لبنان الكبير بعد أكثر من مئة عام: ماذا بقي من وطنٍ جعل طائفته لبنان؟

منبر 24-07-2026 | 10:21

لبنان الكبير بعد أكثر من مئة عام: ماذا بقي من وطنٍ جعل طائفته لبنان؟

مع تطويب البطريرك إلياس الحويك، لا يعود لبنان إلى شخصية دينية وتاريخية فحسب، بل يعود إلى سؤال تأسيسي لا يزال مفتوحاً بعد أكثر من مئة عام:

ماذا فعل اللبنانيون بلبنان الكبير الذي أراده مؤسسوه؟
لبنان الكبير بعد أكثر من مئة عام: ماذا بقي من وطنٍ جعل طائفته لبنان؟
البطريرك الحويك
Smaller Bigger
بسام صرّاف

مع تطويب البطريرك إلياس الحويك، لا يعود لبنان إلى شخصية دينية وتاريخية فحسب، بل يعود إلى سؤال تأسيسي لا يزال مفتوحاً بعد أكثر من مئة عام:

ماذا فعل اللبنانيون بلبنان الكبير الذي أراده مؤسسوه؟

ففي عام 1920، لم يكن إنشاء لبنان الكبير مجرد توسيع لخريطة أو إضافة مساحة جغرافية. كان مشروعاً سياسياً وتاريخياً يقوم على فكرة أكبر من الحدود: أن يكون لبنان وطناً يتسع لتنوعه، وأن تتحول التعددية من مصدر خوف إلى أساس للعيش المشترك، ومن واقع طائفي إلى مشروع مواطنة.

وهنا تكمن أهمية البطريرك إلياس الحويك.

فالرجل الذي خرج من قلب الطائفة المارونية لم يجعل لبنان مشروعاً مارونياً. لم يتعامل مع الوطن باعتباره امتداداً لطائفته، بل جعل الطائفة جزءاً من لبنان.

بل إن المفارقة الأعمق في إرثه أن الرجل الذي انتمى إلى طائفة، جعل لبنان نفسه طائفته.

وهذه ليست عبارة بلاغية فحسب.

إنها جوهر فكرة لبنان الكبير.

لم يكن المعنى أن لبنان ملك لجماعة لأنها الأقوى أو الأقدم أو الأكثر حقاً. كان المعنى أن لبنان لا يكتمل إلا بجميع مكوناته، وأن الوطن لا يُبنى بإلغاء الاختلاف، بل بتحويله إلى شراكة.

لكن بعد أكثر من مئة عام، يبقى السؤال القاسي:

هل نجح اللبنانيون في بناء لبنان الذي كان أكبر من طوائفه؟

أم أن لبنان الكبير كبر على الخريطة، بينما بقي صغيراً في الدولة والسيادة والمواطنة؟

من لبنان الكبير إلى لبنانات صغيرة

بعد أكثر من قرن، تبدو المفارقة مؤلمة.

كبرت الخريطة، لكن الدولة لم تكبر بالقدر نفسه.

اتسعت الجغرافيا، لكن لم تتسع دائماً فكرة المواطنة.

وأصبح لبنان الكبير يعيش، في مراحل كثيرة، داخل مجموعة من لبنانات صغيرة:

لبنان الطائفة.

لبنان الزعيم.

لبنان الحزب.

لبنان المحور.

لبنان المنطقة.

أما لبنان الدولة، الذي يفترض أن يكون المرجعية العليا، فظل يتراجع أمام قوى وولاءات وقرارات تتجاوز مؤسساته.

وهنا يجب أن يكون السؤال واضحاً:

ما معنى لبنان الكبير إذا كانت الدولة لا تملك دائماً القرار الأخير في كل أراضيها؟

ما معنى الاستقلال إذا كان القرار الوطني قابلاً للتأثر بموازين قوى داخلية وخارجية؟

وما معنى الجمهورية إذا كان الانتماء السياسي أو الطائفي يوفر أحياناً حماية أقوى من القانون؟

المشكلة ليست أن لبنان متعدد، فالتعددية كانت في صلب فكرته.

