في الدفاع عن الشريك الشراكة الوطنية في مواجهة منطق الغلبة الوطن الذي يخاف من أبنائه

منبر 20-07-2026 | 09:55

في الدفاع عن الشريك الشراكة الوطنية في مواجهة منطق الغلبة الوطن الذي يخاف من أبنائه

ليست الأوطان حدوداً تُرسم على الخرائط، ولا جيوشاً ترابط على التخوم، ولا دساتير تُحفظ في خزائن البرلمانات. تلك كلها مظاهر الدولة، أما الوطن، في جوهره، فهو معنى قبل أن يكون مكاناً، وثقة قبل أن يكون سلطة، وميثاق أخلاقي قبل أن يكون عقداً دستورياً. فإذا تهاوت الثقة، لن تحمي الحدود أصحابها، وإذا انكسر الميثاق، لن تنقذ النصوص دولةً فقدت روحها.
في الدفاع عن الشريك الشراكة الوطنية في مواجهة منطق الغلبة الوطن الذي يخاف من أبنائه
تعبيرية
Smaller Bigger

الشيخ عباس الجوهري - رئيس "المركز العربى للحوار"

 

 

ليست الأوطان حدوداً تُرسم على الخرائط، ولا جيوشاً ترابط على التخوم، ولا دساتير تُحفظ في خزائن البرلمانات. تلك كلها مظاهر الدولة، أما الوطن، في جوهره، فهو معنى قبل أن يكون مكاناً، وثقة قبل أن يكون سلطة، وميثاق أخلاقي قبل أن يكون عقداً دستورياً. فإذا تهاوت الثقة، لن تحمي الحدود أصحابها، وإذا انكسر الميثاق، لن تنقذ النصوص دولةً فقدت روحها.

ولعل المأساة الكبرى في لبنان لم تكن يوماً في أنه وطن متعدد الطائفة، ولا في أنه ملتقى حضارات وانتماءات، ولا في أن أبناءه اختلفوا في قراءة تاريخهم أو في تصور مستقبلهم. فالتعددية ليست عيباً في ذاتها، بل قد تكون أسمى صور الغنى الإنساني. والمشكلة ليست في الاختلاف، وإنما في الخوف من الاختلاف؛ ليست في وجود الآخر، بل في الارتياب الدائم من حضوره، وفي الظن أن قوة الشريك لا بد من أن تكون بداية ضعفنا، وأن صعوده لا بد من أن يكون مقدمةً لأفولنا.

منذ ولادة لبنان الحديث، عاش أبناؤه تحت وطأة خوفٍ متبادل. خاف المسيحي على الكيان، وخاف السني على وجه لبنان العربي، وخاف الدرزي على الجبل ودوره التاريخي، وخاف الشيعي طويلاً من أن يبقى خارج الدولة أو على هامشها. ومع الزمن، تحولت هذه المخاوف من هواجس تاريخية إلى ثقافة سياسية، وصار كل فريق يقرأ تقدم الآخر بوصفه تراجعاً له، ويحسب المكاسب الوطنية بلغة الخسائر الطائفية.
هنا تكمن العقدة اللبنانية.

فلبنان لم يكن يوماً وطناً يُدار بمنطق الغلبة، ولم يُكتب له أن يستمر إلا كلما اقترب من الشراكة، وابتعد عن الإلغاء. وكلما ظن فريق أن الزمن قد استقر له، وأن بإمكانه أن يحكم وحده أو يختصر الوطن في رؤيته، عاد التاريخ ليذكره بأن لبنان أكبر من أي غالب، وأبقى من أي موازين قوى، وأن هذا البلد لا ينهزم حين يختلف أبناؤه، بل حين يتوقف بعضهم عن الاعتراف بأن الآخرين شركاء فيه.

ولذلك، لم يكن الميثاق الوطني، ثم اتفاق الطائف، مجرد تسويتين سياسيتين بين أطراف متنازعة، بل كانا اعترافاً عميقاً بحقيقة لم تستطع الجغرافيا ولا التاريخ تجاوزها: أن لبنان لا يعيش إلا إذا شعر جميع أبنائه أنهم شركاء في قيامه واستمراره، وأن الدولة التي يطمئن إليها فريق ويخاف منها فريق آخر، لا تكون دولةً مكتملة، بل سلطةً تنتظر أزمة جديدة.

