تعقيدات المشهد الإقليمي وسيناريوهات الاستقرار المأمول
ضمن سياق التحليل الاستراتيجي للتوترات الإقليمية الراهنة، تبرز أبعاد متشابكة ومعقدة للصراع، حيث تتقاطع الأهداف العسكرية المباشرة مع الحسابات السياسية بعيدة المدى، مما يجعل من قراءة المشهد عملية تتطلب الغوص في تفاصيل الاستراتيجيات المتبعة
أكرم بزي - كاتب وباحث سياسي لبناني
ضمن سياق التحليل الاستراتيجي للتوترات الإقليمية الراهنة، تبرز أبعاد متشابكة ومعقدة للصراع، حيث تتقاطع الأهداف العسكرية المباشرة مع الحسابات السياسية بعيدة المدى، مما يجعل من قراءة المشهد عملية تتطلب الغوص في تفاصيل الاستراتيجيات المتبعة، إذ تندرج الضربات العسكرية ضد إيران ضمن استراتيجية قسرية واضحة، تهدف إلى تقويض قدراتها في مجالات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة وشبكة الدفاع الجوي المتطورة، إضافة إلى ممارسة ضغوط مكثفة على شبكاتها الإقليمية الحليفة. ويُنظر إلى هذه الحملة، في التقديرات الاستراتيجية، باعتبارها وسيلة لخلق نفوذ مستدام يهدف في جوهره إلى تقييد خيارات إيران الاستراتيجية وفرض حدود صارمة على تحركاتها حتى بعد انتهاء موجات العمليات القتالية الكبرى، وذلك في محاكاة لسياسة الاحتواء التقليدية التي تعيد رسم الأدوار في المنطقة. وتأتي هذه التوجهات مترافقة مع تساؤلات ملحة في الأوساط التحليلية حول مدى إمكانية لجوء التحالف الأمريكي – الإسرائيلي إلى استخدام أسلحة تكتيكية لإحداث صدمة استراتيجية وإعادة فرض الهيبة في ظل حالة التعثر التي تشهدها المسارات الديبلوماسية، مع العلم أن هذه السيناريوهات تظل محل نقاش وجدل مستمر، بين من يراها تصعيداً محسوباً لاختبار قوة الردع، وبين من يرى فيها مخاطرة غير مأمونة العواقب قد تفضي إلى مصير إقليمي مجهول، إذ إن احتمال تنفيذ ضربة عسكرية تكتيكية داخل إيران تأتي مع المراهنة على أن تداعياتها ستؤدي إلى تغيير جذري في موازين القوى في المنطقة، وستفرض واقعاً جديداً يجد صداه لدى دول الخليج بشكل خاص، حيث تتداخل هذه المعطيات مع استراتيجيات القسر التي تسعى لفرض هيمنة مستدامة.
ويرتبط مفهوم الشرق الأوسط الجديد في الاستراتيجية الأميركية بالعمل الدؤوب على بناء تحالفات أمنية إقليمية تجمع إسرائيل بدول الخليج تحت مظلّة قيادة أميركية مركزية؛ وذلك كأداة رئيسية لمواجهة النفوذ الإيراني المتمدّد. لكن هذا المشروع الضخم يواجه تحدّيات جوهرية وعميقة، أبرزها استمرار مركزية القضية الفلسطينية في الوجدان والوعي الشعبي العربي، مما يجعل القبول الاستراتيجي للتطبيع أو بناء تحالفات علنية مع إسرائيل أمراً معقّداً ومثيراً للجدل الشعبي والسياسي في آن واحد. وفي ظلّ هذه التوترات المتصاعدة التي باتت تمثل تهديداً مباشراً لأمن الممرات المائية الحيوية والطاقة العالمية، ولا سيما مع احتمالات تأثيرها المباشر على حركة الملاحة في مضيق هرمز، تسعى تركيا إلى لعب دور رجل الإطفاء ديبلوماسياً للحفاظ على مصالحها الاقتصادية الاستراتيجية، وتجنيب المنطقة تداعيات تعطل الديناميكيات التجارية وتدفقات الطاقة التي تعتمد عليها، حيث إن غياب المصلحة الاستراتيجية لدى كل من تركيا والسعودية في تكريس الهيمنة الأميركية المطلقة على الممرات المائية يرجع إلى إدراك عميق بأن مثل هذه السيطرة ستؤدي حتماً إلى تقويض استقرار التوازنات الإقليمية الدقيقة التي عملت دول المنطقة على بنائها عبر سنوات من الديبلوماسية، كما أن الهيمنة الأميركية المباشرة ستمثل تحولاً استراتيجياً حاداً يحد من استقلالية القرار الإقليمي لتركيا وإيران على حد سواء، ويجعل من إسرائيل، بوصفها ربيبة أميركا، اليد الطولى في المنطقة، مما يمنحها قدرة غير مسبوقة على تحقيق التوسع والحلم التاريخي للصهيونية بالسيطرة على كامل الإقليم، وهو أمر ترفضه الحسابات الاستراتيجية للقوى الإقليمية الأخرى.
إن ربط العمليات العسكرية التكتيكية بالتحولات الاستراتيجية الكبرى يفتقر في جوهره إلى مراعاة تعقيدات الواقع السياسي الإقليمي، حيث تُغفل هذه القراءة السطحية قدرة دول المنطقة على انتهاج مسارات استراتيجية مستقلة تعبر عن مصالحها الوطنية بعيداً عن الاستقطاب الحاد. فالاعتماد المفرط على استراتيجيات القسر غالباً ما ينتج نتائج عكسية تزيد من حدة التوتر، وتعرقل الوصول إلى الحلول الديبلوماسية المستدامة، مما يستوجب بالضرورة تجاوز السرديات التي تبني توقعاتها على سيناريوهات عسكرية بحتة قد لا تتسق مع حقيقة المصالح المتشابكة في المنطقة، إذ إن المستقبل السياسي لا يُصاغ عبر تدمير القدرات العسكرية فحسب، بل يجري تشكيله عبر إيجاد صيغ حقيقية للتعايش والمصالح المشتركة التي تعترف بوجود القوى الإقليمية وتوازن مصالحها. ومن هنا تبرز الحاجة إلى رؤية أوسع تدرك أن القوة العسكرية وحدها لا يمكنها فرض استقرار طويل الأمد في منطقة تتسم بهذا القدر العالي من التعقيد التاريخي والجيوسياسي. كذلك، فإن أي محاولة لفرض ترتيبات إقليمية جديدة تتجاهل هذه الحيثيات ستظل عرضة للفشل أمام صلابة المواقف الوطنية للقوى الإقليمية التي ترفض التبعية. فالتاريخ أثبت أن التوازنات القائمة على الاحترام المتبادل هي الأكثر ديمومة، وأن أي رهان على تحولات قسرية قد يفتح أبواباً لعدم الاستقرار لا يمكن التنبؤ بمدى اتساعها، مما يفرض على صانعي القرار التفكير في حلول ديبلوماسية تبني الجسور بدلاً من حرقها، وتؤمن بأن أمن المنطقة هو مسؤولية جماعية تبدأ من الاعتراف المتبادل بحق الشعوب في السيادة على قراراتها ومواردها بعيداً عن الهيمنة الأجنبية التي تسعى لتحويل المنطقة إلى ساحة للصراعات التكتيكية بدلاً من أن تكون فضاءً للتعاون والتنمية والازدهار الإقليمي المشترك الذي تطمح إليه شعوب المنطقة منذ أمد بعيد.
نبض