زيارة الرئيس عون إلى واشنطن ومفاعيلها: لبنان يعود إلى المسرح الدولي!

منبر 27-07-2026 | 14:27

زيارة الرئيس عون إلى واشنطن ومفاعيلها: لبنان يعود إلى المسرح الدولي!



منذ إعلان زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزف عون إلى الولايات المتحدة ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، انقسمت المواقف بين من اعتبرها محطة مفصلية في إعادة تموضع لبنان، وبين من سارع إلى مهاجمتها ووصفها بأنها تنازل سياسي أو خضوع للإملاءات الأميركية.
زيارة الرئيس عون إلى واشنطن ومفاعيلها: لبنان يعود إلى المسرح الدولي!
الرئيس اللبناني جوزف عون (يسار) ونظيره الأميركي دونالد ترامب (أ ف ب).
Smaller Bigger

محمد عبدالله - كاتب وباحث سياسي

 

 

منذ إعلان زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزف عون إلى الولايات المتحدة ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، انقسمت المواقف بين من اعتبرها محطة مفصلية في إعادة تموضع لبنان، وبين من سارع إلى مهاجمتها ووصفها بأنها تنازل سياسي أو خضوع للإملاءات الأميركية. 
غير أن قراءة هادئة لمجريات الزيارة ونتائجها تقود إلى استنتاج مختلف تماماً، مفاده أن لبنان بدأ يستعيد حضوره على المسرح الدولي بعد سنوات طوال من العزلة، وأن الدولة اللبنانية تحاول للمرة الأولى منذ سنوات إعادة رسم سياستها الخارجية انطلاقاً من مفهوم السيادة الوطنية لا من منطق المحاور الإقليمية.
تكمن أهمية الزيارة في توقيتها قبل أي شيء آخر. فهي جاءت بعد نحو سبعة عشر عاماً على آخر زيارة رسمية لرئيس لبناني إلى البيت الأبيض، عندما التقى الرئيس ميشال سليمان الرئيس باراك أوباما عام 2009. وخلال تلك السنوات، شهد لبنان انهياراً مالياً غير مسبوق، وتراجعاً اقتصادياً وديبلوماسياً، كما تمدد النفوذ الإيراني داخل مؤسسات الدولة عبر "حزب الله"، حتى بات لبنان يُنظر إليه في كثير من العواصم على أنه جزء من مشروع إقليمي أكثر منه دولة مستقلة تمتلك قرارها السيادي.
في هذا السياق، حملت زيارة واشنطن رسالة سياسية واضحة، مفادها أن لبنان يريد العودة إلى المجتمع الدولي واستعادة علاقاته الطبيعية مع الولايات المتحدة والدول العربية والغربية، وأن الدولة اللبنانية أصبحت شريكاً في أي تسوية تخص مستقبل المنطقة، بعدما كانت غائبة عن معظم المحافل الدولية.
ولعل أبرز المؤشرات العملية التي أعقبت الزيارة كان الإعلان عن استئناف الرحلات الجوية المباشرة بين لبنان والولايات المتحدة، بعد انقطاع منذ عام 1985، عقب حادثة خطف طائرة "TWA" التي نفذتها عناصر من "حزب الله". ولسخرية القدر، ترافق هذا القرار مع تهديد رئيس المجلس السياسي في الحزب محمود قماطي بإقفال مطار رفيق الحريري، إذا ما استمر منع هبوط الطيران الايراني فيه!

ورغم أن القرار يبدو تقنياً، فإنه يحمل دلالات سياسية وأمنية عميقة، إذ يعكس ارتفاع مستوى الثقة الدولية بالدولة اللبنانية ومؤسساتها الأمنية، ويفتح الباب أمام تنشيط السياحة والاستثمارات والتبادل الاقتصادي، كما يعيد وصل الجالية اللبنانية الواسعة في الولايات المتحدة بوطنها الأم.

اللافت أيضاً أن الزيارة أسقطت الرواية التي حاول بعض القوى الترويج لها بأنها زيارة لتقديم التنازلات. فالوقائع تشير إلى أن لبنان نجح في تثبيت حقه في المطالبة باستكمال الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي الجنوبية المحتلة، بالتوازي مع تأكيد التزامه تنفيذ اتفاق وقف النار والقرار 1701، وهو ما يعكس انتقال الدولة اللبنانية من سياسة ردود الفعل إلى سياسة المبادرة الديبلوماسية المدعومة بحضور دولي فاعل.
أثبتت التجارب أن الحروب التي خاضها لبنان خارج إطار الدولة لم تحقق سوى الدمار والانهيار الاقتصادي والعزلة السياسية. وما سُمّيت "حرب الإسناد" التي زُج فيها لبنان خلال العامين الماضيين خلّفت خسائر جسيمة في الجنوب والبنية التحتية والاقتصاد، وأبعدت فرص الاستثمار والإعمار، بينما بقي اللبنانيون يدفعون وحدهم ثمن قرارات لم تتخذها مؤسساتهم الدستورية.

