بعد صفقة F-35 لتركيا ورفع العقوبات عن سوريا... هل دخل لبنان مرحلة الحسم استجابةً للمطلب الأميركي نزع السلاح؟
محمد عبدالله - كاتب وباحث سياسي
لم يعد ملف سلاح "حزب الله" يُقرأ بوصفه قضية لبنانية داخلية فحسب، بل بات جزءاً من عملية إعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط. فالمتغيرات التي شهدتها المنطقة خلال الأسابيع الأخيرة، من إعادة فتح صفحة العلاقات الأميركية – التركية، إلى رفع العقوبات عن سوريا وإعادة دمجها تدريجاً في النظام الإقليمي، توحي أن واشنطن انتقلت من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة محاولة إعادة هندسة الإقليم، ويبدو أن لبنان سيكون أحد أبرز ساحات هذا التحول.
في هذا السياق، تكتسب تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب أهميةً خاصة. فمنذ أشهر، يكرر قوله: "أنا مع تلزيم نزع سلاح حزب الله لسوريا لأن الرئيس أحمد الشرع قادر على المساعدة في هذا الأمر". ولم يكن لافتاً مضمون هذا الكلام فحسب، بل إصراره على تكراره خلال لقائه الرئيس السوري أحمد الشرع على هامش قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة، حيث أكد مجدداً أن دمشق ستكون شريكاً في معالجة هذا الملف.
هذه التصريحات لا يمكن فصلها عن التحولات التي تشهدها سوريا نفسها. فالرئيس الشرع سبق أن أكد أن بلاده لا تسعى إلى التدخل في الشأن اللبناني، كما حملت زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت، ولقاءاته مع المسؤولين اللبنانيين الكبار، ولاسيما منهم رئيس مجلس النواب نبيه بري، رسائل طمأنة تؤكد احترام سيادة لبنان والرغبة في بناء علاقة جديدة تقوم على التعاون لا الوصاية.
لكن في السياسة، لا تكفي التصريحات لفهم الاتجاهات. فالمؤشرات العملية غالباً ما تكون أكثر دلالة من المواقف المعلنة.
أول هذه المؤشرات يتمثل في التقارب الأميركي – التركي، بعد إعلان ترامب استعداده لإعادة تفعيل صفقة مقاتلات F-35 مع أنقرة، في خطوة تعكس رغبة واشنطن في إعادة تركيا إلى قلب المنظومة الأمنية الغربية والاستفادة من نفوذها المتزايد في سوريا وشرق المتوسط.
أما المؤشر الثاني، فيكمن في رفع العقوبات عن سوريا والانفتاح الغربي المتدرج عليها، بما يسمح بإعادة تأهيل الدولة السورية وإسناد أدوار أمنية إليها، وخصوصاً في ضبط الحدود اللبنانية – السورية التي تشكل أحد أهم مسارات انتقال السلاح والمقاتلين.
ويبرز المؤشر الثالث في تصاعد الضغوط الأميركية على لبنان لتنفيذ الترتيبات الأمنية، وربط أي دعم اقتصادي أو خطة لإعادة الإعمار، بإثبات قدرة الدولة اللبنانية على احتكار السلاح وبسط سلطتها الكاملة على أراضيها، بما يتوافق مع القرارات الدولية ومطالب المجتمع الدولي.
وتأتي زيارة رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إلى تركيا، بدعوة مباشرة من الرئيس رجب طيب أردوغان، بعد وقت قصير من زيارة ترامب، لتزيد من حجم التساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة. فالحفاوة التي أحاطت بالزيارة، وتوقيتها، دفعت كثيرين إلى الاعتقاد أن أنقرة قد تكون مرشحة للعب دور في أي ترتيبات إقليمية جديدة تخص لبنان، بالتنسيق مع دمشق وبدعم أميركي.
كما لا يمكن تجاهل ما سبق أن أعلنه أردوغان أن أمن تركيا يبدأ من بيروت وحلب وليس من هاتاي، وهو تصريح يعكس رؤيةً تركية تعتبر أن استقرار لبنان وسوريا جزء من أمنها القومي، ويؤكد أن أنقرة تنظر إلى التطورات اللبنانية باعتبارها جزءاً من معادلةٍ أمنية أوسع.
لكن، في المقابل، فإن أي حديث عن نزع سلاح "حزب الله" لا يزال يصطدم بعقباتٍ كبيرة. فالحزب ليس مجرد قوة عسكرية لبنانية، بل يمثل أحد أهم مرتكزات النفوذ الإيراني في المنطقة، وأي محاولة للمساس به ستتجاوز الحدود اللبنانية لتطاول شبكة التحالفات التي بنتها طهران خلال العقود الماضية.
وتتحدث معلومات متقاطعة عن أن بعض الفصائل المسلحة العراقية أبلغت حلفاءها استعدادها للتدخل إذا تعرض الحزب لضغوط عسكرية أو أمنية مباشرة، فيما تراقب إيران مسار التحولات بحذر شديد، إدراكاً منها أن خسارة الساحة اللبنانية ستعني تراجعاً استراتيجياً كبيراً في معادلة النفوذ الإقليمي.
في المقابل، تبدو إسرائيل أكثر اقتناعاً من أي وقت مضى بأن البيئة الدولية أصبحت أكثر استعداداً لدعم مشروع إنهاء الوجود العسكري لـ"حزب الله"، مستفيدة من المتغيرات التي أفرزتها الحرب الأخيرة ومن تبدل أولويات عدد من العواصم العربية والغربية.
ومع ذلك، فإن ترجمة هذه الرغبات إلى واقع عملي ليست مسألة سهلة. فلبنان يعيش توازناتٍ داخلية معقدة، وأي مقاربة لا تراعي هذه التوازنات قد تؤدي إلى نتائج عكسية، وهو ما يدفع معظم العواصم المعنية إلى تفضيل خيار الضغوط السياسية والاقتصادية والتفاوض التدريجي بدل المواجهة المباشرة.
لهذا، قد لا يكون لبنان قد دخل بعد مرحلة الحسم النهائي، لكنه بلا شك دخل مرحلة العد العكسي لإعادة صوغ معادلة السلاح والدولة. فالأسئلة لم تعد تدور حول ما إذا كان هذا الملف سيفتح، بل حول توقيت فتحه، والجهة التي ستدير هذا المسار، والثمن السياسي والأمني الذي سيدفعه جميع الأطراف للتوصل إلى تسوية جديدة ترسم ملامح لبنان في مرحلة ما بعد الحرب والتحولات الإقليمية الكبرى.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
لون الحكمة والهدوء يخطف الأنظار بأناقته
نبض