لبنان في شرق أوسط جديد: بين استعادة الدور وخطر فقدان الموقع الاستراتيجي
بسام صرّاف
ليست أخطر الحروب تلك التي تُقاس بعدد الصواريخ أو حجم الدمار، بل تلك التي تعيد رسم خرائط النفوذ من دون أن تعلن نفسها حرباً على الإطلاق. فالدول قد تخسر مدينة ثم تستعيدها، لكنها عندما تخسر موقعها الجيوسياسي، تصبح استعادة هذا الموقع أكثر صعوبة من إعادة إعمار أي حجر.
منذ عام 2019، لم يكن لبنان يعيش أزمات منفصلة، بل وجد نفسه في قلب مرحلة إقليمية غير مسبوقة تتقاطع فيها الحروب والطاقة والممرات البحرية والتحالفات الجديدة والصراع على النفوذ في شرق المتوسط. فالمنطقة دخلت مرحلة إعادة تموضع استراتيجية أعادت تعريف موازين القوة ومراكز الثقل السياسي والاقتصادي.
لم تعد المنافسة في شرق المتوسط تقتصر على ترسيم الحدود البحرية، بل تحولت إلى سباق على مصادر الطاقة ومسارات تصديرها والمرافئ التي ستصبح بواباتها نحو الأسواق العالمية. فمشاريع الطاقة والتعاون الإقليمي لم تعد ملفات اقتصادية فقط، بل أصبحت جزءاً من حسابات النفوذ السياسي والاستراتيجي.
إلا أن التجارب الإقليمية تُظهر أن امتلاك الموارد الطبيعية لا يكفي لصناعة القوة. فالثروات تحتاج إلى دولة مستقرة، ومؤسسات فاعلة، وبنية تحتية قادرة على تحويل الموارد إلى نفوذ اقتصادي ودبلوماسي.
وفي هذا السياق، شكّل اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل عام 2022 بوساطة أميركية محطة مهمة، إذ وضع ملف الموارد البحرية ضمن إطار تفاوضي دولي منظم، وأكد أن ثروات شرق المتوسط أصبحت جزءاً من معادلات إقليمية ودولية أوسع.
لكن بينما عملت دول أخرى على تطوير بنيتها التحتية وتعزيز موقعها في قطاع الطاقة والتجارة، بقي لبنان عاجزاً عن تحويل إمكاناته المحتملة إلى عنصر قوة وطنية فعلية. فالمشكلة لم تكن فقط في غياب الموارد، بل في ضعف القدرة على إدارتها ضمن دولة مستقرة وقادرة على اتخاذ القرار.
وتُظهر تجربة مصر، التي تحولت إلى مركز إقليمي للطاقة بعد تطوير منشآت الغاز الطبيعي المسال، أن الموقع الجغرافي وحده لا يصنع النفوذ. فالجغرافيا تمنح الدول فرصة، لكن المؤسسات هي التي تحول هذه الفرصة إلى قوة استراتيجية.
في هذا الإطار، جاء انفجار مرفأ بيروت ليشكّل أكثر من مجرد كارثة إنسانية. فقد أصاب أحد أهم شرايين الاقتصاد اللبناني، وأضعف قدرة بيروت على أداء دورها التاريخي كمركز تجاري ولوجستي في شرق المتوسط، في وقت كانت فيه موانئ المنطقة تتوسع وتستقطب الاستثمارات.
ثم جاء الانهيار المالي، الذي لم يكن مجرد أزمة نقدية، بل انعكاساً لأزمة أعمق في قدرة الدولة على إدارة الاقتصاد وحماية مؤسساتها. فقد أدى فقدان الثقة، وانهيار القطاع المصرفي، وتراجع قيمة العملة، إلى إضعاف قدرة لبنان على الاستثمار واستعادة النمو.
فالأزمة لم تعد اقتصادية فقط، بل أصبحت أزمة في نموذج الدولة نفسها. فضعف المؤسسات وتراجع القدرة على تقديم الخدمات الأساسية أدّيا إلى تقلص مساحة القرار الوطني وزيادة قابلية البلاد للتأثر بالضغوط الخارجية.
أما الحرب الأخيرة وتداعياتها، فقد أكدت أن لبنان بات مرتبطاً بصراع إقليمي أوسع يمتد من غزة إلى إيران مروراً بسوريا والعراق والبحر الأحمر.
وفي ظل تصاعد أهمية أمن الطاقة والممرات البحرية، أصبحت التطورات اللبنانية مرتبطة بمعادلات تتجاوز حدوده الجغرافية.
