الشهرة ليست حصانة... كيف تهز المؤثرين صورة القدوة؟
الدكتورة داليا مزهر
أمام شهرة الاسم كدكتور للطعام، ليس سهلاً أن تمتزج سموم المواد المخدرة بحلاوة الويفر والعسل .
ففي عصر الاقتصاد الرقمي، لم يعد المؤثر مجرد مروّج لمنتج، بل أصبح فاعلاً اجتماعياً يمتلك قدرة كبيرة على تشكيل القيم والاتجاهات وأنماط السلوك، مستنداً إلى رأس مال رمزيّ ورقميّ راكمه عبر سنوات من بناء الثقة مع جمهوره، نظراً إلى استغلال العاطفة والخيال للاتصال بالآخر؛ هذا ما أوضحه في كتابه غوستاف لوبان، سيكولوحية الجماهير .
وعندما أصدر الحكم القضائي في محكمة جبل لبنان بحق شخصية يتابعها ملايين الأشخاص (سبعة ملايين مشاهد)، فإن أثر ذلك لم يقتصر على الجانب القانوني، بل يمتد إلى المجال الاجتماعي والنفسي أيضاً، حيث يعيد تشكيل صورة المؤثر في الوعي الجمعي، وفي مخيلة كلّ متابع اختاره مؤثراً له، ما يبعث برسائل واضحة حول حدود المسؤولية الاجتماعية التي ترافق النفوذ الرقميّ اليوم وسلطته .
إن امتلاك أكثر من سبعة ملايين متابع يعني امتلاك قدرة واسعة على التأثير، ولا سيما في فئة الشباب والمراهقين الذين يتأثرون بالنماذج الرقمية أكثر من أيّ وقت مضى. لذلك، فإن استغلال هذه الثقة للترويج لأنشطة غير مشروعة لا يُعدّ انحرافاً فردياً فحسب، بل يُمثل خرقاً للعقد الأخلاقي الذي يربط المؤثر بجمهوره.
ومن منظور علم الاجتماع، فإن خطورة القضية لا تكمن في الاتجار بالموادّ المخدرة فقط، بل في توظيف الرأسمال الاجتماعي والسمعة الرقمية لتطبيع سلوك غير مشروع، وتحويل الثقة الجماهيرية إلى وسيلة لتحقيق مكاسب غير قانونية.
لذلك، فإن الأحكام القضائية في مثل هذه القضايا لا تستهدف الشخص وحده، بل تؤدي أيضاً وظيفة اجتماعية ردعية، إذ تعيد التأكيد أن المكانة الرقمية لا تمنح حصانة تجاه المساءلة، وأن النفوذ على منصات التواصل يقابله قدر أكبر من المسؤولية تجاه المجتمع.
كذلك، لا ننسى - وهو الأهم - أن تطبيق القانون إجراءٌ يعزز الضبط الاجتماعي، ويحدّد مساراً لضرورة الالتزام بالمسؤولية الأخلاقية في زمن العالم الرقمي، حيث أصبح أكثر الفئات يلهثون إلى عالم الشهرة التي تبدو سهلة الوصول، ويعمدون إلى الالتحاق بمعاييير إعلانية تتجه نحو صناعة القبول والجزم لتكون الفكرة مقبولة اجتماعياً، متوفرة، سطحية نوعاً ما، ثم معروفة ومتوقعة.
إن استغلال الشهرة فعلٌ خطير، ويجب أن يواجه بالمحاسبة وفقاً للقانون؛ فالمؤثر اليوم يمتلك القدرة على تشكيل السلوك والاتجاهات. لذلك، فإن أثر الجريمة يتجاوز الجريمة الفردية، ليصبح تهديداً للأمن الاجتماعي، بعد إعطاء المتابع رغبة في التقليد، خاصة أنه من بعد تصريح البلوكر أنه تعاطى مادة المخدرات في فترات زمنية سابقة. وهنا ينسى المتابَع أن متابعيه هم أشخاص يتأثرون، ويقلّدون في أسلوب الحياة، وفي أعمار مختلفة، ولا سيما المراهقون .
ولعل أخطر مقومات هذه الجريمة أنها منظمة، يشترك فيها مجموعة أشخاص بالقيام بأعمال غير شرعية ممنهجة. من هنا، تقع المسؤولية الكبرى على المنصات وصناع المحتوى، لمراقبة ما يجري ترويجه، متسلّحين بشهرتهم، وملحقين الضرر بأفكار فئات المجتمع. ومن الضرورة بسط سلطة وسيادة القانون ووزارة الإعلام على المواقع الإلكترونية وصناع المحتوى وترسيخ ثقافة الفكر النقدي العقلاني غير العاطفي بوصفها خط الدفاع الأول بمواجهة أسوار الشهرة المقدسة .
نبض