المشكلة أن التعددية لم تتحول دائماً إلى مواطنة، وأن الطائفية تحولت، في مراحل كثيرة، إلى نظام سياسي ومصدر قوة ووسيلة حماية، وأحياناً إلى بديل عن الدولة.

ومنذ الاستقلال، مرّ لبنان بمحطات متتالية اختبرت فكرة الدولة: أزمات النظام السياسي، والحرب الأهلية، واتفاق الطائف، والوصاية السورية، والحروب والاعتداءات المتكررة، والتدخلات والمساندات الإقليمية، وصولاً إلى حرب غزة التي اندلعت في 7 تشرين الأول 2023 وفتحت جبهة على الحدود الجنوبية، ثم الحرب الواسعة بين إسرائيل وحزب الله عام 2024.

ورغم الهدن والاتفاقات التي أوقفت العمليات العسكرية الواسعة في مراحل مختلفة، لم يُغلق مسار النزاع نهائياً، فبقي لبنان داخل حرب ونزاع مفتوحين، تتجدد فيهما التوترات والضربات والاحتكاكات، ويتداخل الصراع اللبناني ـ الإسرائيلي مع صراع إقليمي ودولي أوسع، تتقاطع فيه حسابات إسرائيل وحزب الله وإيران والولايات المتحدة الأميركية.

وهكذا وجد لبنان نفسه مرة أخرى في قلب صراع يتجاوز حدوده، فيما يدفع شعبه تكلفة صراع لا يملك وحده قرار بدايته ولا نهايته.

وفي كل محطة يعود السؤال نفسه، أكثر إلحاحاً:

هل لبنان دولة واحدة تملك قرارها، أم ساحة تتقاطع فيها مشاريع متعددة، ويدفع شعبها ثمن صراعات تتجاوز حدودها؟

وبينما وُلد لبنان الكبير بوصفه مشروعاً لتوسيع الوطن، بقيت الجمهورية عاجزة عن حسم السؤال الأهم:

كيف تتحول الجغرافيا إلى دولة، والتعددية إلى مواطنة، والاستقلال إلى سيادة كاملة؟

هل بقيت الحدود؟

الحدود ليست خطوطاً على الخريطة فقط.

والسيادة ليست شعاراً يُرفع في المناسبات الوطنية.

السيادة هي أن تكون الدولة صاحبة القرار الأخير في أرضها وحدودها وأمنها وعلاقاتها الخارجية، وفي الحرب والسلم.

لذلك، فإن السؤال عن حدود لبنان لا يمكن فصله عن السؤال عن سيادته.

ما قيمة الحدود إذا لم يكن القرار الوطني هو المرجع النهائي في كيفية حمايتها؟

وما قيمة الاستقلال إذا كانت القرارات الكبرى تُصنع أحياناً خارج المؤسسات الدستورية؟

وما معنى الدولة إذا أصبح مفهوم القوة، في بعض اللحظات، أقوى من مفهوم القانون؟

لقد دفع لبنان ثمناً هائلاً نتيجة غياب الإجماع على معنى واحد للسيادة.

وفي كل مرة كانت الدولة تتراجع، كان الفراغ يُملأ.

وحين تتراجع الدولة، لا تختفي القوة، بل تنتقل إلى مكان آخر.

وهكذا تحولت السيادة اللبنانية، في مراحل مختلفة، من مفهوم وطني جامع إلى مساحة نزاع بين الدولة والقوى الموازية لها.

وهذه ليست مشكلة طائفة واحدة.

إنها مشكلة الجمهورية نفسها.

العيش المشترك: حقيقة أم هدنة؟

كان لبنان الكبير، في جوهره، تجربة نادرة: بلد لا يقوم على وحدة الدين أو المذهب أو العرق، بل على محاولة بناء وطن من الاختلاف نفسه.

لكن العيش المشترك لا يعني أن تتعايش الطوائف لأنها عاجزة عن الانفصال، ولا أن يحتفظ كل فريق بخوفه وذاكرته وروايته الخاصة للتاريخ، ثم نطلق على ذلك اسم «توافق».

