السيادة المجزأة: "أناتومي" المأزق الإقليمي واستعصاء السلام في الشرق الأوسط
أنهل أ. قزحيا
تُنساق التحليلات الشائعة لسر الاضطراب المزمن في الشرق الأوسط، في غالب الأحيان، نحو تفسيرات اختزالية حادة؛ فإما أن تستند إلى أدبيات الواقعية الهيكلية التي تفسر السياسة بوصفها مجرد صراع موازين قوى بين دول عقلانية وحاسمة، وإما أن تهبط إلى القدرية الطائفية التي ترجع النزاعات لكونها مجرد أحقاد تاريخية وثقافية عابرة للزمن. وعلى رغم الإغراء الذي تقدمه هذه المقاربات في تبسيط مشهدٍ شديد التعقيد، إلا أنها تفشل أمام اختبار التحليل السياسي الدقيق، لأنها إما تتعامل مع الدولة ككيان موحد ومكتمل السيادة، وإما تجعل من الهوية قدراً بيولوجياً مغلقاً يتجاوز المؤسسات والتاريخ.
إن التشخيص البنيوي للمأزق الراهن يتطلب التخلص من هذه التبسيطات، والبدء من ملاحظة جوهرية مفادها أن الشرق الأوسط يعاني أزمة انهيار الحد الفاصل بين الهوية الداخلية والجيوسياسية الإقليمية. ولتفكيك هذا الاستعصاء، ينبغي قراءة المشهد عبر عدستين متكاملتين هما سياسات الهوية وتحويل النزاعات، بحيث يكشف هذا الإطار حلقةً مفرغة تحول فيها الانقسامات المجتمعية دون تشكل دولة وطنية صلبة و مكتملة السيادة، بينما تُحوّل هذه الهشاشة الداخلية الدولةَ نفسها إلى مسرح نفوذ ومصدر تهديد دائم لجوارها الإقليمي.
تكمن العقبة الأساسية أمام بناء السلام على المستوى الوطني في غياب عقدٍ اجتماعي موحد قادر على صهر الانتماءات الفرعية في هوية مواطنية جامعة. ففي العديد من مجتمعات المنطقة، يلاحظ بوضوح تقدم مفهوم إبن الجماعة على حساب مفهوم المواطن، وهو أمر لا يعود إلى قصور ثقافي تأصيلي، بل يمثل رد فعل عقلانياً على فشل المؤسسات المركزية. فعندما تعجز الدولة عن توفير الأمن الأساسي والعدالة الاجتماعية وسردية الانتماء الموحدة، تكسر الجماعات قبل الوطنية حالة الانكفاء لتصبح هي الضامن الأساسي للوجود والبقاء.
هذا التفتت الهيكلي يعيد صوغ مفهوم السياسة الخارجية بالكامل. ففي الدولة الوطنية السليمة، تشكل السياسة الخارجية أداةً مركزية لحماية المصلحة الجماعية، بينما تُمارس هذه السياسة في المجتمعات المنقسمة عبر "خوصصة" غير معلنة، حيث تتصرف كل جماعة محليّة ككيان شبه سيادي له أجندته المستقلة عن السلطة المركزية. فتُنشئ كل طائفة أو قبيَلة شبكة علاقات خارجية خاصة بها، وتستجلب الدعم المالي والعسكري من أطراف خارجية، وتحدد بشكل منفرد من هو الشقيق ومن هو العدو؟
ومن منظور سياسات الهوية، تكتسب هذه الممارسة عمقاً خطيراً لأن الجماعات المتنافسة ترى التطورات الإقليمية بمنظار الوجود والعدم. فأي تحالف تقيمه إحدى الجماعات مع قوة إقليمية حمايةً لنفسها، يراه منافسوها الداخليون تهديداً مباشراً لميزان القوى المحلي. ويدفع هذا الخوف الجماعات الأخرى نحو البحث عن رعاية خارجية موازية، فتتحول الدولة من فاعل متماسك على الساحة الدولية إلى مسرح تتصارع فيه المحاور الإقليمية بأيدٍ محلية، وتفقد السلطة المركزية احتكارها للسياسة الخارجية وأدوات القوة، ليصبح المجال السياسي الداخلي موصلاً ممتازاً للتوترات الإقليمية.