اليوم، تبدو الدولة اللبنانية أمام فرصة تاريخية لكسر هذه الحلقة المفرغة. فاستعادة ثقة المجتمع الدولي لا تنفصل عن استعادة الدولة قرارها الأمني والعسكري، لأن أي مشروع إصلاحي أو اقتصادي لن يكتب له النجاح إذا بقي قرار الحرب والسلم خارج المؤسسات الشرعية. ومن هنا، فإن حصر السلاح بيد الدولة لم يعد مطلباً سياسياً لفريق دون آخر، بل أصبح شرطاً أساسياً لاستمرار الدعم العربي والدولي ولحماية لبنان من الانزلاق مجدداً إلى صراعات الآخرين.
وفي المقابل، لا يمكن إغفال أن الهدوء النسبي على الجبهة الجنوبية لا يعني انتهاء الأخطار. فإيران ما زالت تمتلك أوراقاً إقليمية متعددة، ويبدو أنها تركز حالياً على جبهة البحر الأحمر عبر الحوثيين، باعتبارها أكثر تأثيراً في المصالح الأميركية والدولية، وخصوصاً مسألة اقفال باب المندب.
 أما الجبهة اللبنانية، فتخضع في الوقت الراهن لحسابات دقيقة، بحيث تعمل واشنطن على منع أي تصعيد واسع، فيما تدرك إسرائيل أن أي مواجهة جديدة ستكون مكلفة للطرفين.
لكن هذا الهدوء يبقى موقتاً إذا لم يُستكمل مشروع بناء الدولة. فطالما بقي قرار استخدام السلاح خارج المؤسسات الشرعية، سيظل لبنان معرضاً للعودة إلى دائرة المواجهات كلما تبدلت موازين القوى في المنطقة أو احتاجت طهران إلى ورقة تفاوض جديدة.
إن زيارة الرئيس عون إلى واشنطن ليست نهاية الطريق، بل بداية مسار سياسي جديد. وهي تمثل فرصة نادرة لإعادة تثبيت هوية لبنان العربية والدولية، وإخراجه من موقع الدولة التي كانت ساحةً للصراعات إلى موقع الدولة الشريكة في صناعة الاستقرار الإقليمي.
ويبقى الرهان الحقيقي على قدرة اللبنانيين أنفسهم في استثمار هذا الزخم الديبلوماسي، وتحويله إلى مشروع وطني يعيد بناء المؤسسات، ويطلق الإصلاحات، ويكرس احتكار الدولة للسلاح والقرار. فعندها فقط يمكن القول أن لبنان لم يعد مجرد عنوان للأزمات، بل عاد فعلاً إلى المسرح الدولي لاعباً فاعلاً، لا ساحةً تتصارع فيها القوى الإقليمية والدولية.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

كتاب النهار 7/26/2026 2:12:00 PM
بعد 13 يوماً من الضربات المتواصلة، اتخذ الرئيس الأميركي دونالد ترامب قراراً مفاجئاً بتعليق الهجمات على إيران. فما الذي غيّر حسابات واشنطن؟
اقتصاد وأعمال 7/27/2026 9:39:00 AM
ممثل موزعي المحروقات فادي أبو شقرا يوضح لـ"النهار"
أوروبا 7/26/2026 2:17:00 PM
أصدرت الشرطة مواصفات للمشتبه به، مشيرة إلى أنه نحيف البنية، يبلغ طوله نحو 1.90 متر، ذو شعر أسود، وكان يرتدي سترة سوداء بغطاء للرأس (هودي) وسروالاً أبيض.
لبنان 7/26/2026 6:24:00 AM
بعد أيام من درجات حرارة مرتفعة، استيقظ اللبنانيون، وبينهم سكان بيروت، على أجواء غير مألوفة في أواخر تموز، مع أمطار خفيفة وانخفاض ملحوظ في الحرارة، فيما شهدت مناطق شمالية زخات أكثر غزارة غيّرت المشهد الصيفي لساعات