ابتسام غنيمة
احتار قلمي... تردّد... تلعثم... بحث عن الكلمات التي طالما أطاعَته، فخذَلَته...
ماذا أكتب عمَّن عُرِف بمواقفه الوطنيّة وأنّه "رجل الاستقلال" على الأرض، فاختارَته السّماء لينعمَ في ملكوت الآب؟
ماذا أقول في مَن لُقِّبَ بـ "أب لبنان الكبير"، فلم يعد أبًا للمسيحيّين فقط، بل لشعب متشعّب الميول والطّوائف والانتماءات؟
كيف أُشبع الورق حِبرًا في مَن كان رمزَ العطاء، فلم يبخل بأمواله وأموال البطريركيّة المارونيّة والأوقاف والأديار من أجل إطعام الجائعين، مسلمين ومسيحيّين، في الحرب العالميّة الأولى؟
كنتُ أظنّ أنّ طريق القداسة الألمُ، والانعتاق، والتّصوّف، والزّهد في الدّنيا...
كنتُ أظنّ الصلاةً حوارًا دائمًا مع الله، وأنّ الصّمت أعظم صلاة...
حتّى أثير ملفّ تطويب البطريرك الياس الحويّك، فتغيّرت نظرتي إلى القداسة. سيّما وأنّني أيضًا ابنته، تلقّيت العلم منذ طفولتي على يد بناته (راهبات العائلة المقدّسة المارونيّات)، وما زلتُ طفلةً ألوذ إلى أحضانهنّ كلّما أرهقَتني الحياة... فتعلّمت وتعلّمت...
علّمتنا أيّها البطريرك أنّ القداسة لا تكون بالصّلاة وحدها، بل بالفعل؛
لا تكون بالزّهد والتّصوّف، بل بخوض غمار الحياة السّياسيّة والاجتماعيّة من أجل الحقّ والسّيادة؛
أنّ حبّ الوطن والتّمسّك بكرامته واستقلاله درب تصعد بنا نحو العلوّ؛
أنّ المحبّة يجب أن تكون شاملة وإنسانيّة، والإنسانيّة لا تعرف ديانة...
أنّ المصلحة الشّخصيّة تنزاح لصالح المصلحة العامّة؛
أنّ العلم رسالة تنجب إنسانًا يليق بالإله؛
أنّ الله هو صرخة حقّ في وجه الباطل، ورغيف خبزّ يسدّ رمق جائع، وموقف ثابت في عالم متزعزع...
لقد وضعتَ حجر الأساس في بنيان استقلال لبنان...
تعالَ! تعال!
تعالَ واطرد تجّار الهيكل من هذا البنيان!
تعالَ وأطعم الجياع من خبزهم الذي سرقه الأسياد!
تعالَ ورتِّب الفوضى في النّفوس، واجمع الخراف الضّالّة وأعدها إلى حظيرة الآب!
استعِر سيف مار الياس واقطع رأس الفساد!
تضرّع إلى الله كي يمطرَ نارًا وكبريتًا على سدوم هذا العصر!
عملتَ لمجد لبنان بدءًا بالإنسان الذي رأيتَ فيه صورة الله، فإذا بالله يكرمك بجسد نجا من عبث مخالب الموت، جسد ما زال طريًّا، وعبق أنفاسك يملأ مثواك.
كنتَ تردّد: "إلهي اجعلني أعيش وأموت برضاك". ما أعظم رضا الآب؛ فها الكنيسة ستحتفل بعد أيّام بإعلانك طوباويًّا لنقول للعالم ولكلّ مَن يتربّص بأرضنا:
سنبقى حصرمة في أعين كلّ طامع، ما دام لبنان بلد القداسة والقدّيسين!
نبض