يتغذى هذا التفتت الداخلي بشكل مباشر على المستوى الثاني من الأزمة، وهو المستوى الإقليمي. إذ تتسم العلاقات بين دول المنطقة بتقلباتٍ حادة ونموذج الصراع الصفري، لأن السياسة الخارجية للدول نادراً ما تكون مفصولة عن هواجس بقاء الأنظمة والنخب الحاكمة. فتدار غالبية الدول تحت أزمة مشروعية هشة أو ظروف اقتصادية ومجتمعية ضاغطة. ولأن هذه الأنظمة تدرك أن حدودها السياسية مخترقة بفعل الامتدادات الأيديولوجية والدينية والعرقية، فإنها تتعامل مع الشؤون الداخلية لجيرانها ليس كسيادات مستقلة يجب احترامها، بل كمتجهات أمنية تحمل فرصاً للضغط أو تهديدات سريعة الانتقال.
ونتيجة لذلك، لا تُبنى العلاقات الإقليمية على مصالح استراتيجية واضحة وطويلة الأمد، بل تُختطف الديبلوماسية من المخاوف الأمنية اللحظية. وعندما تشعر دولة ما بضغوط أو اضطرابات داخلية، تميل بنيوياً إلى ممارسة سياستها الخارجية بأسلوب هجومي، فتسعى للتأثير في الانقسامات المجتمعية لجيرانها لتأسيس مساحات نفوذ أو خطوط دفاع متقدمة. يولد هذا الديناميكي بيئةً معقدة من عدم الثقة المتبادلة، بحيث يُنظر إلى أي تقارب إقليمي بشك، وتُفسر أي تسوية على أنها محاولة لإعادة توزيع أدوات الاختراق الداخلي، مما يجعل بناء إجراءات الثقة عملية شاقة ومحفوفة بالتعثر.
إن الخروج من هذا الاستعصاء المزدوج يتطلب مجاوزة مقاربة السلام السلبي، الذي يكتفي بوقفٍ وقتي لإطلاق النار أو إبرام هدنة بين الفاعلين، والانتقال نحو السلام الإيجابي القائم على إعادة بناء المؤسسات وتحويل بنية العلاقات. فالخطوة الأولى تبدأ من إصلاح البنية الداخلية للدولة عبر صوغ أطرٍ دستورية وسياسية تضمن لمكوناتها المختلفة عدم التهميش أو الخوف من هيمنة الطرف الآخر. وهذا يقتضي التوجه نحو أشكال حوكمة متطورة تعتمد اللامركزية الموسعة أو الشراكة السياسية الممثلة للجميع، مما يطوّق الخوف المجتمعي ويرفع الحاجة عن استيراد الحماية الخارجية، فيعيد الى الدولة هيبتها واحتكارها الشرعي للسياسة الخارجية.
وعلى الصعيد الإقليمي، يتطلب الانتقال نحو بيئة مستقرة صوغ أمنٍ إقليمي جديد يقوم على إدراك أن أمن أي دولة لا يمكن أن يتحقق عبر التسبّب بالخوف الدائم لجيرانها. ويقتضي هذا تحويل مسار الحوارات الإقليمية من الملاطفات الأيديولوجية أو المواجهات الصفرية نحو الملفات الملموسة ذات النفع المشترك، كالأمن المائي، والتغير المناخي، والربط الاقتصادي، وضمان حركة التجارة. إن هذا التحول في منطق العلاقات يساهم في بناء شبكات أمانٍ قائمة على الشفافية والأمن المتبادل بدلاً من السعي المستمر لإضعاف الآخر.
في النهاية، يتضح أن مأزق السلام في الشرق الأوسط ليس حتمية تاريخية ولا نتاج طبيعة ثقافية غير قابلة للتعايش، بل هو نتيجة خللٍ بنيوي في كيفية تنظيم القوة والهوية والسيادة. لقد أدى تشابك الانقسامات الوطنية مع التنافسات الإقليمية إلى خلق نظام متوتر يتغذى فيه العجز الداخلي للدول على التدخلات الخارجية، وتقتات التدخلات الخارجية على الانقسامات الداخلية. إن كسر هذه الحلقة المفرغة يقتضي جرأةً في إعادة التفكير السياسي، والانطلاق من يقين مفاده أن التماسك الاجتماعي الداخلي هو شرط الأساس للأمن الخارجي، وأن الدولة لن تكون شريكاً موثوقاً في السلام الإقليمي إلا إذا أصبحت أولاً بيتاً جامعاً وآمناً لجميع أبنائها.
نبض