العيش المشترك الحقيقي يعني أن يؤمن كل لبناني بأن الآخر ليس ضيفاً على الوطن، ولا شريكاً موقتاً، ولا أقلية تحتاج إلى حماية، ولا أكثرية تملك حق فرض إرادتها.

بل هو مواطن كامل في وطن كامل.

وهنا يجب أن نكون صريحين.

لقد فشل لبنان، في مراحل كثيرة، في بناء هذه المواطنة.

كل جماعة عاشت خوفها الخاص، وكل طائفة احتفظت بذاكرتها الخاصة للحرب، وكل فريق كتب روايته الخاصة للتاريخ.

وبين هذه الذاكرات المتناقضة، لم تولد بعد ذاكرة وطنية لبنانية واحدة.

كيف يمكن بناء دولة واحدة إذا كان لكل جماعة تاريخها الخاص؟

وكيف يمكن بناء قرار وطني واحد إذا كان لكل فريق مرجعيته الإقليمية؟

وكيف يمكن بناء وطن واحد إذا بقي لبنان، في لحظات كثيرة، ساحة لصراعات الآخرين؟

الحويك: من الطائفة إلى الوطن

ربما هنا تكمن النقطة الأهم.

اختزال البطريرك إلياس الحويك في صورة رجل دين ماروني ارتبط بقيام لبنان الكبير هو اختزال لتاريخ أكبر بكثير.

كان الرجل مارونياً، نعم.

لكنه لم يكن يبني وطناً مارونياً.

كان يبني وطناً أراده أوسع من طائفته.

البطريرك الحويك انتمى إلى طائفة، لكنه لم يجعل الطائفة بديلاً عن الوطن.

أما لبنان اليوم، فمشكلته أن الطوائف لم تعد دائماً ترى نفسها جزءاً من الوطن، بل أصبح الوطن، في مراحل كثيرة، جزءاً من حساباتها.

وهنا انقلبت المعادلة.

عندما يصبح لبنان تابعاً للزعيم تضعف الدولة.

وعندما يصبح الوطن تابعاً للطائفة تضعف المواطنة.

وعندما يصبح القرار الوطني تابعاً للقوة تضعف الجمهورية.

وعندما تصبح الدولة عاجزة عن اتخاذ قراراتها الكبرى يصبح لبنان الكبير مجرد اسم تاريخي عظيم فوق واقع سياسي صغير.

بعد أكثر من مئة عام: هل فشل المشروع؟

هل فشل مشروع لبنان الكبير أم أن اللبنانيين فشلوا في تحويله إلى دولة؟

الجواب ليس بسيطاً.

فلبنان لم يفشل بالكامل.

لقد صمد، وحافظ على تعدديته، ونجا من حروب كان يمكن أن تنهي وجوده، وبقيت فيه مساحة للحرية والصحافة والتنوع.

لكن الصمود ليس انتصاراً.

والبقاء ليس بالضرورة نجاحاً.

الدولة التي تفقد قدرتها على حماية مواطنيها، وإدارة اقتصادها، وضبط حدودها، واحتكار قرارها السيادي، لا تكون قد انتصرت بالضرورة.

قد تكون فقط نجت من الموت.

ولبنان يعيش منذ عقود بين النجاة والنهضة؛ بين أن يبقى موجوداً، وأن يصبح دولة.

وهذا هو الاختبار الذي لم يُحسم بعد.

الطوباوي أمام امتحان الأحياء.

إن تطويب البطريرك إلياس الحويك ليس مناسبة دينية فقط.

إنه أيضاً مناسبة وطنية لطرح السؤال الأكثر صراحة:

هل ما زلنا نؤمن بلبنان الذي أراده؟

تكريم الرجل لا يكون فقط بإحياء ذكراه، بل بطرح الأسئلة التي لا تزال تؤلم الجمهورية:

إذا كان لبنان وطناً للجميع، فلماذا لا تزال الدولة تُقرأ من خلال الطوائف؟

إذا كان لبنان وطن التآلف، فلماذا لا يزال الخوف من الآخر أساساً للسياسة؟

إذا كانت السيادة جوهر الاستقلال، فلماذا لا يزال القرار الوطني موضع نزاع؟

وإذا كان الوطن هو الطائفة التي اختارها الحويك، فليكن لبنان هو الطائفة الوحيدة التي ينتمي إليها الجميع.

