالي؛ التّفاوض الَّذي أقبلت عليه "دولتنا" عاريةً من أيّ مقوّمات وأدوات، فلا شرعيّة داخليّة داعمة، ولا مشروع وطنياً هادفاً، ولا شرط مسبقاً لإيقاف العدوان على أراضيها. وضمن هذا الإطار إذن، وجب التنبّه من الحاصل حاليّاً من تقييم وانتقاد للاتّفاق عبر تفنيد بعض من بنوده بعينها؛ فرغم أنّ الأمر قد يبدو في ظاهره أكاديمياً منطقيّاً، فإنّه يخفي خلفه تطبيعاً مع فكرة، وطريقة للتفاوض الجاري؛ فتسليط الضّوء على فكرة معيّنة ضمن هذا الاتّفاق - مهما كانت محقّة - توحي بأنّ المشكلة ليست في جوهر ومعنى الاتفاق، بل في أفكار محدّدة قابلة للتّعديل. مثال ذلك ما جرى ويجري بحثه من قبل عدد من المؤثرين حول البند الـ 13، وعدم أحقيّة لبنان في مقاضاة الكيان على جرائمه أمام المحكمة الدّوليّة؛ فعلى الرّغم من بشاعة ما ذكر في هذا البند، ولكن الوضع لم يكن ليكون أفضل في حال شطبه، فالإشكاليّة تتخطّاه. لا بدّ هنا من التّوقّف عند الإنجاز اللّبناني "الكبير جدّاً" الّذي لفت انتباهنا إليه رئيس الجمهوريّة اللّبنانيّة "بأنّ إسرائيل فقدت الحقّ في مقاضاة لبنان أيضاً"، وهنا قد يكون عدم التعليق أبلغ.
فالخلاصة إذن، أنّه لتقييم هذا الاتفاق وسياقه، أي ما سبقه من تفاوض، وما تلاه من مواقف وتبريرات، وجب الانتباه إلى تأثيراتها على تماسك المجتمع، وبالتالي على حشده للمواجهة. وحشد الداخل لا يعني طبعاً الانفصال عن الواقع وتجاهل موازين القوى الإقليميّة والعالميّة، ولكنّه أيضاً بعيد كل البعد عن الاختراعات اللبنانية العظيمة من "الحوار الوطني" و"الطاولة المستديرة" وما شابه، بل إنّ لمطلوب هو أخذ خطوات دقيقة وفعّالة لحشد كل ما يمكن حشده من موارد عسكريّة، اقتصاديّة، وسياسيّة للتأثير في ميزان القوى لمصلحة تماسك المجتمع وبقائه، أي خطوات مثل (1) إعلان التّجنيد الإجباري، العسكري والمدني للجميع، وضمنهم مقاتلو حزب الله، (2) تمويل التّسليح من أصحاب المصارف، و(3) توحيد المجتمع سياسيّاً عبر إعلان الانتقال من دولة طائفيّة الى دولة مدنيّة يتساوى فيها الجميع. أمثلة تاريخيّة عديدة لدول مختلفة أثبتت نجاح مقاربة كهذه، على اختلاف الظروف الدّاخليّة والخارجيّة، عند مواجهة اعتداء من قوّة أكبر بكثير من قدراتها؛ فلا فييتنام 1955 كانت ندّاً للولايات المتحدة، ولا الجزائر 1954 كانت بقدرة فرنسا العسكرية، ولا مواطنو جنوب أفريقيا كانو يملكون عُشر إمكانيات المستوطنين الأوروبين، ولكن المشترك بين المقاومات داخل هذه الدول وغيرها هو تحشيد كل ما يمكن داخليّاً للمواجهة مع الاستفادة من تغييرات موازين القوى الخارجيّة لصالحها.
من هذا المنظار يظهر القصور في الداخل اللبناني، فالجهتان لا تتوجّهان إلى الداخل، كل الداخل، كمجتمع واحد، ولا تتعاملان مع الخارج، كل الخارج، كخارج. فعسكريّاً، لم تطرح أي من الجهتين مشروعاً حقيقياً لتجنيد المجتمع للمواجهة؛ "فالسّياديّون" لا يعتبرون أنّ مقاومة الاحتلال تخصّهم، و"المقاومون" يتبنّون توجّهاً طائفيّاً يقسّم أكثر مما يجمع. واقتصاديّاً، فالحكومة – مثلاً - ممثَّلة جميع الأطراف، وفي غضون شهر تقريباً على تعيينها، كانت قد عيّنت كريم سعيد حاكماً لمصرف لبنان امتداداً لما سبق، حامية بذلك أصحاب المصارف، كما أقرّت موازنة عظيمة لم تلحظ شيئاً مرتبطاً بحالة الحرب التّي يعيشها البلد. أمّا سياسيّاً، فطبعاً موضوع الطّائفيّة السّياسيّة "مش وقته هلَق"، على اعتبار أنّ مجتمعنا يملك من الوقت الكثير، فلا هجرة نصف شبابه تهدّد استمراره، ولا تدمير واحتلال أراضيه يهدّد وجوده.
هذا الاتّفاق لم يولد ليُنَفَّذ، وجميع اللاعبين يعلمون ذلك، من إسرائيليين وأميركيين وإيرانيّين، بل أتى لدعم وتعزيز السرديّة الإسرائيليّة.
بالتالي تفكيك مجتمعنا. وما عُلوّ بعض الأصوات الرّافضة في الدّاخل اللّبناني إلّا دليل على معرفة بهذا لتسجيل بعض المواقف، كي لا ننغرّ بالجرأة الوطنيّة المفاجئة. المشكلة ليست في مضمون هذا الاتّفاق ولا في أيٍّ من بنوده، بل في السَّياق الّذي أوصلنا إليه، والّذي لا يزال مستمرّاً. المواجهة لن تستقيم إلّا بالانطلاق من الداخل، من المجتمع ذاته، لمواجهة الخارج، كي نفاوض لنا، لا علينا.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
7/27/2026 9:39:00 AM
ممثل موزعي المحروقات فادي أبو شقرا يوضح لـ"النهار"
أوروبا
7/26/2026 2:17:00 PM
أصدرت الشرطة مواصفات للمشتبه به، مشيرة إلى أنه نحيف البنية، يبلغ طوله نحو 1.90 متر، ذو شعر أسود، وكان يرتدي سترة سوداء بغطاء للرأس (هودي) وسروالاً أبيض.
لبنان
7/27/2026 11:00:00 AM
ما الذي يجعل نشاط حركة "عوري تسافون" التي تعني "استيقظ أيها الشمال"، غير قادرة على أخذ موافقة الحكومة الإسرائيلية والقوى العسكرية للدخول إلى جنوب لبنان أو الاستيطان؟
لبنان
7/26/2026 9:35:00 PM
أزمة محروقات في بعلبك؟
نبض