اختفاء النحل في لبنان... أزمة بيئية تهدد الأمن الغذائي والزراعة
د. إبراهيم علايلي - سفير السلامة البيئية - باحث وخبير بيئي و مستشار دولي معتمد USA- GTB
لم يعد تراجع أعداد النحل في لبنان مجرد قضية تخص مربي النحل أو منتجي العسل فحسب، بل تحول إلى ملف بيئي وزراعي يثير قلق الخبراء، لما يمثله هذا الكائن الصغير من دور أساسي في تلقيح المزروعات والحفاظ على الأمن الغذائي والتنوع البيولوجي.
وتشير منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (FAO)
إلى أن نحو 75% من المحاصيل الغذائية في العالم تعتمد، كلياً أو جزئياً، على التلقيح الذي تقوم به الحشرات، وفي مقدمها النحل.
كما أن ما يقارب 35% من الإنتاج الزراعي العالمي يستفيد مباشرة من خدمات التلقيح، ما يجعل أي تراجع في أعداد الملقحات تهديداً للإنتاج الزراعي وجودة المحاصيل وتنوعها.
وفي لبنان، يعتمد مئات المزارعين على النحل لتلقيح أشجار التفاح والكرز واللوز والحمضيات والأفوكادو والعديد من الخضر. لذلك، فإن انخفاض أعداد خلايا النحل لا ينعكس على إنتاج العسل فحسب، بل يمتد إلى إنتاجية المحاصيل نفسها، وقد يؤدي إلى انخفاض كمياتها وارتفاع تكلفة إنتاجها.
ولا توجد حتى اليوم قاعدة بيانات وطنية محدثة توثق حجم التراجع السنوي في أعداد النحل في لبنان، إلا أن نقابة مربي النحل وخبراء في القطاع يؤكدون تسجيل خسائر متكررة في عدد من المناحل خلال السنوات الأخيرة، نتيجة مجموعة من العوامل البيئية والمناخية المتداخلة.
ويُعد الاستخدام المفرط للمبيدات الزراعية، ولا سيما منها بعض المبيدات الحشرية، من أبرز أسباب نفوق النحل، إذ تؤثر هذه المواد في جهازه العصبي وتضعف قدرته على العودة إلى الخلية. كما ساهمت موجات الحر المتكررة، وارتفاع درجات الحرارة، وتراجع معدلات الأمطار، في تقليص فترات الإزهار التي يعتمد عليها النحل للحصول على الرحيق وحبوب اللقاح.
ولا تقف التحديات عند هذا الحد، إذ تؤدي الحرائق المتكررة التي شهدتها الأحراج اللبنانية خلال الأعوام الأخيرة إلى القضاء على مساحات واسعة من النباتات البرية والأزهار، ما يحرم النحل مصادر غذائه الطبيعية.
كما يفاقم التوسع العمراني وتراجع المساحات الخضراء من فقدان الموائل التي تحتاجها الملقحات للبقاء والتكاثر.
وتحذر المنصة الحكومية الدولية للعلوم والسياسات في مجال التنوع البيولوجي وخدمات النظم الإيكولوجية من أن الملقحات تساهم في إنتاج محاصيل تتجاوز قيمتها الاقتصادية عالمياً 235 إلى 577 مليار دولار أميركي سنوياً، ما يوضح حجم الخسائر المحتملة في حال استمرار تراجعها.
ويرى خبراء أن مواجهة هذه الأزمة تتطلب تشديد الرقابة على استخدام المبيدات، وتشجيع الزراعة الصديقة للملقحات، وحماية الغابات والمراعي الطبيعية، والتوسع في زراعة النباتات المزهرة، إلى جانب دعم مربي النحل وتطوير برامج الرصد العلمي لرصد أعداد الخلايا وصحتها بشكل دوري.
قد يبدو اختفاء النحل مسألة بيئية محدودة، لكنه في الواقع مؤشر على خللٍ أوسع يصيب الأنظمة الطبيعية التي يعتمد عليها الإنسان في إنتاج غذائه. فكل تراجع في أعداد هذا الكائن الصغير قد ينعكس، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على الزراعة والاقتصاد والأمن الغذائي.
ويبقى السؤال: هل يتحرك لبنان اليوم لحماية النحل قبل أن تتحول هذه الأزمة البيئية إلى أزمة غذائية يصعب احتواؤها؟
نبض