بعد أكثر من قرن، لا يحتاج لبنان إلى مزيد من الخطب عن الوطنية.

لقد سمع ما يكفي.

ولا يحتاج إلى مزيد من الشعارات عن العيش المشترك.

لقد حفظها عن ظهر قلب.

فالسؤال لم يعد كيف وُلد لبنان الكبير.

السؤال هو:

هل ما زال كبيراً في نفوس أبنائه؟

هل بقيت الحدود أم بقيت فقط خطوطاً في الكتب؟

هل بقي العيش المشترك أم تحوّل إلى هدنة بين جماعات خائفة؟

هل بقيت الوطنية أم أصبح كل طرف يقول: «لبنان أولاً»، بشرط أن يكون لبنان كما أريده أنا؟

هنا يقف البطريرك إلياس الحويك أمام لبنان.

لا ليُدان.

بل ليحاكمنا نحن.

فالرجل الذي جاء من طائفة وجعل وطنه طائفته، يقف اليوم أمام وطن جعلت فيه الطوائف من نفسها، أحياناً، أوطاناً داخل الوطن.

وهذه هي المفارقة الكبرى.

هو بنى لبنان الكبير لأنه آمن بأن الوطن أكبر من الطائفة.

أما نحن، وبعد أكثر من مئة عام، فما زلنا نبحث عن جواب واحد:

هل نحن مستعدون أخيراً لأن نجعل لبنان أكبر من طوائفنا؟

لأن لبنان الكبير لا يموت فقط عندما تُنتقص أرضه.

يموت عندما تُنتقص سيادته.

ولا يموت فقط عندما تُهدد حدوده.

يموت عندما يصبح أبناؤه عاجزين عن الاتفاق على معنى الوطن.

ولا يموت لأن طوائفه مختلفة.

فالتنوع كان أساسه،

بل يموت عندما يصبح الاختلاف سبباً لإلغاء الدولة.

في ذكرى تطويب البطريرك إلياس الحويك، ربما لا يحتاج لبنان إلى أن يسأل السماء عن مستقبله.

ربما يحتاج فقط إلى أن يسأل نفسه:

هل ما زلنا نريد لبنان الكبير؟

فإن كان الجواب نعم، فليكن لبنان أولاً.

لا شعاراً، بل قراراً

لا عاطفة، بل دولة

لا ذكرى، بل مشروعاً.

وإلا، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للبنان ليس أن يخسر جزءاً من أرضه.

بل أن يبقى بكامل حدوده…

ويخسر معناه.
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

النهار بيديا 7/23/2026 9:12:00 PM
بعد أشهر من توليها وزارة التخطيط والتعاون الدولي، عُيّنت الدكتورة أفراح عبدالعزيز الزوبة وزيرةً للخارجية في اليمن، مستندة إلى خبرة تمتد لأكثر من 25 عامًا في إدارة البرامج الحكومية، والتعاون الدولي، والتفاوض مع الجهات المانحة
ايران 7/23/2026 5:59:00 PM
أعلن الموساد الإسرائيلي إحباط مخطط قال إن إيران تقف وراءه لاغتيال مسؤولين داخل إسرائيل، متهماً وزارة الاستخبارات الإيرانية بتجنيد شبكات إجرامية ومنفذين أجانب
لبنان 7/23/2026 11:30:00 AM

"القرار السياسيّ اتّخذ بوضوح في مجلس الوزراء لحصر السلاح، والنّص الدستوريّ يُخضع القوّات المسلحة اللبنانية لسلطة مجلس الوزراء، وبذلك أصبح أيّ تنفيذٍ لتفتيش منازل أو أيّ إجراء آخر ضمن سقف القانون"...

لبنان 7/23/2026 3:29:00 PM
نفت قوى الأمن الداخلي صحة الأخبار المتداولة عن العثور اليوم على حقيبة تحتوي على متفجرات في عين المريسة، موضحة أن حقيبة مشبوهة عُثر عليها أمس تبيّن بعد تفجيرها أنها فارغة.