الرجاء المقاوم
الاب ايلي قنبر
1-"حَتّى يَكونَ ٱلَّذينَ آمَنوا بِٱللهِ ذَوي ٱهتِمامٍ في ٱلقِيامِ بِٱلأَعمالِ ٱلصّالِحَة"
"في السلوك البشري تتجلّى وحدانية اللـه فتَنفي الاهواء البشريـة لأن الهَوى إلـَه"، على حدّ تعبير المطران خضر، أي "من ثمارهم تعرفونهم". مَن يؤمن بالله "الصالح" يكون صالحاً ويؤتي الأعمال الصالحة النافعة للناس. هذا ما صنعه إيليَّا النبيّ خلال حياته بعد أن "توحَّد مع الكلمــة، فاصطدم مع الملِك آخاب وابنه احَزيا الى انبياء البعـل وانبياء عشتـروت، أي مع ممثلي السلطـة وممثلي الجنس، وهُما كل الدنيا"... على حدّ تعبير المطران جورج، "فواجَه الاصنـام التي اصطنعـها النـاس الذين أهملـوا أنفسهم بلا إلـَه"... ونحن، ماذا صنعنا في مواجهة أنبياء البعل المعاصِرين؟
فلننطلق مع الرئيس الصينيّ الذي افتتح مؤتمر الذكاء الاصطناعي بالقَول: "لنَبنِ معاً منظومةً عادلة ومعقولة للحَوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي". وهو يلتقي مع البابا لاون الـ143 حيث يعتمد قاموس "محورية الإنسان". رافضاً "تعميم مفهوم الأمن القومي في مجال الذكاء الاصطناعي وتغليب أمن دولةٍ على أمن الآخرين"، أيّ دولة لا تحترم حقوق الانسان كما جاء في اجتماع بالڤاتيكان لوضع توجّهات لإدارة ذاك الذكاء لمصلحة الانسان.
فيما الغرب - الذي نشأ في ظلّ حضارة "على ظهر الحصان" والمناهِض للصين - يعمل على"مراكز بياناتٍ نهِمة للطاقة والماء تُثقل كاهل البيئة، ومجتمعاتٌ تُدفع إلى تلقّي صدماتٍ تقنية تسبق قدرتها على هضمها، وأجيالٌ قادمة ستَرِث عالماً صِيغت قواعده على عجل"، بحسب ع. عوّاد.
ولأنّ بعضنا يرى في الاحتلال قدَراً وحلًّا، والمقاومة فِعلاً مستحيلاً وعقيماً ومدمِّراً للبلد، يأتي رينِه شار، الشاعر المقاوم ليقول لنا إنّ "الوجود تحت الاحتلال... حياة مهدَّدة، وتقاوم كي تستعيد اكتمالها". فـ"حين يحتل العدو الأرض، يكتب الشاعر الاسم الذي يريد الاحتلال محوه". من هنا، لا بدّ من أن نفهم أنّ "الجنوب ليس أرض الضربة وحدها. هو أرض الردّ، والصبر، والعودة، وإعادة (الـ)بناء. الجنوب لا ينكر الموت، لكنه لا يسلّمه حق تعريف الحياة". الرجاء أن ترى الركام وتعرف مع ذلك أن الإنسان أقدم من الهدم".
يلتقي بابلو نيرودا مع ر. شار:" القصيدة محاولة لإعطاء الدم معنى سياسياً وإنسانياً. والشعر... يكو ن عظيماً... لأنه يسأل: مَن صنع الخراب؟ ومَن يُقاومه؟ ومَن سيَبني بعده؟".
وللمتشائمين أبداً في حالتنا الّلبنانيّة، فلنقرأ ت. أس. إليُوت: "الإنسان لا يكون أميناً للتاريخ إذا رأى النهاية وحدها ولم يرَ ما يمكن أن يبدأ منها". نعم "توجد... منطقة الرجاء المقاوم". لذا... الجنوب بلد يعود من آخره... إنّه ماء مخبّأ في الصخر... إنّه ذلك الفجر الذي يتأخّر طويلاً، لكنّه حين يأتي لا يعتذر من الّليل؛ يُزيحه" كما فعل إيليّا النبيّ بأنبياء البعل وبالأصنام الحجريّة والبشريّة.
لقد "أعطت إيزابيل كل مظاهر الشرعيّة للجريمـة. فتصدّى لها النبيّ (إيليّا) ناصِر الفقراء. فطاردَتـه الى الصحراء علّها بذلـك تُسكت من كان صوتَ الـلـه". واليوم، يُصارع مَن يقدِّم الحقائق لأن هناك مَن يتصدّى له ولا يريد أن يعرف الناس الحقيقة. الإعلام الغربيّ و"السوشال ميديا" التي تدور في فلكه وتُضلِّل الجماهير تلقّى صفعة من طلاّب الجامعات الأميركيّة حين استقصوا وعرفوا حقيقة ما يجري في فلسطين ومَن هو المجرم المُبيد؟ فكانوا جريئين في الشهادة ومناهضة التعسّف والملاحَقة بحقِّهم. كما وجدوا مطارح جديدة لبثّ الحقائق وتعميمها كي يحيا الناس "في النور، ولا يمشون في الظلام".
ومن وَحي تذكار إيليّا نبيّ "الإله الحقيقيّ وحده"، فهمنا أنّ النسيم اللطيف "كان مدخلاً إلى الحضرة الإلهيّة. (فـ) أدرك إيليا أن الوداعة هي العنـف الكبيـر، وأصحابها *يرثون الأرض*". وبعد ثمانية قرون، "في ذاك الجبل... فهم إيليا أن العنف الشرعي الوحيد هو الذي اتّخذه المسيح في جسده. وإذا رآه البشر يذوق الـموت حباً يهتدون إلى موكب القداسة".
2-"فَليُضئ نورُكُم قُدّامَ ٱلنّاسِ"
عاش الناس ماضياً في اليأس والجهل والمعاناة، غير أنّهم وُعِدوا بنورٍ يُضيء ظلمتهم أكّده ظهور"نعمة الله المخلِّصة جميع البشر" التي نقلتهم الى ضفّة "الحياة بوَفرة". تلك
نبؤة أشعيا هي لعصرنا وللمستقبَل أيضاً وأيضاً. كيف؟ "إنّ مصارعتنا ليست مع دم ولحم بل... مع حكّام العالم على ظلمة هذا الدهر". ومصارعتنا نحن في دوَل الطَوق هي مع الاستيطان الاستعماريّ، خصوصاً أنّ "الأُولوية، بالنسبة إليه كانت لإقامة مجتمع استيطاني قادر على النمو" أي الاستيطان البلاحدود. وقد برزت حركته كـ"ماكينة مؤسَّساتيّة هائلة سبقت خصومها بعقود" و"لم يكن المشروع يتحرّك بعفويّة، (بل) كان مشروعاً مدروساً ومخطَّطاً له مدى سنوات عدة، وأصحابه يعلمون ماذا يريدون وكيف يصلون إليه".
أمام الحركة الصهيونيّة الشديدة التنظيم، كيف يتصرّف المعنيّون من الشعوب ومن رؤسائهم؟ هل تواطأ كثيرون من المسؤولين المدَنيّين والدينيّن في آن واحد، إمّا خضوعاً وإمّا ارتشاءً أو قناعةً لأسباب شوڤينيّة أو سياسيّة منخرطة في الخطّ نفسه؟ هل عملوا على تنمية البلد وتحصينه من الداخل وأمام الخارج؟ ولِمَ لم تقُم الكنائس بالشهادة للربّ يسوع المسيح وتعمل مشيئته؟
نبض