ولا يمكن فصل هذه التحولات عن التنافس الدولي على شرق المتوسط، حيث تتقاطع مصالح القوى الكبرى مع حسابات الطاقة والأمن والتجارة. فالمنطقة لم تعد مجرد مساحة جغرافية، بل أصبحت جزءاً من صراع أوسع على النفوذ والموارد ومسارات التواصل بين الأسواق.
قد يُقال إن لبنان، بما يمتلكه من موقع على شرق المتوسط وتاريخ تجاري وثقافي، سيبقى محتفظاً بأهمية استراتيجية مهما اشتدت أزماته. لكن التجارب التاريخية تؤكد أن الجغرافيا تمنح الدول فرصة، لكنها لا تضمن لها مكانة دائمة. فالموقع لا يتحول إلى نفوذ إلا عندما تسنده دولة مستقرة واقتصاد منتج ومؤسسات قادرة.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: من انتصر ومن خسر؟ بل: ماذا أصبح موقع لبنان بعد كل هذه التحولات؟
لقد تبدلت موازين القوى في المنطقة، وأعيد ترتيب أولويات اللاعبين الدوليين، وتغيرت خرائط الطاقة والتجارة. وإذا لم يستطع لبنان إعادة بناء دولته ومؤسساته واقتصاده، فإنه يخاطر بالتحول من دولة تمتلك موقعاً استراتيجياً إلى مساحة تتنافس عليها مشاريع الآخرين.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في خسارة أزمة أو حرب، بل في فقدان القدرة على التأثير في شرق أوسط يعاد تشكيله بسرعة. فالدول التي تغيب عن لحظات التحول الكبرى لا تبقى محايدة، بل تتحول تدريجياً من دول تؤثر في التوازنات إلى ساحات تتأثر بها.
إن السيادة لا تُختزل بالشعارات، بل تُقاس بقدرة الدولة على احتكار القرار، وحماية حدودها، وإدارة مواردها، وامتلاك حرية الاختيار في علاقاتها الخارجية.
وقد يختلف اللبنانيون في تقييم أدوار القوى الداخلية أو الإقليمية، لكن الحقيقة أن لبنان خرج من السنوات الماضية أكثر هشاشة، بينما دخلت المنطقة مرحلة جديدة تُرسم فيها موازين القوة على أساس المصالح الاستراتيجية.
لقد أثبت التاريخ أن الأمم لا تفقد أدوارها فجأة، بل عبر تراكم طويل من الأزمات التي تضعف قدرتها على اتخاذ القرار. وعندما تصبح الدولة عاجزة عن حماية اقتصادها ومؤسساتها، فإن ثرواتها الطبيعية قد تتحول من فرصة للنهوض إلى عنصر جذب للصراعات الخارجية.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال استراتيجي يتجاوز كل أزمة على حدة. فمن انفجار مرفأ بيروت، إلى الانهيار المالي، وصولاً إلى حروب المساندة وما خلّفته من استنزاف للدولة والاقتصاد، يمكن النظر إلى هذه المحطات بوصفها مساراً تراكمياً وضع لبنان أمام استحقاق واحد: إعادة تحديد موقعه في شرق أوسط يُعاد تشكيله وفق موازين قوى ومصالح جديدة.
فهل تدرك الدولة اللبنانية أن ما يجري ليس مجرد أزمات متلاحقة، بل مرحلة تاريخية تُعاد فيها صياغة النظام الإقليمي؟ وهل تمتلك رؤية استراتيجية تُمكّنها من إعادة النظر في تموضع لبنان بما يحفظ مصالحه الوطنية، ويجنّبه كلفة الاصطفافات الإقليمية، ويعيد إليه دوره الطبيعي كدولة ذات سيادة وفاعل في محيطه؟ أم أنها ستبقى تتعامل مع كل أزمة بمعزل عن الأخرى، فيما تتغير من حولها خريطة الشرق الأوسط بوتيرة متسارعة؟
ويبقى السؤال الذي سيحدد مستقبل لبنان: هل ينجح اللبنانيون في استعادة دولة قادرة على إدارة مواردها وصناعة قرارها، أم يبقى وطنهم ساحة تتقاطع فيها مشاريع الآخرين؟
فالرهان الحقيقي ليس على من يربح جولة سياسية أو عسكرية، بل على من ينجح في بناء دولة قوية قادرة على تحويل موقعها الجغرافي وثرواتها إلى عناصر قوة وطنية مستدامة.
لأن الأمم لا تُقاس بما تملكه فقط، بل بقدرتها على حماية ما تملكه وتحويله إلى نفوذ ومكانة. فالجغرافيا قد تمنح الدول فرصة، لكن المؤسسات هي التي تمنحها الدور، والسيادة الفاعلة هي التي تحفظ لها مكانتها في التاريخ.
نبض