قِصّة إبريق... الكهرباء في لبنان
الكهرباء عقدة لبنانية، مثلها مثل عشرات العقد الأخرى التي لا حلّ لها من دون تدخّل قوى خارقة من عالم آخر.
جان كلود سعاده
بالإذن من خبراء الطاقة والكهرباء،
وكذلك نعتذر سلفاً من جميع العرّافين العاملين في الفضاء اللبناني، والعالمين بخفايا الغيب والإشارات الآتية من العالم الآخر، لتدخّلنا في مجال اختصاصهم.
أمّا وقد عاصرنا قصّة إبريق الزيت التي إسمها "الكهرباء"، فيمكننا التوقّع، وبدرجة عالية جداً من الثقة، بأن:
لبنان لن يرى الكهرباء 24/24 بوسائله الذاتية، لا في هذا الزمن ولا في المستقبل المنظور.
لأنّه، صراحةً، بعد تجربة 36 سنة في دولة الطائف المجيدة، وبعد معاصرة جميع الخطط، كمواطنين موعودين بالكهرباء وبالخدمات الأساسية، وبعد الواقع المؤسف الماثل أمامنا حالياً، فقد تكوّنت لدينا قناعة ثابتة بأنّ مسألة الكهرباء في لبنان تتخطّى النيات والخطط والحصص، وتفوق تعقيداتها قدرة الجميع على إيجاد حلّ منطقي وسريع.
بكلام آخر نقول: الكهرباء عقدة لبنانية، مثلها مثل عشرات العقد الأخرى التي لا حلّ لها من دون تدخّل قوى خارقة من عالم آخر. وهي، بالتالي، متروكة للوقت وللتقاذف من مرحلة إلى أخرى (مع ضمّة على حرف الألف).

لكن، من مبدأ البحث الدائم عن حلول مبتكرة لتحسين حياة الناس في هذه الحياة وفي هذا الزمن، من دون مزيد من التأجيل، نرى أنّ هناك حلًا ممكناً للكهرباء إذا استطاع لبنان إليه سبيلاً.
هذا الحلّ لمشكلة إنتاج الكهرباء في لبنان يكون بالتحاق لبنان بالربط الكهربائي العربي، على أن تبقى على الدولة اللبنانية مسؤولية تطوير الشبكة والخدمات والجباية، وعندها يكون هذا التطوير مدعوماً بكهرباء مؤمّنة 24/24.
أ - مشاريع الربط الكهربائي التي تعني لبنان
مشاريع الربط الكهربائي العربي متعددة، وهي تشمل معظم الدول العربية، لكن على شكل شبكات إقليمية مترابطة، وليست هناك شبكة واحدة مكتملة حتى الآن. أمّا المشاريع التي تعني لبنان مباشرة من حيث القرب الجغرافي فهي تحديداً اثنان:
1 - من ناحية أولى، هناك الربط بين دول الخليج (هيئة الربط الكهربائي الخليجي)، والذي يشمل دولاً غنية بمصادر الطاقة مثل السعودية والكويت والبحرين وقطر والإمارات وعُمان. وقد سمعنا أخيراً أنّ هذا الربط الخليجي سوف يشمل العراق قريباً. وهذا يعني أنّ هذا الربط الكهربائي أصبح على حدود سوريا الشرقية، إذا وُجد مشروع عربي لربط اقتصادي بين دول الخليج ودول المشرق، فقد تكون له أبعاد تتخطّى الكهرباء والطاقة.
2 - من ناحية أخرى، هناك الربط الكهربائي بين مصر والأردن وسوريا، والذي توقّف خلال سنوات الحرب في سوريا، مع مساعٍ لإعادة تفعيله.
الهدف من هذه المشاريع هو تبادل فائض الكهرباء بين الدول، وتحسين استقرار الشبكات، وتقليل الانقطاعات، إضافةً إلى خفض تكلفة إنتاج الكهرباء، ودعم دمج مصادر الطاقة المتجددة.

ب - مشاريع الربط التي أُدرج فيها لبنان
لبنان مُدرج في مشاريع عدة للربط الكهربائي، لكن معظمها لم يصل بعد إلى التشغيل الكامل بسبب الأوضاع السياسية، والأضرار التي لحقت بالشبكات، والحاجة إلى استثمارات إضافية. ومن أبرز هذه المشاريع:
1 - مشروع الربط العربي الثماني:
يربط مصر والأردن وسوريا ولبنان والعراق وفلسطين وليبيا وتركيا. فلبنان متصل فعلياً بالشبكة السورية، ممّا يتيح نظرياً وصول الكهرباء المصرية عبر مصر والأردن وسوريا إلى لبنان عند اكتمال التشغيل.
2 - استئناف استجرار الكهرباء من الأردن عبر سوريا:
هذا المشروع كان مطروحاً منذ سنوات عدة لتزويد لبنان نحو 250 ميغاواط. وفي العام الحالي 2026 عادت الاجتماعات الوزارية بين الأردن وسوريا ولبنان، وأُعلن أنّ الدراسات الفنية وتقييم الشبكات وصلت إلى مراحل متقدمة، ويجري العمل على استكمال الترتيبات الفنية والتعاقدية. كما تقترح بعض الدراسات الإقليمية إنشاء خط نقل إضافي بجهد 400 كيلوفولت بين سوريا ولبنان لزيادة قدرة نقل الكهرباء المصرية إلى لبنان مستقبلًا.
3 - الربط الكهربائي مع قبرص:
يُعدّ مشروعاً استراتيجياً جديداً يهدف إلى ربط لبنان بالشبكة الأوروبية عبر قبرص، لكنه لا يزال في مرحلة التخطيط.
إنّ التحاق لبنان بأحد هذه المشاريع سوف يؤمّن حلًا لمشكلة الإنتاج المحلي للطاقة الكهربائية، مع ضرورة إبقاء التركيز على تطوير مصادر أخرى للطاقة محلياً، كتشجيع الشراكات مع القطاع الخاص لإنتاج الكهرباء من المصادر النظيفة والمتجددة.
يبقى السؤال: ماذا يمكن لبنان أن يقدّم لكي يدخل في مثل هذه المشاريع؟ خصوصاً أنّه لا ينتج الطاقة الرخيصة، ولا يشكّل ممراً جغرافياً إلزامياً لأيّ من هذه المشاريع؟
والسؤال التالي والعملي هو: هل لدى لبنان الجديّة والمثابرة اللازمة لحلّ هذه المشكلة المستعصية "مرّة لكلّ المرّات"، فننتهي من أحد أكثر الرموز سلبيةً للفشل الذي رافق العقود الماضية؟
نتوقّف عن التوقّعات عند هذا الحد، على أمل أن نرى قريباً ثقباً ما، أو "فتحةً"، في هذا الجدار الأسود والثقيل.
نبض