الـ 10452 كم² أو الشتات: كيف يحمي "لبنان الكبير" مكوناته من الانتحار الجماعي؟

منبر 22-07-2026 | 10:43

الـ 10452 كم² أو الشتات: كيف يحمي "لبنان الكبير" مكوناته من الانتحار الجماعي؟

المطلوب اليوم خطوة تاريخية شجاعة تشبه شجاعة وفد 1920: ترك المشاريع الفئوية، والالتفاف حول الدستور، واحتضان منطق الشرعية والمفاوضات بلغة مرنة تجمع ولا تفرّق.

الـ 10452 كم² أو الشتات: كيف يحمي "لبنان الكبير" مكوناته من الانتحار الجماعي؟
البطريرك الحويك
Smaller Bigger

نعمه إبراهيم*



لم يكن إعلان دولة "لبنان الكبير" عام 1920 مجرد ترسيم لخطوط جغرافية، بل كان ولادة لمشروع حضاري صيغَ بمساحته التاريخية ليكون حصناً للتعددية في شرقٍ لطالما طحنته صراعات الأكثريات. واليوم، كلما مرت المنطقة بـ"مخاض تشكيلي" وخضات مصيرية، يثبت هذا الكيان بحدوده الكاملة أنه الضمانة الوجودية لكل مكوناته؛ فبديل الدولة هنا ليس نظاماً آخر، بل هو شتات وضياع للجميع.

 

في قراءة منصفة للتاريخ، يتجلى دور البطريرك إلياس بطرس الحويك، "عرّاب لبنان الكبير". لكن الحويك لم يقد معركته الديبلوماسية بوصفه زعيماً فئويّاً، بل كان على رأس وفدٍ جسّد عبقرية الميثاق اللبناني قبل ولادته. لقد انتزع الاعتراف بالدولة مسنوداً بقامات وطنية عابرة للطوائف؛ فكان إلى جانبه: عبد الحليم الحجار، ومحمد صبرا، ومحمد محسن، ومحمود جنبلاط، ونجيب عبد الملك. هؤلاء الرجال لم يطالبوا بوطن ضيق، بل حملوا تفويضاً شعبياً جامعاً ليؤسسوا دولة تضم الأقضية الأربعة على قاعدة المواطنة والعيش المشترك.

 

لطالما انهالت الانتقادات على خيار الوفد المؤسس عند كل محنة، وصوّرتْ نخب سياسية خطوتهم بتوسيع الكيان على أنها "خطيئة مميتة" لم تحمل فائدة للمسيحيين، وتجاهر أصوات اليوم بالفدرالية أو التقسيم بدعوى أن هذه الصيغة تخطاها الزمن. لكن إعلان الفاتيكان للحويك طوباوياً يحمل دلالة فائقة، فهو ليس مجرد تكريم روحي، بل هو بمثابة "صك براءة" فاتيكاني وتثبيت تاريخي لخيار لبنان الكبير الواحد. لقد كان الحويك وإخوانه رجال دولة، آمنوا بأن جغرافيا لبنان وروحيته لا تكتمل قيمتهما إلا بكونهما ملاذاً للحرية.

 

ولو فكرنا بمنطق الكيانات البديلة، لأدركنا أن الجميع كانوا سيرتدون رداء الخسارة، وأن هذا اللبنان هو الذي منح كل طائفة حجمها السياسي:

 

 المسيحيون

 

 

لولا هذا الكيان، لما كان لهم رئيس جمهورية يضمن وجودهم الفاعل، ويجعلهم شريكاً في القرار الدستوري بدل أن يكونوا "جالية" في محيط واسع.

 

 السنة

 

 

وجدوا في الدستور والميثاق مرساة أمان، حيث تحولت رئاسة الحكومة إلى موقع دستوري ثابت يحفظ توازنهم الوطني كركيزة لحماية عروبة لبنان ومؤسساته.

 

الشيعة

 

 

تحولوا في هذا الوطن إلى مكوّن أساسي وشريك كامل في صيغة الحكم، بدل الذوبان كأقلية ديموغرافية ضمن بحار إقليمية أوسع.
 الدروز: حمى الكيان خصوصيتهم الثقافية والتاريخية، وزعامة جبلهم العريق من الابتلاع تحت وطأة الديموغرافيات الضخمة المحيطة.

 

إننا نقف اليوم أمام لحظة الحقيقة؛ فأي محاولة للخروج من اتفاق الطائف، أو المغامرة بصيغة العيش المشترك في هذه اللحظة الحرجة، هي بمثابة انتحار جماعي يقذف بالوطن إلى المجهول. العودة إلى منطق "الدولة" ليست ترفاً، بل هي الفرصة الحقيقية والوحيدة للخروج من نفق الصراعات المفروضة علينا.

 

المطلوب اليوم خطوة تاريخية شجاعة تشبه شجاعة وفد 1920: ترك المشاريع الفئوية، والالتفاف حول الدستور، واحتضان منطق الشرعية والمفاوضات بلغة مرنة تجمع ولا تفرّق. بروحية البطريرك الحويك الطوباوية، نؤكد أن خسارتنا النهائية ستكون يوم نتخلى عن فكرة "الدولة"؛ فلبنان الـ 10452 كم² سيبقى كبيراً، طالما أن أبناءه يدركون أن سقوطه يعني سقوط الجميع.

 

-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية

الأكثر قراءة

النهار تتحقق 7/20/2026 11:50:00 AM
تصريحات رئيسي الجمهورية والحكومة اللبنانيين غير مسبوقة. "أتوجه إلى السوريين وأقول لهم إن لبنان بلدكم الثاني، وسنعاملكم كأبناء هذا البلد"، يقول جوزف عون في الفيديو.
لبنان 7/20/2026 9:10:00 PM
فرع المعلومات كان قد استدعى عليق في وقت سابق، إلا أنه تخلّف عن الحضور...
لبنان 7/21/2026 12:23:00 PM
أمانة جمارك جديدة يابوس، ضبطت 226 قنبلةً من نوع "RGC"، كانت مخبأة بإحكام ضمن مخابئ سرية داخل إحدى السيارات
لبنان 7/21/2026 12:52:00 PM
العقيد كان برفقته عدد من المهتمين بالآثار في جولة استكشافية لتصوير المواقع الأثرية وتوثيقها في منطقة بريصا الجردية...