من يكتب التاريخ… ومن يصحح روايته؟
السؤال الأهم ليس: من يكتب التاريخ؟ بل: لماذا تصدق الشعوب الرواية التي تكتب؟
د. كلير فخرالدين*
ليست الحروب صراعاً على الأرض وحدها، بل هي أيضاً صراع على الذاكرة. فكل قوة تنتصر تسعى إلى تثبيت روايتها للأحداث، لا لأنها الحقيقة المطلقة بالضرورة، بل لأنها تمتلك أدوات النشر والتعليم والإعلام والأرشفة. ومع مرور الزمن، تتحول الرواية المتداولة إلى ما يشبه الحقيقة، ويصبح التشكيك فيها خروجاً على المألوف أكثر منه بحثاً عن الدليل.
لكن السؤال الأهم ليس: من يكتب التاريخ؟ بل: لماذا تصدق الشعوب الرواية التي تكتب؟
الجواب لا يتعلق بسذاجة المجتمعات، بل بطريقة تشكل الوعي. فالإنسان يتلقى فهمه للماضي من المدرسة، والجامعة، والكتب، ووسائل الإعلام، والسينما، والمتاحف، حتى تتكون لديه صورة تبدو بديهية، مع أنها قد تعكس سردية مرحلة تاريخية أكثر مما تعكس الحقيقة بكل أبعادها. وهنا تكمن قوة السرديات؛ فهي لا تفرض نفسها بالقوة وحدها، بل بالتكرار حتى تتحول إلى يقين.
غير أن التاريخ ليس نصاً مغلقاً، بل علمٌ يتطور كلما ظهرت وثائق جديدة، أو اكتشافات أثرية، أو مناهج بحث أكثر دقة. لذلك، لم تتردد الدراسات الحديثة في مراجعة كثير من المسلمات التي استقرت لعقود، وأعادت تقييم أحداث وشخصيات وحضارات بعيداً عن الاعتبارات السياسية التي صاحبت تدوينها الأول.
ولهذا، تبدو فكرة "الحضارة الواحدة" أو "الشعب الذي صنع التاريخ وحده" أقرب إلى الخطاب الأيديولوجي منها إلى المنهج العلمي. فالحضارات لم تنشأ في عزلة، بل تشكلت عبر آلاف السنين من الهجرة والتجارة والترجمة وتبادل المعارف. ولم تنتقل الأفكار في اتجاه واحد، بل سلكت مسارات متعددة، فأخذت كل حضارة ممن سبقها وأضافت من إبداعها، حتى أصبح الإرث الإنساني نتاجاً لتراكم جماعي، لا لاحتكار حضاري.
ولا يعني ذلك إنكار إسهامات أي أمة، كما لا يبرر استبدال مركزية بأخرى. فتصحيح التاريخ لا يكون بكتابة رواية مضادة، بل بتحرير البحث العلمي من الانحياز، والاحتكام إلى الأدلة لا إلى موازين القوة.
واليوم، تزداد هذه المسؤولية أهمية مع الثورة الرقمية وصعود الذكاء الاصطناعي. فهذه الأدوات قادرة، من جهة، على إتاحة الوصول إلى كم هائل من الوثائق وتحليلها وربطها بطرق لم تكن ممكنة من قبل، لكنها قادرة أيضاً، من جهة أخرى، على إعادة إنتاج التحيزات نفسها إذا بُنيت على بيانات غير متوازنة أو روايات أحادية. ولذلك، فإن معركة المستقبل لن تكون حول امتلاك المعلومات فحسب، بل حول القدرة على التحقق منها، وتمييز المعرفة الموثقة من السرديات التي يعيد تكرارها الإنسان أو الخوارزمية.
إن قوة أي مجتمع لا تقاس بقدرته على تمجيد ماضيه، ولا بإنكار إنجازات الآخرين، بل بشجاعته في مراجعة ما يظنه بديهياً. فالحضارات الواثقة من نفسها لا تخشى النقد، والبحث العلمي لا يخدم أمة بعينها، بل يخدم الحقيقة.
ربما لن نعرف يوماً الرواية الكاملة لكل ما حدث في الماضي، لكننا نستطيع أن نقترب منها كلما تحررنا من الأحكام المسبقة، واحتكمنا إلى الدليل بدل النفوذ، وإلى المنهج بدل الأيديولوجيا. فالروايات قد تمنح أصحابها سلطة مؤقتة، أما الحقيقة فلا يمنحها الشرعية إلا البحث الحر، والنقد العلمي، والاستعداد الدائم لإعادة النظر في كل ما نظنه يقيناً.
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية
نبض