الوطن... بين الوفاء للأرض والوفاء للإنسان
عبدالله ناصرالدين
ليست الأوطان خرائط تُرسم على الورق، ولا حدوداً تفصل بين الجغرافيا، بل هي هوية تُصاغ بالدم، ورسالة تُبنى بالإيمان، ومسؤولية يحملها المواطن قبل أن تحملها الدولة. وفي لبنان، لم يكن الإمام السيد موسى الصدر مجرد رجل دين أو قائد سياسي، بل مؤسساً لمدرسة وطنية جعلت الإنسان محور الدولة، والوطن غايةً تتقدّم على كل الولاءات الضيقة. فالوطن، في فكره، ليس طائفة ولا مذهباً ولا منطقة، بل مساحة جامعة تتساوى فيها الكرامات، وتلتقي فيها الحقوق والواجبات تحت سقف العدالة والسيادة.
آمن الإمام الصدر بأن بناء الوطن يبدأ من بناء المواطن. فالدولة لا تقوم بجدرانها، بل برجالها ونسائها، وبثقافة الانتماء التي تجعل الدفاع عن الأرض واجباً أخلاقياً قبل أن يكون تكليفاً دستورياً. لذلك، ربط بين المواطنة والإخلاص، وبين الحرية والمسؤولية، وبين الحق والتضحية، معتبراً أن الوطن الذي لا يُدافع عنه أبناؤه يفقد تدريجياً مقومات بقائه، وأن السيادة لا تُمنح، بل تُنتزع بإرادة الشعوب وصمودها.
ومن هذه المدرسة الوطنية خرج دولة الرئيس نبيه بري، حاملاً فكر الإمام الصدر إلى ميدان السياسة والدولة. لم يتعامل مع الوطنية كشعار انتخابي، بل كخيار استراتيجي لا يقبل المساومة. وعندما بلغ لبنان واحدة من أخطر محطاته في ثمانينيات القرن الماضي، وقف في مواجهة مشروع كان يراد له أن يُعيد رسم هوية لبنان السياسية والأمنية عبر اتفاق 17 أيار مع إسرائيل، وهو الاتفاق الذي اعتبره اللبنانيون الرافضون له محاولة لإخضاع القرار الوطني لإرادة الاحتلال.
في هذا السياق، جاءت انتفاضة السادس من شباط عام 1984 محطةً فاصلة في التاريخ اللبناني الحديث. لم تكن انتفاضة مطلبية أو صراعاً على السلطة، بل مواجهة سياسية ووطنية لإسقاط اتفاق رأى فيه معارضوه تهديداً مباشراً للسيادة ووحدة البلاد. وقد قاد الرئيس نبيه بري تلك المرحلة مستنداً إلى قناعة راسخة بأن أي سلام يُفرض على حساب الكرامة الوطنية ليس سلاماً، بل تكريسٌ للاحتلال بأدوات سياسية. وكانت نتائج تلك الانتفاضة حاسمة، إذ سقط اتفاق 17 أيار، واستعاد لبنان جزءاً أساسياً من قراره الوطني، لترسخ معادلة مفادها أن السيادة لا تُختزل بتوقيع اتفاق، بل تُصان بإرادة شعب يرفض التفريط بحقوقه.
ومنذ انتخابه رئيساً لمجلس النواب عام 1992، تحوّل دولة الرئيس بري إلى أحد أبرز أعمدة الاستقرار الدستوري في لبنان. فعبر أكثر من ثلاثة عقود، واكب أدق المراحل التي مر بها الوطن، من تثبيت اتفاق الطائف وإعادة بناء المؤسسات بعد الحرب، إلى مواكبة تحرير الجنوب عام 2000، ثم مواجهة تداعيات العدوان الإسرائيلي عام 2006، وصولاً إلى رعاية طاولات الحوار الوطني في أكثر اللحظات انقساماً. وفي كل تلك المحطات، بقي يؤكد أن الدولة القوية لا تُبنى بالغلبة، وإنما بالشراكة، وأن الحوار هو الطريق الأقصر لحماية السلم الأهلي، مهما بلغت حدة الخلافات.
واليوم، ومع التحولات الإقليمية والدولية، عاد الرئيس بري ليعلن رفضه للاتفاق الإطاري الذي أُبرم في واشنطن، انطلاقاً من قناعة ثابتة بأن أي تفاهم ينتقص من السيادة اللبنانية أو يُرتب التزامات أمنية وسياسية لا تنبع من الإرادة الوطنية، يحمل في طياته مخاطر استراتيجية على مستقبل الدولة. فالاعتراض، وفق هذه المقاربة، لا يستهدف مبدأ التفاوض بحد ذاته، بل يتمحور حول ضرورة أن يكون أي اتفاق منسجماً مع الدستور، ويحفظ الحقوق الوطنية كاملة، ولا يفتح الباب أمام وقائع تُفرض على لبنان تحت عناوين التسوية أو الاستقرار.
وفي رؤية الرئيس بري، لا يُمكن إنهاء الصراع مع إسرائيل إلا من موقع القوة الوطنية الجامعة، عبر التمسك بالحقوق اللبنانية، واستكمال تحرير ما تبقى من الأراضي المحتلة، وتثبيت السيادة على كامل الأرض، وتطبيق القرارات الدولية بما يضمن حقوق لبنان لا بما ينتقص منها. فالتسويات التي تتجاهل العدالة لا تصنع سلاماً مستداماً، بل تؤجل أسباب الانفجار إلى موعد آخر.
إن الوطن في مدرسة الإمام موسى الصدر، وفي المسيرة التي يقودها الرئيس نبيه بري، ليس مادةً للمساومة ولا بنداً على طاولة المقايضات. إنه قضية وجود، وهوية أمة، وعهدٌ بين الأرض وأبنائها. لذلك يبقى الإخلاص للبنان فعلاً يُترجم بالتضحية، وتُقاس قيمته بمدى القدرة على حماية السيادة، وصون الوحدة الوطنية، والدفاع عن الدولة العادلة التي تتسع لجميع أبنائها. فالأوطان لا يحفظها الأقوياء بالسلاح وحده، بل يحفظها المؤمنون بها، حين يجعلون من الكرامة الوطنية عقيدةً لا تقبل المساومة، ومن لبنان وطناً نهائياً لجميع أبنائه وبنيه.
نبض