وقد أدرك كبار منظري السياسة في المجتمعات التعددية هذه الحقيقة قبل أن تتحول إلى تجربة لبنانية. فمنذ أن حذر ألكسيس دو توكفيل من استبداد الأكثرية، وصولاً إلى أرند ليبهارت الذي رأى في الديموقراطية التوافقية الصيغة الأجدر بحماية المجتمعات المنقسمة، أصبح واضحاً أن الديموقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع، ولا حساباً رياضياً للأصوات، بل منظومة تضمن أن يبقى المختلف شريكاً، لا ضحيةً لنتيجة انتخابية عابرة.

ولم يكن هذا الفهم غريباً عن التجربة الفكرية اللبنانية. فقد دافع شارل مالك عن الحرية بوصفها أساس الكيان، ونادى الإمام موسى الصدر بدولةٍ يشعر فيها المحروم أنه شريك لا تابعاً، وسعى الشيخ محمد مهدي شمس الدين إلى ترسيخ فقه سياسي يؤكد أن الدولة العادلة لا تُبنى إلا بمشاركة جميع أبنائها، بينما ظل السيد هاني فحص يذكّر بأن الحوار ليس ترفاً ثقافياً، بل هو الشرط الأخلاقي لبقاء الوطن.

هذا المقال ليس دفاعاً عن حزب، ولا مرافعة عن سلطة، ولا بياناً في مواجهة بيان. وليس المقصود منه أن يوزع صكوك البراءة أو لوائح الإدانة، فالتاريخ أكثر تعقيداً من أن يُختصر في أبيض وأسود، والسياسة أوسع من أن تُختزل في رواية واحدة.

إنه محاولة للبحث عن سؤال يكاد أن يضيع وسط صخب الأحداث اليومية:

ما الذي يبقي لبنان وطناً، عندما تتبدل موازين القوى؟

هل هو انتصار فريق على آخر؟

أم ثبات المبدأ الذي يحكم علاقة الشركاء بعضهم ببعض؟

لقد شهد لبنان تحولات كبرى، وتعاقبت عليه مراحل شعر فيها كل فريق، مرة على الأقل، أنه صار الأقوى أو أنه أصبح الأضعف. لكن ما لم يتغير هو أن كل محاولة لتحويل التفوق السياسي إلى غلبةٍ دائمة انتهت إلى أزمة جديدة، وأن كل محاولة لبناء الدولة على قاعدة الإقصاء سرعان ما تحولت إلى مشروع لإنتاج إقصاءٍ مضاد.

من هنا، لا يدافع هذا المقال عن طائفة بوصفها طائفة، بل عن حق كل مكوّن لبناني في أن يبقى شريكاً كاملاً في وطنه. وهو يناقش التجربة الشيعية المعاصرة لأنها جزء أساسي من هذا السؤال، لا لأنها وحدها تختزل القضية اللبنانية.

إن الشراكة ليست امتيازاً يمنحه المنتصر، ولا تنازلاً يقدمه القوي، ولا تسوية موقتة يفرضها ميزان القوى. إنها الفكرة التي من أجلها وُجد لبنان، والشرط الذي من دونه يفقد هذا الوطن منطقه قبل أن يفقد نظامه.

قد يختلف القارئ وربما يعترض على بعض القراءات أو الاستنتاجات، وهذا حقه الطبيعي. غير أن غاية هذه السطور ليست إقناع الجميع برأي واحد، بل دعوة الجميع إلى التفكير في سؤال واحد:

هل يبقى لبنان وطناً إذا تحولت الشراكة من حق ثابت إلى منحة موقتة يمنحها الغالب متى شاء، ويحجبها متى شاء؟

ذلك هو السؤال.

ولعل الجواب عنه هو، في الوقت نفسه، الجواب عن مستقبل لبنان كله.

    
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

كتاب النهار 7/20/2026 5:40:00 AM
لا يزال لبنان يراهن على موقف أميركي ضاغط لانتزاع ورقة الانسحاب، في مواجهة الممانعة المتصاعدة والضغوط التي يمارسها "حزب الله"
النهار تتحقق 7/20/2026 11:50:00 AM
تصريحات رئيسي الجمهورية والحكومة اللبنانيين غير مسبوقة. "أتوجه إلى السوريين وأقول لهم إن لبنان بلدكم الثاني، وسنعاملكم كأبناء هذا البلد"، يقول جوزف عون في الفيديو.
لبنان 7/19/2026 1:32:00 PM
تبدو الأيام المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت البلاد ستنجح في تجنب العتمة الشاملة.
لبنان 7/20/2026 9:10:00 PM
فرع المعلومات كان قد استدعى عليق في وقت سابق، إلا أنه تخلّف عن الحضور...